رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الطلاق في الميزان



بقلم المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الإسلام حث على لمِّ شملِ أفرادِ المجتمعِ على جهةِ العمومِ والأسرةِ على وجهِ الخصوصِ، ودعَا إلى ربطِ أواصرِ الأرحامِ والمحبِّين والأقربين، ولذا لم يردْ في القرآنِ الكريمِ لفظَ «الميثاقِ الغليظِ» سوى في ثلاثةِ مواضعَ: أولهُمَا: في سياقِ الحديثِ عن النبيينَ قالَ تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾، ثانيهُمَا: في ثنايَا الحديثِ عن مخالفةِ اليهودِ وصيدهِم يومَ السبتِ قالَ تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، ثالثهُمَا: في وصفِ عقدِ النِّكاحِ حيثُ قالَ اللهُ جلَّ وعلاَ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، وهذا يعطيكَ معنَى الإلزامِ والدوامِ والاستمرارِ، وتحقيقِ السكنِ والاستقرارِ، فرباطُ الزواجِ رباطٌ مقدسٌ يعسرُ نقضُهُ كالثوبِ الغليظِ يعسرُ شقُّهُ، ولذَا كان الأصلُ في عقدِ الزواجِ التأبيدَ لا التأقيت، وقد جاءَ التحذيرُ عن سيدِ المرسلين فيمَن سعَى للتفرقةِ بينَ الزوجينِ دونَ سببٍ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خبَّبَ امرأةً على زوجِهَا ولا مملوكًا على سيدِهِ» (الحاكم وصححه ووافقه الذهبي)، بل حرمَ على المرأةِ التي تطلبُ الطلاقَ دونَ سببٍ مقنعٍ دخولَ الجنةِ؛ لما يترتبُ على فعلِهَا هذا ضياعُ الأسرةِ، وتشريدُ الأطفالِ فعَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الجَنَّةِ» (الترمذي وحسنه)، ولا يفرحُ إبليسٌ بِشَيءٍ كفرحِهِ
بِالطَّلَاقِ، وإحداثِهِ الفرقةَ والشقاقَ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ» (مُسْلِمٌ)، فانظرْ رحمنِي اللهُ وإياكَ كيفَ أنَّ الشيطانَ يفرحُ بالتفرقةِ بينَ الزوجينِ، ولا يُبالِي بما سُواهَا مِن الفتنِ.
* لقد سمَّى اللهُ عزَّ وجلَّ إحدى سورِ القرآنِ الكريمِ ب «سورةِ الطلاقِ» فلِمَاذَا ؟ السرُّ يتلخصُ في أنَّ اللهَ سهلَ طريقَ الزواجِ، ولم يصعبْهُ على الإنسانِ، بينما شددَ في الطلاقِ، وبيَّنَ أحكامَهُ مفصلةً، وحذّرَ منهُ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» (ابن ماجه)؛ لأنَّهُ يترتبُ عليه خرابُ البيوتِ التي كانتْ تقومُ على المودةِ والرحمةِ، وضياعُ الأسرةِ التي قد يستمرُ تأسيسُهَا لسنواتٍ طوال، وكفاحٍ موصولٍ بالليلِ والنهارِ، فناسبَ أنْ يجعلَ اللهُ له سورةً بمثابةِ جرسِ إنذارٍ لمَن يفكرُ أو يخطرُ ببالِهِ الإقدامَ على هذا الأمرِ، وليكنْ إقدامُهُ هذا مشفَّعًا بآدابِ الإسلامِ، وأخلاقِ سيدِ الأنامِ، ولذَا عندمَا تتأملُ سياقَ الآياتِ التي وردَ فيها الحديثُ عن الطلاقِ «في سورِ البقرةِ، النساءِ، الطلاقِ» تجدُ فيها أنَّ اللهَ – عادةً- ما يتبعُ ذلك بالحديثِ عن خُلقِ المعروفِ والإحسانِ، وعدمِ نسيانِ الوقوفِ أمامَ الديانِ يومَ القيامةِ؛ ليسألَ الإنسانَ عما قدمتْ يداهُ، وليرشدَ العبدَ أنْ يكونَ فراقُهُ فراقًا جميلًا عن طيبِ نفسٍ، وسلامةِ قلبٍ، ولا ينسَ ما كان بينهما من عشرةٍ ومحبةٍ، إذ هذا أبقَى للوصالِ خاصةً إذا كان ثمةَ أطفالٍ بينهُمَا .
