رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه الدعوة



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن العملية الدعوية تعد بما تحويه من موضوعات ووسائل وأساليب ركناً مهمًّا في دعوة الطالبات في المرحلة الثانوية، ولنجاح العملية الدعوية لا بد من مراعاة العديد من الأمور المتعلقة بها، ومنها ما يأتي:
أولاً: الاهتمام بحاجات الطالبات وميولهن عند وضع الخطط الدعوية:
إن الاهتمام بحاجات الطالبات وميولهنّ عند وضع الخطط الدعوية يساعد على الارتقاء بالدعوة، ومن الحاجات المهمة عند الطالبات في هذه المرحلة العمرية الرغبة بمساعدة غيرهنّ، لذلك من المهم أن يرافق الأنشطة الدعوية التي تتيح لهنّ تقديم يد العون للآخرين، ومن الحاجات أيضا عند بعض الفتيات: الحاجة إلى قيادة الآخرين، والتي يمكن أن يتاح لهنّ إشباعها من خلال القيام بالأنشطة التي تدربهنّ على ذلك، مثل قيادة الجماعات الطلابية في الأنشطة، كما تعظم حاجتهنّ في هذه المرحلة إلى الصداقة والرفقة، لذلك يجب أن تتضمن المناهج الدراسية والأنشطة أهمية ذلك وأثره وكيفية اختيار الصديقة وكيفية التعامل معها والمحافظة عليها.. إلخ.[1]
وينبغي قبل تحديد البرامج والأنشطة الدعوية وتحديد موضوعاتها؛ القيام بالأبحاث العلمية والدراسات الميدانية لاستيفاء حاجات الطالبات والتعرف على خصائصهنّ وميولهنّ واتجاهاتهنّ ومشكلاتهنّ في ظل الظروف البيئية المحيطة بهنّ، وفي ظل مجتمعهنّ بما فيه من أعراف وتقاليد وقيم ومشكلات، وهذا بلا شك يحتاج إلى جهود بحثية متنوعة وشاملة من الباحثين والباحثات، ويتطلب وقتا طويلا، إلا أنه – بإذن الله - كفيل بإخراج قاعدة بيانات ومعلومات وافية وصادقة عن المجتمع المطلوب.
ثانياً: العناية بالدعوة الفردية والاتصال المباشر بالطالبات:
إن التركيز على الاتصال المباشر بالطالبة مما يحقق الأهداف الدعوية، ويرتقي بالدعوة، حيث إن استخدام الوسائل التي لا يكون الاتصال فيها مباشراً كالأشرطة والمطويات لا يضمن سماع الطالبة للموعظة، أو يتحقق من وعيها لما يبلغها وصحة فهمها له، بينما تتيح الدعوة الفردية والاتصال المباشر الفرصة لمخاطبة الطالبة عن قرب وعلى انفراد، وهذا ييسر مفاتحتها في كثير من المسائل والقضايا التي لا يمكن تناولها على الملأ، ويقوي الصلة والترابط بين الداعية والمدعوة، ويتيح الفرصة للطالبة كي تستفسر عما ترغب الاستفسار عنه[2]، وقد أشار إلى هذا المطلب الدعوي الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في جوابه عن حكم الاكتفاء بإهداء الشريط في الدعوة، إذ يقول: (لا شك أن الدعوة والإنكار مشافهة أبلغ بكثير من إهداء الرسائل أو الأشرطة، لأن إهداء الرسائل أو الأشرطة قد يفيد وقد لا يفيد، قد يفيد إذا قرأها المُهدى إليه بصدق وعزيمة في طلب الحق، وقد لا يفيد إذا قرأها كالمكره عليها، وربما يدعها ولا يقرأها ولا يسمعها)[3].
ثالثاً: العناية بتوفير احتياجات الأنشطة ومستلزماتها:
تحتاج الأنشطة الدعوية إلى استعداد خاص، وإلى توفير خامات معيّنة تتعلق بالأنشطة كالأدوات المكتبية وأجهزة الصوتيات المناسبة، والجوائز المحفزة، التي تشجع الطالبات على الحضور، ومن المهم -للارتقاء بالدعوة إلى الله- تحديد هذه المستلزمات عند التخطيط والعمل على توفيرها وتهيئتها، وقد يتطلب هذا اعتمادات مالية خاصة تصرف في وجوه الأنشطة الدعوية المتنوعة بإشراف القائمة بالدعوة والإدارة المدرسية، ثم رفع تقارير خاصة بها يستفاد منها في عملية التقويم.
