رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه العلم



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
قال الإمام الشوكاني: (هو صفة ينكشف بها المطلوب انكشافًا تامًا). وقال الإمام محمد عبده: (هو الذي يستلزم العمل).
هاتان العبارتان على وجازتهما واضحتان في أمرين، أولهما أن العلم لا يكون علمًا إلا بالدليل، والآخر أن هذا هو العلم الصحيح الذي يؤدي إلى العمل.
ولكن نظرة تبين أن العلم لا يكون صحيحًا إذا نفع قومًا دون آخرين أو نفع المجموع دون الفرد أو بالعكس، فكل عمل يبنى عليه يكون كذلك وحينئذ فلا يكون هذا علمًا صحيحًا قطعًا ومنه ما يكون مثارًا للنـزاع لا ينتج الإنتاج الصحيح الوافي فكرًا أو مبدأ.
قال الشيخ محمد عبده في علامة العلم الصحيح: إنه هو الذي إذا سمعه العاقل لأول مرة يراه ونفسه متجاذبين تجاذب الروح والجسد كأنهما متعارفان من قبل، ولا شك أن العلم حينئذ يكون بريئًا فوق جميع الأهواء.
كنت قرأت في العام الفائت في مجلة "الرسالة" المصرية مقالًا ممتعًا للفاضل زكي نجيب محمود في "مذهب الذرائع" ومن قوله: (مذهب الذرائع معترض بحق لأنه يؤدي إلى التنافر بين الناس وإلى عدم انسجامهم في سلك المجتمع).
وقال في أواخر مقاله: (ولكن نسارع فنقول إن مذهب الذرائع قد أحس في نفسه بهذا النقص فحاول أن يوفق بين قواعده وبين مصلحة الجماعة لا الفرد).
وجملة هذا المقال أن مذهب الذرائع عنوانه هذا دليل على أنه يوجب التوصل بالوسائل الفعالة لإنتاج العمل ضاربًا بمذاهب الفلسفة عرض الحائط لأنه يراها أفكارًا مجردة عن التأدية إلى العمل، بل إنه يرى أن العقيدة الدينية خير من الإلحاد، لمشاهدته أن صاحبها لتوجيهه عزيمته على أساسها إلى الحياة الأخرى، هو لا يفتأ يعمل بجد واجتهاد فهو متفائل وأن الملحد لا يرجو شيئًا ولا يرى له نتيجة حاسمة خالدة يطمئن إليها.
أجل إن الفلسفة كما قال، فكثير تعلموا العلوم والفنون ببراهينها، وأكملوا تعليمها بدون الفلسفة وليس فيهم جفاف ولا جمود.
فلم يكن العلم الصحيح عدوًا لأحد بل هو صديق حميم للإنسانية لعموم نفعه فمن كان عاجزًا عن العمل فكيف يصح حرمانه من المعيشة؟!.... ومن كان قادرًا وكسل عن العمل فبقوة الحكم الرشيد ينساق إلى العمل ولئن كانت الحكومة لتدلل على رشدها، تطهر بلادها من اللصوص وسائر الضارين في بلادها، فيجب عليها وعلى ذوي اليسار من رعاياها في آن واحد أن توجد الطرق القويمة للعاطلين عن العمل وتضرب بيد من حديد على كل عقبة تحول دونهم.
إن مشكلة العمال في العالم وما أشبهها من المشاكل العامة الدولية واستمرارها أو معالجتها بما هو أشبه بعلاج مسكن لم يكن كل ذلك إلا من هوى متبع وشح مطاع، مما يبرهن على أن هذا العصر مادي أكثر من غيره ولذلك صار العالم في بحران هائل من رزايا لا تزال كثيرة الحلقات.
نعم إن تنازع البقاء أمر صحيح، ولكن له سنة من العلم صحيحة إذا تعداها المتنازعون وقعوا في مصائب شتى وأوقعوا معهم من تنازعوا لأجلهم.
فهل كانت المدنية الصحيحة إلا إعطاء كل ذي حق حقه وردع الظالم ونشر العلم الصحيح؟!! وهل كانت هذه المدنية للمجموع لا للفرد؟!! أم للجميع.
نعم إن للإنسان حق التقدم والاختراع والفن فله حق التفكير في الطرق الموصلة إلى نجاحه، والعمل الصحيح الدائم!!
ولكن الإنسان ليس بمطلق يفعل ما يشاء بل هو مقيد بحيث لا يكون ضرر ولا ضرار، فمتى علم الإنسان بقاعدة "لا ضرر ولا ضرار" عرف كيف يكون مقيدًا فعرف حده ووقف عنده.
الإنسان روح وجسد، فهو ككفتي الميزان، فكما أن الميزان لا يستقيم إلا باعتدال كفتيه بدون رجحان لإحداهما على الأخرى فكذلك الإنسان، ذو الروح والجسد، ولم يستوف حقوقهما كاملة مبينًا كيفية اعتدال الإنسان فيها سوى الدين الإسلامي القائل كتابه الحكيم: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: 143] كما يعلمه من قرأ من أول الجزء الثاني من القرآن الحكيم في سورة البقرة، ويطلع على تفسيره في تفسير مجلة "المنار" المطبوع مستقلًا عنها.
وصفوة القول: أن علامة العلم الصحيح أن يكون صاحبه شجاعًا كريم الأخلاق متخذًا العواقب دستورًا له في عمله كما أنه لا يسير إلا بالبرهان فهنيئًا لأمة حييت بهذا العلم، وهنيئًا للأمم متى حييت به، فلا ترى ما تراه هي اليوم.

اكتب تعليق

أحدث أقدم