رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الأمة بين تكالب الأعداء وتخاذل الأصدقاء



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
احتشَد الأعداء، وانتفض الأقرباء، واجتمع الأصدقاء؛ لينالوا مِن أمة كرَّمها رب الأرض والسماء، خير أمة أُخرجت للناس، أمة الإسلام، اجتمعوا على الأمة، شعارُهم المعلَن صراحة: دمّروا الإسلام أبيدوا أهله!
الأعداء تكالبوا على أمة الإسلام، ؛ حيث تُمارَس أعمال القتل لأبناء الأمة في فلسطين والعراق وسوريا ولبنان واليمن، وكثير مِن بقاع الأرض متى وجد المسلمون تجد القتْل بكلِّ أسلحة القتْل والفتْك، رحى الحرب دارت على المسلمين حين تكالب الأعداء عليها، ووصلت أحوال الأمة إلى أسوأ حال؛ حيث القدس الشريف والأقصى المبارك يئنّان تحت وطأة اليهود الغاصبين!
معظم الدول العربية والإسلامية تتعرَّض لأبشع صور تغيير الهوية، بعد أن عانت فيها شعوب هذه الدول أعمال التعذيب والقتل والتهجير من الديار؛ لتعيش ألمَ الغربة في أوطانها، ناهيكم عن عمليات التهجير القسري كما يَجري للشعب السوري العزيز!
أيُّ إسلام وأيُّ دين يجعل المسلم يستحل دم أخيه المسلم مهما كان مركزُه أو منصبه، ويسعى بالخراب والدمار، ويُهلك الحرث والنسل؟! أما آن للأمة أن تُراجع نفسها وتَقضي على هذا الضلال والخبال، أما آن لأولئك الأشرار أن يتقوا الله تعالى ويُدركوا الخطر؟! فزوال الكعبة المشرَّفة أهون عند الله من إراقة دم مسلم.
مجتمعات غيَّبت الحقيقة، وضيَّعت الحقَّ، ودفنَت العدل، فمكَّنت الأعداء منها، يَعتزون بالإثم كبرًا وأطرًا وأشرًا، ويتعصَّبون للظلم حميةً ونكاية وعنادًا، وإذا رُوجعوا صبُّوا جام غضبهم على المراجع، وإذا عُوتبوا لم يَقبلوا من أي معاتِب، وإذا قيل لهم: اتقوا الله، أخذتهم العزة بالإثم، وعلتهم الكزَّة بالظُّلم، وغمَرَهم النِّفاق وضرَبَهم الشِّقاق، فتربع الأعداء على جسدها كما يتربَّع الأكلة على قصعتها!
عن ثوبانَ مولى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن تداعَى عليكم الأمم من كل أفْقٍ كما تتَداعى الأكَلة على قصعتها))، قلنا: مِن قلَّة بنا يومئذ؟ قال: ((لا، أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يَنزع الله المهابة من قلوب عدوِّكم، ويجعل في قلوبكم الوهَن))، قيل: وما الوهن؟ قال: ((حب الحياة وكراهية الموت)).
المسلمون قديمًا كانوا يتمسَّكون بالدِّين، ويعتزُّون بالحق، وهذه العزَّة جعلتِ القلَّة تنتصِر على الكثرة، والأميين يغلبون المتحضِّرين، ورعاة الغنم ينتصرون على طغاة البشر؛ بيقينهم في قلوبهم، ومصاحفهم في أيديهم، وسيوفهم على أكتافهم، ومساكنهم على ظهور خيولهم، يقولون لملوك الفرس وصناديد الروم: نحن قوم ابتعثنا الله لنُخرجَكم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، كل ذلك عندما توحَّدوا على الحق هزموا أعداءهم، ونصروا دينهم.
تأبى الرماح إذا اجتمعْنَ تكسُّرًا ♦♦♦ وإذا افترقْنَ تكسَّرتْ آحادا
أما إذا جذبهم حب الدنيا واتَّجهوا للعري والرقص والخلاعة، أما إذا ضيِّق على دور العبادة وفُتح الباب على مصراعيه للحانات والرقاصات، أما إذا تقدم السرّاق والخوَنة، ووسِّد الأمر إلى غير أهله، أما إذا خرَّبوا آخرتَهم وأفسدوا دُنياهم، فكَرهوا الموت، فهم في خذلان مقيت وانهزام مستمر، كيف؟