وكذلك العناية بمرافق المدرسة التي تقام فيها الأنشطة الدعوية كمصلّى المدرسة والمسرح والفناء الخاص بالإذاعة، ومكتبة المدرسة، إضافة إلى العناية باختيار الغرف المناسبة من حيث السعة والموقع، ومن حيث تأثيثها وتهويتها وإضاءتها، وتوفير الأدوات اللازمة فيها كأجهزة الصوتيات المتنوعة، وتوفير وسائل الإيضاح، واللوحات الإعلانية التي يتم فيها الإعلان عن الأنشطة، وما تحتاجه الأنشطة من أجهزة كهربائية كالحاسب الآلي وجهاز العرض الضوئي، كل هذا يؤدي إلى نجاح العمل الدعوي في المدرسة من خلال الأنشطة الدعوية، والتي يبذل كثير من الوقت والجهد والمال في إعدادها وتنفيذها.
رابعاً: التوازن بين المرونة والضبط في الخطط الدعوية:
تصدر الإدارات المعنية بشؤون دعوة الطالبات وتوجيههنّ وإرشادهنّ في وزارة التربية والتعليم خططاً سنوية توزعها على إدارات التعليم بالمناطق، والتي بدورها تعمِّمها على المدارس التابعة لها، ولعله من المناسب هنا الإشارة إلى أن الأنشطة والبرامج التي تُقام وتُطبق في المدارس أوسع وأكثر من البرامج المحددة والمعتمدة في الخطة الصادرة من الجهات المعنية، وقد تكون هذه البرامج بتوجيه من الخطة الصادرة أو من إدارة المدرسة، أو إدارات التعليم، أو من اقتراحات المعلمات والطالبات، وهذه المرونة لها إيجابياتها من حيث ترك الحرية للمعلمة و إتاحة الفرصة للابتكار والإبداع وتلمس حاجات الطالبات واهتماماتهنّ، ولتعميم النفع من هذه البرامج ينبغي إدراجها ضمن التقارير والخطط حتى يمكن تقويمها، ووضعها في الخطط القادمة مصحوبة بإرشادات تنفيذها بدلا من تركها لاجتهاد المعلمات بدون إشراف.
خامساً: ربط المقررات الدينية بالحياة العامة ومجرياتها:
إن الدين ليس مادة تُدرّس لتنمية المعلومات، أو لكسب المهارات فحسب؛ ولكنه روح وتأثر يصدقه العمل، ولا يقاس نجاح المعلمة الداعية بمدى حفظ طالباتها لكمّ كبير من النصوص والسير والأحكام، ولكنه يقاس بمدى ما انطبع في نفوسهنّ من العقائد الصحيحة، وما تربين عليه من الاستقامة والعمل الطيب والسلوك الحميد، والمعرفة الدينية تفقد قيمتها إذا لم تنعكس آثارها على حياة الطالبة، وتصبح سلوكا عمليا محمودا يتجلى فيه يقظة ضميرها، وسمو وجدانها، وتشبثها بالفضائل، وتساميها عن الرذائل، ونهوضها بواجباتها الدينية في حماسة وإيمان[4].
وهناك كثير من الأحداث العامة التي تعلق بأذهان الطالبات، وهي في الوقت ذاته مجال خصب لدعوتهنّ وغرس قيم الإسلام في نفوسهنّ، وللارتقاء بالدعوة لا بد للمعلمة الداعية من الربط بشكل مستمر بين موضوع دعوتها وبين ما تمر به الطالبة في حياتها من أمور سارة أو مؤلمة، وأن تتلمس حلول مشكلاتها في شريعة الإسلام.
