رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن حقوق الإنسان

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود  عبد القوي عبد اللطيف 
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى 
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
مما لاشك فيه أن مِن أبرزِ مظاهرِ حفظِ حقوقِ الإنسان في الإسلام:
أولًا: ضمان حرية المعتَقَد: فمِن أبشع ما عَرَفَته البشرية في تاريخها الطويل ظاهرةُ الاضطهاد الدِّينيِّ، وإكراه الناس على تَرْك معتقداتِهم؛ ومِن أجل ذلك سُلِّطت عليهم كلُّ أنواعِ التعذيب الوحشيِّ؛ كي يتخلَّوا عمَّا اعتقدوه.
ولمَّا ظَهَر الإسلامُ بمكَّة، اعتدى المشركون على المستضعَفين من المسلمين بالأذى والفتنة في دينهم، وكان المسلمون إذا اشتدَّ عليهم اضطهادُ المشركين يَشْكُون حالَهم إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ويطلبون منه أن يستنصرَ اللهَ لهم، فكان يُهوِّن عليهم الذي يَلقَوْنه مِن قريشٍ بما يقصُّ عليهم مِن أخبارِ الأُمَم السابقة، وصبر المؤمنين على هذا العذاب الأليم[1].
معشر الفضلاء، برغم تعرُّض أتباعِ الإسلام لكلِّ وسائلِ القهر والتَّسلُّط، والتَّعذيب والإيذاء، والإجبار على عدم اعتناقه - جعل حريَّةَ الاعتقاد مكفولةً للجميع؛ فلم يُجبِر أحدًا على اعتناقه، ولم يُعامِلْ أعداءَه بمثل ما بادَؤوه به، بل جعل حريَّةَ الاعتقاد حقًّا مكفولًا لهم بقرآنٍ يُتلى إلى يوم القيامة؛ فقد أرشد اللهُ تعالى المؤمنين إلى عدم إكراه الناس في الدِّين؛ كما في قوله سبحانه: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ في الدِّينِ قد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [البقرة: 256]؛ أي: لا تُكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام؛ فإنه بَيِّنٌ واضح جليٌّ دلائلُه وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يُكرَه أحدٌ على الدخول فيه، بل مَنْ هداه الله للإسلام، وشَرَح صدرَه، ونَوَّر بصيرتَه، دخل فيه على بَيِّنَة، ومَنْ أعمى اللهُ قلبَه، وخَتَم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدِّين مُكرهًا مقسورًا، وقد ذكروا أنَّ سببَ نزول هذه الآية في قومٍ من الأنصار، وإنْ كان حُكْمُها عامًّا[2].
وقد أبْرَمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مع اليهود كتابَ مُوادَعة بالمدينة، ونَصَّ فيه على كفالة حريَّة المعتقَد، ودعا فيه إلى التَّعايش السِّلميِّ وحُسْنِ الجوار، وكانت عهودُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وخلفائه للذِّمِّيين دليلًا قاطعًا على كفالة الحرية الشاملة لهم، وخاصَّة حرية المعتقَد؛ ومِن أوضح أمثلته: عهدُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران[3].
ومن أمثلته أيضًا: ما جاء عن هِشامٍ عن أبيه قال: مَرَّ هِشامُ بنُ حكيمِ بنِ حِزامٍ على أُناسٍ من الأَنْبَاط بالشَّام قد أُقِيمُوا في الشمس، فقال: ما شأنُهم؟ قالوا: حُبِسُوا في الجِزْيَة، فقال هِشامٌ: أشهد لَسَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الذين يُعَذِّبُون الناس في الدنيا))[4].
والإكراه لا يُؤسِّس عقيدةً؛ لأنه لا يُمكن أن تنشأَ عقيدةٌ ما بالإكراه، ولأنَّ العقيدة عنصر نَفْسِيٌّ لا يُمكن أن يكون للإكراه إليه سبيلٌ؛ ومن أجل ذلك حرَّم الإسلام الإكراهَ تحريمًا قطعيَّا[5].
ومن مظاهرِ حفظِ حقوق الإنسان في الإسلام:
ثانيًا: تحقيق العدالة بين الناس: وصورُ العدل في الإسلام مُتشعِّبة ومتداخلة ومتكاملة، بل يمكن القول بأنَّ الشريعةَ كلَّها مبنيَّة على العدل؛ لأنَّ الذي شرعها أعدلُ العادلين، وهو سبحانه منزَّهٌ عن العَبَث والظلم؛ كما قال تعالى في الحديث القدسي: ((يا عبادي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ على نَفْسِي، وجَعَلْتُه بينكم مُحَرَّمًا، فلا تَظالَمُوا))[6].