لقد كشف الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته عن أسباب ضعفها حين تَضعُف، وهوانها حين تهون، فقال: ((يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكَلة إلى قَصعتِها))، ثم بيَّن أن سبب ذلك حبُّ الدنيا وكراهية الموت، هذا هو مبعَث الوهَن الحقيقي، وسرُّ الضعف المقيت، أن يَخلد المرء إلى دنياه الخاصة فيَعيش عبدًا لها، مِطواعًا لأوضاعِها، أسيرًا لقيودِها، تُحرِّكه الملذات كالخاتم في الإصبع، وتُسيِّره الرغائب كالثور في الساقية، يتحرك أحدهم في مدار محدود فاقد الهدف، معصوب العينين، سليب الغاية؛ مما يجعل الملك في صولجانه عبدًا ضعيفًا ذليلاً أمام امرأة يَعشقها، أو شهوة يطمَع في نَيلِها، أو بطانة تُعينه على ظُلمِه وطُغيانه وسَرقاته ونزواته، وكراهية الموت هي التي تجعل الأفراد والجماعات يؤثرون حياة ذليلة على موتٍ كريم، يُؤثرون حياة يموتون فيها كل يوم موتات، على موت يَحيون بعده حياة الخلود.
نعم؛ هذه الانتكاسة التي نعيشها اليوم اجتماعيًّا واقتصاديًّا وأخلاقيًّا هي مِن انتِشار الظلم والفرح بالذنب، والعزَّة بالإثم، وهي حال كثيرين اليوم في الحكومات والفضائيات والمؤسسات، يَعتزون بالإثم، ويفتخرون بالكذب، ويتنادون بالظلم، ويَفرحون للإثم والذنب إلا من رحم ربي وعصم.
يَمرضون بالخوف، ويعشَقون الحِرص، الخوف والحرص اللذان يُضعِفان النفوس ويحنيان الرؤوس ويُذلّان الأعناق ويُذهبان الأخلاق، لكنَّ العبد إذا هانت عليه الدنيا ولم يبالِ بالموت هان عليه جبابرة الأرض وملوك الناس وبأس الطغاة وقوى الأرض جميعًا، إنه لا يقف ليسأل ماذا سيأخذ وماذا سيدع؟ ماذا سيَقبِض وماذا سيدفَع؟ ماذا سيَخسر وماذا سيَكسب؟ إنه يعتزُّ بدينه، بإسلامه، بأخلاقه، بالحق الذي آمن به، أما الكافر المنافق فيَعتزُّ بالإثم، ويفرَح بظلم الناس وقهرهم وقمعهم مثل قارون عليه لعنة الله؛ ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ [القصص: 76]؛ أي: لا يحب الفَرِحين بظلم الناس أمثالك، وبدلاً مَن أن يرجع ويعود قال كما حكى عنه القرآن: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ [القصص: 78]، فكانت النهاية الدُّنيوية له: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾ [القصص: 81]، وما أنقذه ماله ولا سُلطانه ولا حاشيته، ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾ [القصص: 81]، لذلك نهاية كل مُعتزٍّ بإثمه، فَرِحٍ بظُلمه شامت في قتْل الناس محسومة، وآخرته معروفة، ﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [البقرة: 206]، بل إنك تجده حلوَ الكلام، حلْوَ المنظَر، لكنه كالخشب المسنَّدة، ضرُّه أكثر من نفعه، لا قيمة له ولا صدق لديه، ولا حياء عنده.
أما أهل الحقِّ فهم صابرون مُرابطون، وبالأمل والإيمان يتسلَّحون، أمامهم الأفق مُشرِق وضَّاء هناك في جنة الخلدِ، لذلك ينظر كل منهم إلى الذهب كما ينظر إلى الحجر، ويَنظر إلى السيف كما يَنظر إلى العصا أو هو أدنى، لا يعتزُّون بالفراعنة ولا بأمريكا ولا بغيرها، إنما يَعتزُّون فقط بربهم وبنبيهم، يفرحون بدينهم وبالمؤمنين، ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون: 8].
اللهمَّ انصر الإسلام وأهله واخذل الكفْرَ وحزبَه، اللهمَّ هيِّئ للأمة أمر رشْد يُعزُّ فيه أهل طاعتك ويذلُّ فيه أهل معصيتِك.

اكتب تعليق

أحدث أقدم