ولا ينبغي أن يكون درس الدين هو الأحكام وحدها، سواء أحكام العبادات أو أحكام المعاملات، فدرس التوحيد حين يسير على المنهج القرآني لا يقتصر على بيان أحكام التوحيد وبيان أقسام الشرك، لأن القرآن الكريم يوجّه النظر إلى آيات الله في الكون، ويبين مجال القدرة الإلهية في خلق السموات والأرض، والمطر النازل من السماء للأرض، والأرض التي تتلقاه فتنبت الزرع المختلف، ثم يأتي الأمر بعد ذلك: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ﴾ [الأنعام: 102] [5]، فتثير الوجدان أولا، فإذا تحرك وجاشت النفس بمشاعر التعظيم لله؛ جاء التوجيه بتوحيده تعالى، فيجيء حيا يملأ نفس المؤمن بالإيمان، بدلا من تلقيه كقضية فكرية تشغل ذهنا فحسب، بل قضية تؤثر في الوجدان والسلوك وتقوّم الفكر؛ حتى تستقيم جميعا على الصراط المستقيم.
من المهم أن تعقد المعلمة صلة حية قوية بين الطالبة وبين القرآن، فالقرآن هو كلام الله المتعبد بتلاوته وحفظه، ولكن المطلوب منها إلى جانب التلاوة والحفظ شيء آخر وهو التدبر، قال تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29] [6]، وقال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24] [7]، ولكي تعقد هذه الصلة لا بد من شرح الآيات التي تستشهد بها في دروسها، بطريقة تربطها بما يحيط بالطالبة من مظاهر الكون[8].
سادساً: العناية بالتطبيقات العملية في الدعوة إلى الله:
تحتل المعلومات النظرية أهمية كبرى في حد ذاتها، لأنها تنمي عقل الطالبة، وتساعدها على تكوين خلفية ثقافية تمكنها من التعامل مع مجتمعها والقيام بوظيفتها، وقد تعالت صيحات المربين والدعاة متسائلين حول جدوى المعرفة النظرية، وانتقدوا جانبا من التعليم المعاصر لأنه يغطي الجانب النظري في حين يفتقر إلى الجانب التطبيقي، غير أن هذا القول لا يقلل من أهمية المعرفة النظرية، لأنها في الحقيقة الأصل والأساس الذي تقوم عليه المنطلقات العملية والسلوكية، والإسلام يحترم العلم ويحث عليه، كما قال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: 11] [9]، وهذا الاهتمام بالعلوم النظرية لا ينفي اهتمام الإسلام بالتطبيقات العملية، واهتمامه بتحويل العلم إلى عمل، فعلى الداعية أن تقرن العلم بالعمل، والنظرية بالتطبيق، فالإيمان بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم له تطبيقاته السلوكية، والصلاة والصوم والزكاة والحج تمثل مبادئ شرعية لها تطبيقاتها السلوكية العملية[10].
إن الارتقاء بالدعوة يتطلب من الطالبة التعرف على الشريعة الإسلامية وعدم التوقف عند حدود تعلمها، بل تتجاوز ذلك إلى العمل والتطبيق، لأن الدعوة تهدف إلى تكوين السلوك الديني عند الطالبة، (والسلوك الديني هو مجموع العادات الفاضلة المستمدة من الدين، التي تدفع الفرد إلى التصرفات السوية في معاملاته لربه ولنفسه ومجتمعه، وتكفل له التعايش مع الناس في ألفة ومودة)[11]، ويرتكز هذا السلوك على ما شرعه الله لعباده من عبادات ومعاملات ونظم للحياة.
وهذا يؤكد مهمة المعلمة الداعية في تحويل المعارف والعلوم الدينية النظرية إلى تطبيقات عملية، ترتبط بحياة الطالبة وتتمكن من تطبيقها عملياً، وتوضح لها الكيفية والطريقة الصحيحة لذلك، وقد اعتنى علماء السلف بتوضيح الخطوات العملية لبعض الأعمال الصالحة كالمحاسبة، يوضح ذلك ابن القيم-رحمه الله- بقوله: (يحاسب نفسه أولا على الفرائض، فإن تذكر فيها نقصا تداركه إما بقضاء أو إصلاح، ثم يحاسبها على المناهي؛ فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية، ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خُلق له؛ تداركه بالذكر والإقبال على الله، ثم يحاسبها بما تكلم به أو مشت إليه رجلاه أو بطشت يداه أو سمعته أذناه...)[12].