أسبابُ ظاهرةِ الطلاقِ: لقد حمَى الشارعُ الحكيمُ عقدَ الزواجِ، وحصّنَهُ بجملةٍ من الأوامرِ والتوجيهاتِ، وأرشدَ الأزواجَ إلى جملةٍ من الآدابِ والنصائحِ التي بها يعبرانِ سفينةَ الحياةِ، ولكن قد «تَجْرِي الرِّيَاح بِمَا لاَ تَشْتَهِي السُّفُن»، فتطرأُ على الحياةِ الزوجيةِ بعضُ المنغصاتِ التي تُهددُ بنيانَهَا، وتهدمُ أركانَهَا، ومن المعلومِ أنّ علاجَ أيِّ ظاهرةٍ أو دواءَ أيِّ مشكلةٍ هو تحديدُ أسبابِهَا، وتشخيصُ دائِهَا؛ ليأتِيَ المُشخِّصُ بالعلاجِ الناجعِ، والدواءِ النافعِ، ومِن أهمِّ أسبابِ ظاهرةِ الطلاقِ:
*سوءُ الاختيارِ: إنَّ الشابَّ الذي يقدمُ على الزواجِ يجعلُ جُلَّ اهتمامِهِ في اختيارهِ لشريكةِ حياتِهِ ينصبُّ على جملةٍ من المقاييسِ النسبيةِ التي تختلفُ مِن إنسانٍ لآخر، لكنْ ضبطَهَا رسولُنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقولِهِ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» (متفق عليه)، فحددَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهمَّ الأُسسِ التي بها يختارُ الإنسانُ شريكَ حياتِهِ «الخُلقُ، المالُ، الحسبُ، الجمالُ»، وكذا الفتاةُ تحلمُ بفارسِ يحققُ لها ما تتمناهُ دونَ النظرِ هل هو كفءٌ لها أمْ لا ؟ مع العلمِ بأنَّ الكفاءةَ في الزواجِ معتبرةٌ عندَ الفقهاءِ – وهو قولٌ للشافعيةِ والحنفيةِ – من الناحيةِ الاقتصادية
والثقافيةِ والاجتماعيةِ وغيرِهَا، ففي هذا بقاءٌ لاستمرارِ عشِّ الزوجيةِ، وهناءٌ للحياةِ الأسريةِ. ومن أجلِ الفوزِ بتلك الأحلامِ، يهملُ الشابُ أو الفتاةُ تلك الاعتبارات، ويحلقُ بعيدًا عن هذه الضوابطِ، فيحملُهُ أحيانًا لتجميلِ صورتِهِ في نظرِ مخطوبتِهِ أنْ يكذبَ عليها، أو يدارِي بعضَ عيوبِهِ، أو يغطِّي بعضَ مثالبِهِ التي لو صرّحَ بها لرفضتْهُ ولم تقبلْهُ، ثم بعدَ الزواجِ تُكشَفُ العيوبُ، ويظهرُ المخبوءُ، وتُرفَعُ السترُ والحجبُ، فيصطدمَا بما لم يكنْ في حسبانهِمَا، فيَكثُرُ العراكُ، وتتعالَى الأصواتُ، ويبوحَا بالشكوى والعتابِ، فلا يجدَا بُدًّا من الفراقِ والطلاقِ.
