رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فلسفة الإسراء والمعراج

 
بقلم المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف 
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي ,
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
مما لاشك فيه أن الأمة الإسلامية تحتفل  بذكرى الإسراء والمعراج؛ لما تُمثِّله من أهميةٍ خاصة فى نفوس جموع المسلمين فى العال ، ولارتباط هذه الذكرى بنى الأمة محمد، عليه الصلاة والسلام، ولِما تنطوى عليه هذه الذكرى من دروسٍ من شأن الاهتمام بها، والعمل بمقتضاها، أن تُغيِّر منظومة الحياة الإنسانية نحو الأفضل، والتحليق بها فى آفاقٍ بعيدةٍ من التحضُّر والرقى والازدهار الإنسانى، ويتجلَّى ذلك من خلال قراءة التقاء النبى، عليه الصلاة والسلام، بالأنبياء جميعاً فى بيت المقدس، فقد جاء فى حديث الإسراء: "ثم أسرى برسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى بيت المقدس راكباً على البراق صحبة جبريل، عليه السلام، فنزل هناك، وصلى بالأنبياء إماماً، وربط البراق بحلقة باب المسجد، ثم عرج به إلى السماء الدنيا"، وهذا اللقاء يُجسِّد لقاء رجال الدين على مر العصور – وهم الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً - وأنهم جميعاً أُرسلوا لترسيخ وإرساء مكارم الأخلاق فى دنيا الناس، ولتحقيق معانى التعاون الإنسانى، والتعايش السلمى بين البشر الذى دعا إليه القرآن الكريم فى قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"، الحجرات: (13)،
وفى هذا إشارة مهمة، ودلالة عُظمى، على ضرورة التقاء رجال الدين من أتباع الأديان فى العالم، فى كل زمانٍ ومكان، وكل عصرٍ ومصر؛ لِما يُحدثه ذلك من تقاربٍ فى الفكر، وفى إرساء معانى المواطنة بين الشعوب بما تُمثِّله من التساوى فى الحقوق والواجبات، والتعاون الإنسانى فى الارتقاء بمنظومة الكون، من أجل العروج بحضارة الإنسان، وبمكارم الأخلاق، بما يخدم البشرية كلها.
وإن مما يُشبه ذلك فى الفترة الحالية، لقاء الأزهر بالفاتيكان، ووضع وثيقة الإخاء الإنسانى؛ للتقريب بين الشعوب، والبناء على القواسم المشتركة، وهى كثيرةٌ جداً، ونبذ فكر التعصُّب والتطرُّف ضد الآخر، وترسيخ معانى التعددية الفكرية والثقافية بين الشعوب، فضلاً عن نبذ الإرهاب، ومواجهته بكل سبيل، والعمل على الحفاظ على النفوس الآدمية، وعدم إهانتها، أو الانتقاص من قدرها؛ لأن فى ذلك تحقيقاً لمعانى السلام الذى دعت إليه الأديان قاطبةً، وفى ظلاله تنعم الآدمية بالحياة، والإنسانية بالرقى الحضارى، والعروج بمنظومة القيم فى الإطار الذى دعت إليه الأديان، والذى أشار إليه القرآن الكريم فى قول الله تعالى: "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ"، الرحمن: (33).
ويُجسِّد معنى المعراج ملمحاً آخر فى ضرورة التأكيد على معراج البدن والروح معاً، فكما أن الإنسان مطالبٌ بالمعراج والارتقاء بمنظومة القيم والسلوك، والعمل، وتعمير منظومة الكون والخلافة عن الله فى الأرض، فهو مطالبٌ أيضاً بالارتقاء بالجانب الروحى؛ لأن الإنسان جسدٌ وروح، وكلاهما مكمِّلٌ للآخر؛ لا بقاء له فى الحياة إلا بهما معاً، الأمر الذى يُؤكِّد على ضرورة التأكيد على حرية العقيدة لدى الإنسان، وعدم إكراه إنسانٍ على عقيدةٍ لم يُؤمن بها؛ قال تعالى: "لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ"، البقرة: (256)، وضرور ة إتاحة ممارسة الشعائر الدينية للإنسان بغض النظر عن جنسه، أو لونه، أو دينه، من أجل تزكية نفس الإنسان، والعروج بالروح فى ملكوت السموات والأرض، وهذا الأمر يُلقى بظلال المسئولية الكبرى على عاتق رجال الدين؛ لأنه لن يكون هناك سلام بين الشعوب، إلا إذا كان هناك سلام حقيقى بين الأديان، وهذا المعنى ما أكَّدت عليه رحلة الإسراء ولقاء النبى بالأنبياء، ورحلة المعراج التى تقتضى تطوير منظومة الأخلاق بين شعوب العالم حتى تنعم البشرية بظلال الأمن والأمان، والتعاون الإنسانى المشترك بما يُحقِّق ويُجسِّد كل معانى الخير والسلام للإنسان فى العالم.

اكتب تعليق

أحدث أقدم