إن مراعاة إتاحة الفرصة للطالبة لكي تُطبق عمليا ما تعلمته، وتوجيهها التوجيه السديد أثناء تجربتها التي قد تخطئ وتصيب فيها مما يرتقي بالدعوة لإيجابية الطالبة حيث إن الدعوة بالتطبيق العملي تسمح بأن (يشارك المتعلم مشاركة ذاتية في عملية التعلم والتربية، ولا يقتصر دوره على التلقي السلبي)،[13] وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه بالتطبيق العملي وبالمحاولة والخطأ، حيث كان يراقبهم أثناء قيامهم بشرائع الإسلام، ثم يصحح لهم أخطاءهم إذا وقعت منهم وعجزوا عن تلافيها، فترسخ الصورة العملية السليمة في أذهانهم ومن أشهر الأدلة على ذلك حديث المسيء صلاته[14]، حيث كرّر الصلاة أكثر من مرة ثم وجهه - صلى الله عليه وسلم للطريقة الصحيحة.
إن ما تعلّمه المعلمة الداعية للطالبات سيظل محدود الفائدة ما لم يُفسح له مجال أوسع للتدريب والتطبيق، لأن أخلاق الطالبة وسلوكها وقناعاتها لا تظهر على الحقيقة وهي صامتة تتلقى من معلمتها المعارف، وإنما تظهر حينما تكلّف بأعمال يتطلب تنفيذها الجد والمثابرة والصبر والتعاون والتسامح.. إلى غيره مما يظهر من سلوكها من خلالها اشتراكها مع زميلاتها في مجموعات عمل بإشراف معلمتهنّ.
سابعاً: الدعوة إلى الله من خلال المواد والمقررات الدراسية المتنوعة:
لقد وُضعت المقررات الدراسية لتكمل تربية الطالبة على الإسلام من جميع جوانب شخصيتها، وعلى تحقيق عبوديتها لله، وعملية التربية والتعليم التي تتم في المرحلة الثانوية يوميا ترتكز على الدعوة إلى الله بحسب توجيهات المعلمة للدين عبر المناهج الدراسية، فالمعلمة الداعية الحريصة على الخير هي التي تربط الدروس المتنوعة بالدين وبالعقيدة والشريعة والأخلاق الإسلامية، فيكون تعليمها مؤثرا في الطالبات من الناحيتين: العلمية والسلوكية.
فالمعلمة تستطيع من خلال المواد العلمية بأقسامها أن تبين عظمة الله وقدرته مما يقوي إيمان الطالبة، كي يتأثر سلوكها واستجابتها لأوامره واجتنابها لنواهيه، كما تستطيع أن توجهها إلى الاستخدام الأمثل لما تعلمته في هذه العلوم مما ينفع أمتها الإسلامية، ولا يعود بالضرر عليها.
إن الدعوة إلى الله من خلال المناهج والمقررات الدراسية لا تعني أن تقلب المعلمة درسها إلى مواعظ، فالوعظ –على ضرورته- لا يؤدي المهمة إذا تجاوز القدر المناسب، بل قد يؤدي إلى السآمة، ولكن المقصود أن تُدرّس العلوم الكونية على أنها تعريف بآيات الله في الكون، وتُدرّس العلوم الاجتماعية على أنها تعريف بسنن الله في الحياة البشرية، ويُدرّس الإنسان ومناشطه المختلفة على أنه مخلوق من مخلوقات الله، متميز في خلقه، مكرّم عند ربه، مكلّف بعمارة الأرض، محاسب على تصرفاته في الدنيا أمام الله يوم القيامة، فينمو بذلك وجدان الطالبة الديني أثناء تلقيها للعلوم المختلفة[15].
إن ربط المعلمة بين المادة التي تقوم بتدريسها وبين علوم الدين يؤدي إلى تكامل المعلومات عند الطالبة ووضوحها، وهذا يعتبر خير وسيلة لشعور الطالبة بوحدة خبرتها وثقافتها التي تكونها وعدم تشتتها.
ثامنا: مراعاة حجم ومستوى المادة العلمية المقدمة للطالبات:
ينبغي على المعلمة مراعاة مقدار ومستوى المعلومات بالنسبة لمستوى النمو العقلي عند طالبات المرحلة الثانوية، لأن عدم مراعاة ذلك يعيق فهم الطالبة، ويمنع استيعابها للمعلومات والأفكار، وربما أدّى إلى فقدان الثقة بنفسها وبقدراتها العقلية، وقد يجعل الطالبة تتخذ موقفا سلبيا إزاء تلك المعلومات والأفكار، وعليه فالواجب على المعلمة التأكد من استيعاب الطالبة وإحاطتها بالموضوع الملقى إليها قبل تقديم معلومات جديدة، لأن عدم وضوحها في ذهنها يبقيها مشوهة ومبتورة، فلا تتمكن من تمييز بعضها عن بعض، أو تستطيع استخدامها في مواقعها عند اللزوم أو عند حاجتها للتطبيق[16].