*عدمُ تحملِ الزوجين لبعضهِمَا، وسوءُ فهمِ طبيعةِ كلٍّ منهما: إنَّ بعضَ الأزواجِ يقفُ بالمرصادِ تجاهَ الآخرِ، فلا يغفرُ ذلةً، ولا يقيلُ عثرةً، ولا يسترُ عورةً، يغضبُ مِن أدنَى شىءٍ، فهما يريدانِ الكمالَ من بعضهِمَا؛ وكأنهُمَا ليسَا بشرًا، ولم يُكتَبْ عليهما الخطأُ والزللُ، مع أنَّ هذا جهلٌ مطبقٌ بالطبيعةِ الإنسانيةِ التي لا مفرَّ ولا محيصَ عنها ألا وهي ارتكابُ الذنبِ ثم التوبةُ والرجوعُ إلى علامِ الغيوبِ، وصدقَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيثُ قَالَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» (ابن ماجه)، فالرجلُ جهلَ أنَّ المرأةَ تتحكمُ فيها العاطفةُ والمشاعرُ، فبكلمةٍ يكسبُ ودَّهَا، ويسكنُ غضبُهَا، ويهدأُ بالُهَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمَرْأَةُ خُلِقَتٍ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ وَإِنَّكَ إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنْ تَرَكْتَهَا تَعِشْ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ» (الحاكم وصححه ووافقه الذهبي)، كيفَ تستقيمُ الحياةُ بينهُمَا وهمَا في صراعٍ دائمٍ لا ينقطعُ، ونزاعٍ موصولٍ لا يزولُ، فليتنازلْ الرجلُ عن كبريائِهِ، والمرأةُ عن عنادِهَا، وتأملْ قولَ اللهِ تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ تجد فيه دلالةً على أنَّ المرأةَ خُلقتْ من طِينةِ الرجلِ، فيهَا ما فيهِ مِن ضَعْفٍ ونقصٍ وخطأٍ، فلا ينبغِي أنْ يفترضَ فيها الكمالُ، والأمرُ كذلك بالنسبةِ له، إنَّهُمَا من الطِّينةِ ذاتِها .
*الغيرةُ المذمومةُ وإفشاءُ الأسرارِ: إنَّ مِن أقوى أسبابِ الطلاقِ عاملَ الغيرةِ المذمومةِ التي هي مبنيةٌ على الشكِّ والريبةِ دونَ دليلٍ قاطعٍ، فيتولدُ عنها انعدامُ الثِّقةِ بينَ الزوجينِ، وربَّمَا دفعَتْ الغيرةُ الشخصَ ليعملَ أعمالًا طائشةً صبيانيةً، ولذِا ذمَّ رسولُنَا هذا النوعَ من الغيرةِ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يَكْرَهُ اللَّهُ، فَأَمَّا مَا يُحِبُّ اللَّهُ، فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا مَا يَكْرَهُ، فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ» (ابن ماجه)، كما أنَّ إفشاءَ أسرارِ البيوتِ والعلاقاتِ الزوجيةِ – خاصةً على مواقعِ التواصلِ الاجتماعي- لهو أمرٌ غيرُ محمودٍ على الإطلاقِ، فكمْ مِن بيتٍ خُرِّبَ، وكمْ مِن أُسرٍ شُرِّدتْ بسببِ ذلك، إنَّ أسرارِ العلاقةِ الزوجيةِ بكلِّ أشكالِهَا وأحوالِهَا يجبُ أنْ تكونَ حبيسةَ البيتِ والنفسِ ولا تخرجْ عن ذلك بحالٍ فعَن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» (مسلم) .