ومن أهم صور العدل في الإسلام:
1- أنَّ مَنْ عمل صالحًا فلنفسه، ومَنْ أساء فعليها، وهذا من تمام العدل، ويشهد له قولُه صلى الله عليه وسلم: ((... إنَّما يَرحَم اللهُ مِن عباده الرُّحماءَ))[7]؛ وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ يُعَذِّب الذين يُعَذِّبُون الناس في الدنيا))[8].
ومِن تمام عدل الله تعالى أنْ أتاح للإنسان حريةَ الاختيار بين الخير والشرِّ، وبين الإيمان والكفر، وهو مسؤول أمام الله تعالى إن اختار طريق الشرِّ فلا يلومنَّ إلا نَفْسَه؛ كما أكَّد على ذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: ((ستلقَون ربَّكم فسيسألكم عن أعمالكم...))[9].
2- عدم الاعتداء على الناس، ولو كانوا غيرَ مسلمين؛ كالمعاهدين وأهل الذمَّة؛ بل قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد: ((ألَا مَن ظلَم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أَخَذَ منه شيئًا بغير طيب نَفْسٍ، فأنا حجيجُه[10] يوم القيامة))[11].
لماذا قال النبيُّ ذلك؟ لأنَّ الناس سواسيةٌ في الحقوق، فَعَدَم إسلامِهم لا يخوِّل لبعض المسلمين ظلمَهم، أو الاعتداء عليهم، أو إنقاص حقِّهم، أو تكليفهم فوق طاقتهم، بل لهم حقوقهم مصونة محفوظة.
3- عدم محاباة الطبقة الغنيَّة والشريفة، فمِن أسباب هلاك الناس الظلمُ، والمحاباة الاجتماعية للطبقة الغنيَّة والشريفة على حساب الطبقة الفقيرة، وفي ذلك يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إنما أهلَكَ الناسَ قبلكم، أنهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشريف تركوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، والذي نفس محمدٍ بيده، لو أنَّ فاطمةَ بنت محمدٍ سرقَت، لقطعتُ يدها))[12].
ما الذي دعاه إلى الحَلِف؟ إنه العدل بين الناس.
ومن مظاهر حفظ حقوق الإنسان في الإسلام:
ثالثًا: حماية القيم الأخلاقية: إذا تحرَّر المجتمع الإنسانيُّ من القيم الأخلاقيَّة، تحوَّل إلى مجتمع حيوانيٍّ يتصارع فيه الناس بلا وازعٍ أو ضابط خُلُقيٍّ، فيتحول إلى مجتمع الغاب، يأكل القويُّ فيه الضعيف، وهذا ما ينافي التكريمَ الإلهيَّ للإنسان؛ لذا جاءت الشريعةُ الإسلامية داعمةً للأخلاق، ومؤكِّدةً على حماية القيمِ الأخلاقيَّة، وفي ذلك يقول النبيُّ: ((إنما بُعثْتُ لأتمِّم مكارمَ الأخلاق))[13]، وفي رواية: ((صالح الأخلاق))[14].
بل لم يُذكَر خُلُق محمود إلا وكان للنبيِّ صلى الله عليه وسلم منه الحظُّ الأوفر، وفي سُنَّته النصيبُ الأكبرُ[15].
ومن نماذج حماية الشريعة الإسلامية للقيم الأخلاقية:
1- تصحيح مفهوم السعادة، ولَفْت انتباهِ الناس إلى نِعَمٍ كبيرة بين أيديهم وهم عنها غافلون، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أصبح منكم آمنًا في سِرْبه، معافًى في جسده، عنده قُوتُ يومِه، فكأنَّما حِيزَت له الدنيا))[16] ، فهنا يؤكِّد النبيُّ صلى الله عليه وسلم على أهمية توافر نعمة الأمن، ونعمة الصحة، ونعمة الحصول على كفاية القوت، ويكون ذلك عاملًا رئيسًا في تحقيق السعادة؛ فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم يغرس في الناس قيمةً أخلاقيةً نفيسةً، يؤكِّد مِن خلالها بأنَّ السعادة ليست في كثرة المال، أو زهرة الحياة الدنيا والتنافس فيها، بل القناعة بما قَسَم اللهُ تعالى هي الجالبة للسعادة الحقيقيَّة.
2- الاعتماد على النفس، والاكتساب من عمل اليد، وعدم التعرُّض لذلِّ السؤال؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لأنْ يحتطِب أحدُكم حزمةً على ظهره خيرٌ مِن أنْ يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه))[17]؛ بعض الشباب في مجتمعاتنا يعتمد على مالِ والده ويركن إلى ذلك، ولا يريد أن يعمل أو يبذل أدنى مجهود.
3- شعور كلِّ فردٍ من أفراد المجتمع بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، واستشعاره لقاءَ الله تعالى والمحاسبة على هذه الأمانة؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته؛ الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيَّتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته))[18].