إن استخدام المعلمة لأسلوب التدرج في إلقائها للمعلومات على طالباتها يؤدي إلى استفادتهنّ من المعلومات المقدمة لهنّ، ويبقي عطاء المعلمة متجددا، أما إذا ألقت كل ما عندها من معلومات على الطالبات، فقد تضطر إلى أن تعيد وتكرر ما سبق أن قالته لهنّ، وهذا يصيب الطالبات بالسأم والملل، والانصراف عن الحضور عنها وعدم السماع لنصحها، لذلك فمن المناسب أن تعطي المعلمة لطالباتها ما تعلمته بالتدريج، ولا تلقيه جملة واحدة، مع الحرص على التزود العلمي المستمر والتجديد في المراجع والأساليب.
تاسعاً: المتابعة والتوجيه بشكل مستمر للطالبات:
من المهارات التي ترتقي بدعوة الطالبة في المرحلة الثانوية: قدرة الداعية على متابعة الطالبة المدعوة وتوجيهها بشكل مستمر، فالاقتصار على توجيه النصيحة لا يكفي إذا كان في لحظة عابرة ثم تنقطع بانقطاع اللحظة أو انتهاء المناسبة، فثمار الدعوة اليانعة في المرحلة الثانوية تحتاج إلى متابعة مستمرة للطالبة، لأنها نفس بشرية ذات طبيعة خاصة تختلف عن الآلة في حركتها، فالنفس البشرية تتميز بأنها دائمة التقلب، متعددة المطالب، متنوعة الاتجاهات، وكل تقلب وكل مطلب وكل اتجاه في حاجة إلى توجيه.
إن التوجيه والمتابعة المستمرة لا يعني المحاسبة على كل هفوة تصدر من الطالبة بطريقة مباشرة؛ لأن هذا أمر منفّر، فالداعية الحكيمة تتغاضى أحيانا عن بعض الهفوات وهي كارهة لها، لأنها تدرك أن استمرار التنبيه إليها قد يؤدي إلى رد فعل مضادّ من الطالبة، فإهمال التنبيه ضار كالإلحاح فيه، ولكن حكمة الداعية وخبرتها هي التي تدلها على الوقت الذي يحسن فيه التغاضي والوقت الذي يحسن فيه التنبيه، مع الملاحظة الدائمة من جانب المعلمة الداعية إلى سلوك الطالبة وعدم الوقوع في الغفلة، لأن التغاضي شيء والغفلة شيء آخر، فالأول مطلوب في الدعوة بين الحين والآخر، أما الثاني فعيب كبير في شخصية الداعية[17].
عاشراً: استخدام الوسائل العلمية والفنية الحديثة:
من سبل الارتقاء بالدعوة إلى الله في المرحلة الثانوية للطالبات؛ الاستفادة من التقدم التقني في جميع جوانب الحياة، واستخدام أساليب التعليم والعرض الحديثة في دعوتهنّ، ومن يتدبر كمال الدين الإسلامي وشموليته يجد فيه الحث على استخدام كل ما يعين الإنسان المسلم على أداء رسالته في الحياة، من المستجدات في العلوم والاختراعات، ما دامت لا تتعارض مع مبادئ الإسلام، حيث إن من (شأن المزيد من التقدم العلمي والتقني أن ينتج المزيد من المرونة والسهولة في الحركة، كما أنه من شأنه أن يوفر الكثير من الوسائل والأساليب والخيارات)[18].
إن استخدام الوسائل العلمية الحديثة المنضبطة بتوجيهات الدين والدعوة الإسلامية مما يساعد الداعية على الارتقاء بالدعوة وتحقيق أهداف دعوية لا يمكن تحقيقها بغيرها، ذلك أنها أعون على الفهم وتقريب المعاني إلى الأذهان، مع ما تملكه من خاصية التشويق والترغيب في التعلم، إضافة إلى توفيرها الوقت والمال[19].