علاجُ الإسلامِ لمشكلةِ الطلاقِ: إنَّ دينَنَا دينٌ واقعيٌّ وعمليٌّ جاءَ بأحكامٍ وتشريعاتٍ يُراعي فيها طباعَ الناسِ، واختلافِ النفوسِ، فكما شرَّعَ الزواجَ؛ ليحققَ الألفةَ والاستقرارَ، والأمنَ والاطمئنان فقالَ تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، لكنْ في الوقتِ ذاتِهِ إذا استنفدتْ كلُّ المحاولاتِ، واستحالتْ بينِ الزوجين العِشرةُ، أصبحَ من الحكمةِ والمنطقِ مفارقةُ أحدهُمَا للآخرِ، وهنا شرعَ الحقُّ سبحانَهُ الطلاقَ للرجلِ أو الخُلعَ للمرأةِ؛ ليكونَ حلًّا لمثلِ هذه الحالاتِ بعدَ استنفادِ جميعِ الوسائلِ الممكنةِ، فيا أيُّها الأزواجّ إمَّا معاشرةٌ بمعروفٍ أو فراقٌ بإحسانٍ، ولا تنسوا الفضلَ بينكم، فالطلاقُ أحيانًا يكونُ علاجًا لداءٍ استَعْصَى على الشفاءِ، وإنهاءً لمشكلةٍ قد يصعبُ معها حلٌّ غيرَهُ، بل قد يكونُ راحةً للطرفين، وفرصةً للبحثِ عن شريكٍ آخرَ أكثرَ توافقًا، وأحسنَ تآلفًا قالِ تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾، وقد جاءتْ هذه الآيةُ بعدَ الآياتِ الداعيةِ إلى الإصلاحِ عندَ نشوزِ أحدِ الزوجين، فالطلاقُ لم يشرعْ إلَّا بعدَ محاولاتِ استنفاذِ الإصلاحِ عندَ نشوبِ الخلافاتِ بينهما، لكنْ دينُنَا قد وضعَ بعضَ التدابيرِ للحيلولةِ دونَ وقوعِ الطلاقِ، من هذه التدابيرِ:
*المصارحةُ والمكاشفة: يجبُ على الزوجينِ قبلَ الإقدامِ على الزواجِ أنْ يُصارحَ كلٌّ منهما الآخرَ بعيوبهِ، ليعرفَ هل يمكنُهُ أنْ يَتَأقْلَمَ وَيتَعايَشَ مع الآخر، إذ هناك بعضُ العيوبِ لو اطلعَ عليها كلٌّ منهما من البدايةِ لحكمَ الطرفُ الآخرُ هل يمكنُهُ أنْ يكملَ معه مسيرةَ حياتِهِ أم لا ؟ أو سيُهيِّأَ نفسَهُ لتقبّلَ تلك الصفاتِ، وقد ضربتْ أُمُّ المُؤمنِينَ أُمُّ سَلَمَةَ لنا المثلَ حِينَمَا ذَهَبَ إِلَيْهَا رَسُول اللهِ خَاطِباً فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فِيَّ ثَلَاثَ خِصَالٍ: أَنَا امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ، فَقَالَ: أَنَا أَكْبَرُ مِنْكِ، قَالَتْ: وَأَنَا امْرَأَةٌ غَيُورٌ، قَالَ: أَدْعُو اللَّهَ فَيُذْهِبُ عَنْكِ غَيْرَتَكِ»، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ، قَالَ: هُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ» (أحمد)، خاصةً وأنَّ فترةَ الخطوبةِ يحاولُ فيها كلٌّ منهما أنْ يُظهرَ محاسَنَهُ، ويُخفي مساوئَهُ، وقد وضعَ دينُنَا قاعدةً عريضةً قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (مسلم)، وهذا يشملُ كلَّ معاملةٍ، وإذا كان البيعُ والشراءُ يحرمُ فيه الغشُّ، فمن بابِ أولَى أنْ يكونَ في الحياةِ الزوجيةٍ، فغشُّ البيعِ علاجُهُ يسيرٌ وذلك بردِّ المبيعِ، أمَّا غشُّ الزوجيةِ فعلاجُهُ عسيرٌ، وجرحُهُ كبيرٌ، وما شرعُ الإسلامُ الخِطبةَ إلا لسدِّ هذا البابِ فعَنْ المُغِيرَةِ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» (الترمذي وحسنه) .
