رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فن الكاريكتير



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن فن الكاريكتير هو لون من الرسم الفكاهي الساخر، يهدف إلى النقد والتوجيه، ويعتمد على التضخيم والمبالغة، فقد يضخم عضوًا من الأعضاء في الرسم التشخيصي بحيث يطغى على بقية الجسم. وقد يبرز القضايا المعنوية بأسلوب مادي.
والحقيقة أن هذا اللون يعد أكثر إمعانًا في الاتجاه التعبيري الذي نتحدث عنه، فهو يلتقي مع الكلمة لقاء حميمًا، بل لعل الرسم هنا قد استفاد الفكرة من الشاعر ثم صاغها بريشته.
وهذا ما يذكرنا بقول المتنبي يصف كافورًا:
وأسود مشفره نصفه ♦♦♦ يقال له أنت بدر الدجى
فقد ذهب المتنبي بعيدًا في تضخيم الشفة السفلى لكافور حتى باتت مدلاة إلى نصفه.. وما يفعله الكاريكاتور ليس أكثر من هذا.
كما يذكرنا بقول ابن الرومي:
يا صلعة لأبي حفص ممردة
كأن ساحتها مرآة فولاذِ
ترن تحت الأكف الواقعات بها
حتى ترن بها أطراف بغداد
كانت تلك إلمامة سريعة بالمجالات الوظيفية للرسم، بينا فيها كل مجال على انفراد.
وهذا لا يمنع أن بعض الأعمال الفنية قد يجتمع فيها غرضان من الأغراض السابقة أو بتعبير أدق يستطيع الفنان من خلالها أن يؤدي أكثر من وظيفة. وكمثال على ذلك نذكر فن الخط. فهو قد يشغل اللوحة بأسلوب زخرفي، فهو من هذا الجانب (تجميلي) وفي الوقت نفسه هو كلام يحمل معنى فهو (تعبيري)...
الفن الرديء:
أما حين تخلو اللوحة من انتسابها إلى أحد المجالات السابقة - فلا تكون تعليمية، ولا تجميلية، ولا تعبيرية، وينعدم فيها الباعث والهدف فهي حينئذٍ نوع من العبث. والعبث لا يكون جميلًا بحال من الأحوال. وأمثلة اللوحات العبثية كثيرة جدًا، منها كل تلك اللوحات التي لا يفهمها أحد ممن وقفوا أمامها، وإن كان من شأنهم أن يهزوا رؤوسهم تظاهرًا بالفهم.. بل إن كثيرًا من اللوحات لا يساورنا الشك في أن الفنان نفسه لم يفهم ما يريد، وقد يستغرب قولنا هذا، ولكن إذا عرفنا أنه في ظل هذه المدنية الحديثة هناك آلاف مؤلفة من الناس لا يدرون غاية وجودهم في الحياة.. ألا يصدر عن فنان من هذا النوع رسم لا يفهم المراد منه؟
إننا نشارك "تولستوي" رأيه حيث يقول:
"... في التصوير يجب أن يعد من الفن الرديء، كل ما هو كنسي أو قومي، وكذلك كل الصور ذات الطبيعة الخاصة، أي كل الصور التي تعبر عن متع أو مغريات ترتبط بحياة الغنى والبطالة، وكذلك الصور الرمزية التي لا يتضح معنى الرمز فيها إلا لجماعة معينة من الناس، وأخص بالذكر تلك الصور ذات الموضوعات التي تغلب عليها الشهوة، أعني تلك الصور المخزية للنساء العاريات التي تملأ المتاحف وقاعات الفن...
"بمثل هذه الطريقة.. يجب أن نحكم على أعمال كثيرة - تعدها الطبقة العليا في مجتمعنا أعمالًا عظيمة - وعلى كل ما يصور المعجزات من اللوحات المصورة، ويدخل في ذلك لوحة (التجلي)[1] لرفائيل وغيرها..."[2].
وبعد:
تلك هي المجالات التي يشغلها الرسم في واقع الحياة.
ولا نشك بأن المجالين الأول والثاني هما الأصل في مهمة الرسم، ولكنا نتساءل فنقول: إذا كانت اللوحة التعبيرية - بحسب اصطلاحنا - قد أصبح الجمال الفني غاية وجودها، ألا يعني ذلك أنها قد تخلت عن غايتها الأصيلة التي دفعت الفنان لإِنتاجها؟
إن "الجورنيكا" كانت الغاية منها أن تذكي العواطف، وتلهب المشاعر ضد الاعتداء على الآمنين... وقتل الأبرياء، فإذا بمشاعر المشاهدين تتجه للحكم على اللوحة وجمالها.
وكذلك كانت الغاية في اللوحة الثانية - لوحة الطفلين - أن يستشعر المشاهد أولئك الفقراء والمحتاجين فيمد لهم يد العون.. بعد مشاهدة اللوحة، ولكن هذا لم يحصل قط. وبقيت المشاعر مجرد إعجاب بفن الفنان، إعجاب بالخطوط والألوان ودقة التعبير...
إن هذا النوع زاحم "الكلمة" في مهمتها فلم يفلح كما أفلحت، ولم يستطع أن يرتقي إلى مستواها.
أما ذلك النوع من الرسم الذي لا يفهم المراد منه، أو الذي اختار القبح موضوعًا له، فإن الكثير من لوحاته استطاعت أن تشق طريقها إلى المتاحف لتأخذ مساحات واسعة.. وخطر هذه اللوحات لا يقتصر على كونها لا تبعث البهجة للعين، وإنما يتجاوز ذلك إلى إفساد أذواق المشاهدين بل ويضطرهم إلى الكذب والنفاق، فيضطرون إلى التظاهر بالفهم وهم غير فاهمين، وإلى التظاهر بالإِعجاب والجمال.. وهم غير قانعين بذلك...
وهذا ما دفع الفيلسوف الإِسباني "جاسيت" إلى وصف الفن الحديث بأنه "تميز بأنه قد تجرد عن العنصر الإِنساني"[3].
________________________________________
[1]هي إحدى لوحات رفائيل الشهيرة, وتصور السيد المسيح محلقًا فوق الجبل بين موسى وإيليا مع تفصيلات أخرى, وتعبر عن فقرة وردت في إنجيل متى, وهي محفوظة بالفاتيكان.
[2] عن كتاب (في الأدب المقارن) تأليف د. محمد عبد السلام كفاني ص 77و 78 - 79.
ط 1 دار النهضة بيروت عام 1972.
[3]فلسفة الجمال. أميرة مطر ص 166.

اكتب تعليق

أحدث أقدم