الحادي عشر: التقليل من استخدام الأسلوب التلقيني في الدعوة إلى الله:
إن الاقتصار في دعوة الطالبات على التلقين لمبادئ الإسلام وصوره دون توضيح الحِكم والقيم التي اشتمل عليها، وما يحقق من مصالح دنيوية وأخروية للناس؛ ينتج لنا طالبة ضعيفة العقيدة، قليلة الحركة والتفاعل في بيئتها التي تعيش فيها، بل إن اتباع هذه الطريقة يجعل العبادات (في نظر أكثر المسلمين اليوم عبارة عن صورة وطقوس أكثر من أن تكون روحا وإشراقا ورقيا روحيا في معارج الترقي، ومواصلة التقرب إلى الله الخالق باستمرار)[20]، ولهذا تصبح المعلومات التي تلقى على الطالبة دون العناية بإثارة الانفعالات المصاحبة الحاثة على التطبيق، ودون الشعور بأهمية المعلومة التي تتعلمها؛ مما يعيق الدعوة ولا يرتقي بها، إن (التعليم التلقيني الذي أدمنّاه من مرحلة الروضة إلى مرحلة الجامعة؛ أوجد متعلما انفعاليا واتكاليا، ينتظر المساعدة من الأستاذ تارة، ومن الأب تارة ثانية، ومن الكتاب تارة ثالثة، ولذا فإنه عندما ينتهي من الثانوية أو الجامعة؛ فإنه ينسى كل ما تعلمه، ولا يبقى لديه سوى الهيكل العظمي مما أفاده وتخصص فيه، ونظرا للتدفق المعرفي الهائل، فإن ما تبقى لديه من معرفة منظمة فيما بعد؛ يفقد قيمته يوميا ليصبح في النهاية كالعدم)[21].
وإن الارتقاء بالدعوة في المرحلة الثانوية يتطلب الاهتمام بالقدرات العقلية للطالبة، بحيث تتدرب على التعلم الذاتي، والبحث عن المعلومة وتفعيلها في حياتها، وتوسيع مداركها وصقل مهاراتها، بالإضافة إلى تنمية قدرتها على تحليل المواقف والمعلومات واستنباط الفوائد والدروس حتى تتسع قاعدة الفهم لديها.
الثاني عشر: العناية بتقويم العملية الدعوية بشكل مستمر:
التقويم بشكل عام هو: (إعطاء شيء معين قيمة معيّنة، أي تقديره بناء على أسس محددة، والحكم عليه بناء على هذه الأسس)[22]، أما التقويم الدعوي فهو إعطاء قيمة ووزن للعملية الدعوية، بقصد معرفة مدى استفادة المدعوات من العملية الدعوية، وإلى أي مدى أحدثت هذه الإفادة التغيير في سلوكهنّ.
والتقويم يتضمن الحكم على الشيء المقوّم، فهو يتضمن عمليتين أساسيتين هما: التشخيص: حيث يتم تحديد مواطن القوة والضعف في السلوك، ومن ثم تتبعها العملية الثانية، وهي العلاج: أي علاج مواطن الضعف بغرض تعديل السلوك.[23] حيث إن اكتشاف جوانب الضعف والقصور بعد التقويم هو المفتاح لتحسينها والارتقاء بالدعوة، إذ إن عملية التقويم تستلزم عملية معالجة الأخطاء التي وقعت أثناء دعوة الطالبات، والتي حالت دون تحقيق الأهداف الدعوية، وهناك نوعان من التقويم يسهمان في نجاح العملية الدعوية، هما:
أولاً: التقويم الموضوعي: وهو الذي يُستخدم وسائل القياس المتنوعة القائمة على الملاحظة الكمية، والدلائل الإحصائية ويُطبق على جوانب العملية الدعوية، وهو وسيلة عملية أساسية لنجاح الدعوة، ولا يعتبر هدفا أو غاية بحد ذاته، بل يُطبق من أجل تحقيق غايات وأهداف مرتبطة ارتباطا وثيقا بالعملية الدعوية، فالتقويم يتم من أجل تحقيق الأهداف الآتية:
1)) تقويم المعلمة الداعية، بهدف الحكم على قدراتها، ومدى كفاءتها في الدعوة، وقدرتها في تبليغ الدعوة وتوصيل المعلومات للطالبات، وقدرتها في استخدام الوسائل والأساليب الدعوية.