*حسنُ الخلقِ، واحتمالُ الأذى، ومعرفةُ طبيعيةِ كلٍّ منهما: إنَّ العاقلَ هو مَن ينظرُ إلى الحياةِ الزوجيةِ مِن جميعِ نواحِيهَا، لا مِن زوايةٍ واحدةٍ منها، وأنْ ينظرَ بعينِ العقلِ والمصلحةِ المشتركةِ لا بعينِ الهوى، وأنْ يحكّمَ دينَهُ وضميرَهُ قبلَ أنْ يحكّمَ عاطفتَهُ ووجدانَهُ، فربَّمَا كرهتْ نفسُهُ زوجَهُ لتصرفٍ ما، بينما لو تحملَهَا، وتغاضَى عنها، ولم يسترسلْ في كراهيتِهِ لها، سيجعلُ اللهُ فيها خيرًا كثيرًا مستقبلًا قالَ تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» أَوْ قَالَ: «غَيْرَهُ» . (مسلم)، وقالَ سيدُنَا عمرُ بنُ الخطابِ: «ينبغي للرجلِ أنْ يكونِ في أهلِهِ مثلَ الصبِىِّ، فإذا التمسُوا ما عندَهُ وجدُوهُ رجلًا»، يقولُ الإمامُ الغزاليُّ:(ومِن آدابِ المعاشرةِ حسنُ الخلقِ معهُنَّ، واحتمالُ الأذى منهن، ترحمًا عليهن ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، واعلمْ أنَّهُ ليس حسنُ الخلقِ معَها هو كفُّ الأذَى عنها، بل احتمالُ الأذى منها، والحلمُ عن طيشِهَا وغضبِهَا، اقتداءً برَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد كانتْ أزواجُهُ تراجعنَهُ الكلامَ، ومِن آدابِ المعاشرةِ- أيضًا- أنْ يزيدَ على احتمالِ الأذَى منها بالمداعبةِ والمزاحِ والملاعبةِ، فهي التي تُطَيِّبُ قلوبَ النساءِ، وقد كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمزحُ معهنَّ، وينزلُ إلى درجاتِ عقولِهِنَّ في الأعمالِ والأخلاقِ) . (الإحياء 2/44)
إنَّ معيارَ تذكرِ الفضلِ عندَ الخلافِ بينَ الزوجينِ يجبُ أنْ يكونَ حاضرًا، بل هو سيدُ الموقفِ قالَ تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى سيدِنَا عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ وَقَالَ: «إِنَّنِي لاَ أُحِبُّ زَوْجَتِي وَأُرِيدُ طَلاَقَهَا، فَظَلَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يُنَاقِشُ الرَّجُلَ، وفِي نِهَايَةِ حِوَارِهِ مَعَهُ قَالَ لَهُ: يَا أَخَا الإِسْلاَمِ وَهَلْ عَلَى الحُبِّ وَحْدَهُ تُبنَى البُيُوتُ» ؟!. (الزواجر لابن حجر)، كما يجبُ على الزوجينِ أنْ يَعْرِفَ كُلٌّ منهما طِبَاعَ الآخَرِ، وَمَا يُحِبُّ وَمَا يَكْرَهُ، وَمَا يُسْعِدُهُ ويُحزِنُهُ، وَمَا يَنْبَغِي تَجَنبهُ مَعَهُ، فهذا أحرَى بدوامِ العشرةِ، وأبقَى للودِّ والمحبةِ.