2)) تقويم الطالبة المدعوة: بهدف الحكم على مدى استفادتها من الدعوة، والحكم على قدراتها وجوانب شخصيتها واستعداداتها، حتى تُتخذ القرارات التي تعين على إصلاحها وتوجيهها.
3)) تقويم موضوعات الدعوة: من حيث أهميتها ومناسبتها للطالبات، ومدى تحقيقها للأهداف التي سيقت لأجلها.
4)) تقويم الوسائل والأساليب: من حيث مراعاتها للفروق الفردية، وإفادتها للمدعوات ودرجة تأثيرها في سلوكهنّ، ومدى مساهمتها في نجاح العملية الدعوية.
ثانياً: التقويم الذاتي: وهو قيام المعلمة الداعية بتقويم نفسها من خلال المقاييس الذاتية المحددة، والاستعانة بجملة من الإجراءات الذاتية، حتى تتوصل من خلالها إلى معرفة قيمة أدائها الدعوي، وذلك بالحكم من خلال الإجابة على الأسئلة الآتية: هل تحققت الأهداف التي تسعى لتحقيقها؟ ما درجة الأداء التي وصلت لها؟ ويشترط أن تتم هذه العملية في ضوء معيار أو عدة معايير تربوية دعوية ثابتة، تمثل الموقف المثالي أو النموذجي لأداء المعلمة الداعية وأنشطتها الدعوية.[24]
ومن الممكن أن توضع المعايير على شكل جداول أو بطاقات تحتوي على بنود التقويم في جداول بحيث تمثل الاتجاهات السلوكية المرغوب فيها، وتقوم فيها المعلمة بتقويم نفسها[25].
________________________________________
[1] ينظر: الحاجات النفسية للشباب: د. عمر المفدى ص 161.
[2] ينظر: فقه الدعوة الفردية: د. السيد محمد نوح ص 41-42.
[3] مجموع الفتاوى 1/166.
[4] ينظر: المعلم والمنهج الإسلامي: د.محمد العروسي ص 180، من الأبحاث المنشورة في كتاب المنهج وإعداد المعلم:د. محمد الأفندي، وينظر: تدريس التربية الإسلامية : د. محمد مجاور ص 168.
[5] سورة الأنعام: جزء من آية 102.
[6] سورة ص: آية 29.
[7] سورة محمد: آية 24.
[8] ينظر: من قضايا الفكر الإسلامي المعاصر/ محمد قطب ص 19-20، دار الشروق، القاهرة، ط:1، 1423هـ/2003م.
[9] سورة المجادلة: جزء من آية 11.
[10] ينظر: المنهج الإسلامي في دراسة المجتمع: د. نبيل السمالوطي ص 28.
[11] تعليم الدين الإسلامي بين النظرية والتطبيق: د. حسن شحاتة ص 217.
[12] إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان 1/83.
[13] أسس التريية الإسلامية: عبد الحميد الزنتاني ص 486.
[14] في الحديث المتفق عليه: صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يتم ركوعه بالإعادة، ح793 فتح الباري 2/276، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة باب التشهد في الصلاة 1/298ح397.
[15] ينظر: من قضايا الفكر الإسلامي المعاصر: محمد قطب ص 23، وفقه الدعوة : عبد الرحمن الميداني 1/493.
[16] ينظر: جوانب التربية الأساسية: د. مقداد يالجن ص 134-135.
[17] ينظر: منهج التربية الإسلامية: محمد قطب 2/46-47.
[18] بناء الأجيال: د. عبد الكريم بكار ص 202.
[19] ينظر: جوانب التربية الأساسية : د. مقداد يالجن ص 137.
[20] المرجع السابق ص 149
[21] تجديد الوعي ص 202.
[22] علم النفس التربوي : د. عبد المجيد منصور وآخرون ص 334.
[23] ينظر: المرجع السابق ص 332.
[24] ينظر: التقييم الذاتي لمعلم التربية: د. أمين أبو لاوي ص 13.
[25] وهناك نماذج لبعض جداول وبطاقات التقويم لمعلمة العلوم الدينية من الممكن الاستفادة منها، ينظر: التقييم الذاتي لمعلم التربية الإسلامية: د.أمين أبو لاوي ص 37-106، والمرشد النفيس إلى أسلمة طرق التدريس :د. محمد جان ص 50-64.

اكتب تعليق

أحدث أقدم