*عدمُ التسرعِ في اتخاذِ قرارِ الطلاقِ: إنَّ مِن الخلافِ ما يكونُ حلّهُ بمرورِ الوقتِ لذا يجبُ على الزوجين عدمُ العجلةِ والتسرعِ في اتخاذِ قرارِ إنهاءِ الحياةِ الزوجيةِ، وعلى الطرفينِ مراعاةُ الحالةِ المزاجيةِ والنفسيةِ التي قد يمرُّ بها مِن الغضب والضيقِ والشدةِ والمرضِ؛ لأنَّ الغضبَ أو الانفعالَ قد يؤدِّي إلى تصرفٍ قد يندمُ عليه الإنسانُ، فالتسرعُ آفةٌ تُصدِّعُ كيانَ الأسرةِ، والتَّعقُّلُ وَالتَّرَوِّي كفيلٌ بحلِّ أيِّ مشكلةٍ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: عَلِّمْنِي شَيْئًا وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ لَعَلِّي أَعِيهِ، قَالَ: لَا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ ذَلِكَ مِرَارًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا تَغْضَبْ» (الترمذي وحسنه)، فالخلافُ قد يكونُ سهلًا يمكنُ مداوتُهُ بتدخلِ بعضِ الأقاربِ والسعيِ للصلحِ بينهما كما قالَ ربُّنَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ .
*الحوارُ والمناقشةُ الهادئةُ: إنَّ الحوارَ الجادَّ الراقِي، والمناقشةَ البناءةَ، والالتزام بآدابِ الحديثِ من خفضِ الصوت، والإنصاتِ الجيدِ لهو أقربُ سبيلٍ لحلِّ مشاكلِ الحياةِ الزوجيةِ، أما رفعُ الأصواتِ، والتعالِي والسباب، وتراشقُ الألفاظِ، بل قد يصلُ الأمرُ إلى حدِّ الضربِ والاقتتالِ، فهو مذمومٌ شرعًا وطبعًا، وكذا ما يشبهُ الخرسُ الأُسريُّ الذي يقتلُ المشاعرَ والعواطفَ، ونلمحُ مِن سببِ نزولِ آياتٍ «سُورَةِ المُجَادَلَةِ» كيفَ سعتْ السيدةُ خَولَةُ بِنْتِ ثَعلَبَةَ لإيجادِ حلٍّ لمشكلتِهِا، ولم تجلسْ في بيتِهَا، بل حاولتْ التماسَ العذرِ لزوجِهَا، لقد كانتْ رضي اللهُ عنها حريصةً على عدمِ وقوعِ الطلاقِ حتى لا يضيعَ الأولادُ، وَلِذَا ما تَرَكَتْ سَبِيلاً إِلاَّ سلكتْهُ، وَلاَ بَابًا إِلَّا طرقتْهُ، إِلَى أَنْ لَجَأَتْ إِلَى بَابِ ربِّهَا، فَأَنْزَلَ في شأنِهَا قرآنًا يُتْلَى إلي يومِ القيامةِ، وفِي قِصَّـتِهًا دَلاَلَةٌ بَالِغَةٌ على الحرصِ عَلَى بَذْلِ كُلِّ جُهْدٍ مُمْـكِنٍ لِلْحَلِّ فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ تُكَلِّمُهُ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾» (أحمد) .
وأخيراً: على المسلمِ أنْ تريَّثَ في اتخاذِ قرارِ الطلاقِ، وليستشرْ العلماءَ، وليراجعْ الحكماءَ، وليلتمسْ أهلَ الفضلِ والصلحاءَ، وإذا كان للطلاقٍ بدٌّ فعلى الزوجِ ألَّا يبخسَ حقوقَ زوجهِ، ولا يظلمَهَا، قالَ تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ .
نسألُ اللهَ أنْ يجعلَ بلدنَا مِصْرَ سخاءً رخاءً، أمنًا أمانًا، سلمًا سلامًا وسائرَ بلادِ العالمين، وأنْ يوفقَ ولاةَ أُمورِنَا لما فيه نفعُ البلادِ والعبادِ .

اكتب تعليق

أحدث أقدم