فهذه كلها أمانات؛ فكلُّ مَن جَعَلَه اللهُ تعالى أمينًا على شيءٍ، فواجب عليه بَذْلُ الجهد في حفظها ورعايتها[19].
4- توجيه المسلمين إلى الصبر على الشدائد والابتلاءات، والرضا بقضاء الله تعالى وقَدَرِه، واحتمال أنواع المشاقِّ الدنيويَّة بالصبر الجميل؛ رجاء تكفير السيئات، ورفع الدرجات، وزيادة الحسنات، وفيه أحاديث كثيرة؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما يصيب المسلمَ مِن نَصَبٍ ولا وَصبٍ، ولا هَمٍّ ولا حزنٍ، ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه))[20].
والواقع أن حقوق الإنسان في الإسلام، نخلص إلى عدة أمور:
1- الارتباط الوثيق بين مقاصد الشريعة وكلِّياتها التي جاءت بها، وتكفَّلت بحمايتها، وهي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال؛ فحِفْظ هذه الأمورِ يضمن الحياةَ الكريمةَ للإنسان.
2- السبق الذي أحرَزَه الإسلام ونبيُّ الإسلام في هذا المضمار سَبَقَ جميعَ المعاهدات والمواثيق الدوليَّة الداعية إلى حقوق الإنسان.
3- المنطلق الذي انطلقت منه الدعوة إلى حقوق الإنسان في الإسلام مردُّه إلى الشرع وقواعده وأحكامه، ولا عبرةَ بما يخالف الشرع؛ فإذا ادَّعى أحدٌ حقَّ الحرية، فنحن نوافقه، ولكن بضوابط الشرع، فلا يرتكب محرمًا أو يقترف إثمًا، ثم يقول: هذه حرية، لا؛ لأنَّ الشرع إنما قيَّد الحرية بقيودٍ وضوابطَ، مَن خَرَجَ عنها، وقع في الحرج الذي يحاسِب عليه الشرع في الدنيا والآخرة.
مثال ذلك: أنَّ الإسلام حرَّم الخمر، فإذا جاء مَن يدَّعي الحريةَ وأراد شُربَه وجَاهَرَ بذلك، هنا يتدخَّل الشرع ويمنعه، بل ويقيم عليه الحُكْم الخاص به؛ فالحقوق إذًا مقيَّدة بالشرع، وهذا هو الفارق بين الإسلام والليبرالية؛ فالليبرالية مبدأٌ رأس مالي، يقوم على الحريَّة المطلقة في السياسة والاقتصاد والفِكْر.
4- العموم والشمول؛ فالملاحَظ أنَّ الشريعةَ الإسلاميَّة استوعبت كلَّ ما يمكن أن يكون حقًّا عامًّا وعالميًّا، دون أن تفرِّق أو تميِّز بين الناس لسببٍ من الأسباب؛ كالعِرْق أو اللون أو الجنس أو الدين، كما أنها أشبَعَت الجانبين المكوِّنَين للإنسان، وهما: المادي والرُّوحي، دون أن يطغَى أحدُهما على الآخَر، بينما فات التشريعاتِ الأخرى تحقيقُ هذا التوازن، وهو من دلائل عظمة الإسلام.
________________________________________
[1] انظر: حقوق الإنسان في ضوء الحديث النبوي؛ د. يسري محمد أرشد (ص 59).
[2] تفسير ابن كثير (1/ 311).
[3] انظر: السيرة النبوية؛ لابن هشام (3/ 112)؛ كتاب الخراج؛ لأبي يوسف (ص 145).
[4] رواه مسلم (4/ 2018) (ح 2613).
[5] انظر: حقوق الإنسان في ضوء الحديث النبوي (ص 63).
[6] رواه مسلم (4/ 1994) (ح 2577).
[7] رواه البخاري (1/ 431) (ح 1224)، ومسلم (2/ 635) (ح 923).
[8] رواه مسلم (4/ 2018) (ح 2613).
[9] رواه البخاري (4/ 1599) (ح 4144)، ومسلم (3/ 1305) (ح 1679).
[10] (حجيجه): الحجيج فعيل من المحاجة: المغالبة وإظهار الحجة؛ انظر: جامع الأصول (2/ 652).
[11] رواه أبو داود (3/ 170) (ح 3052)، والبيهقي في (الكبرى) (9/ 205)، (ح 18511)، وصحَّحه الألبانيُّ في (صحيح سنن أبي داود) (2/ 261) (ح 3052).
[12] رواه البخاري، واللفظ له (4/ 1566) (4053)، ومسلم (3/ 1315) (ح 1688).
[13] رواه البزار في (مسنده) (2/ 476) (ح 8949)، والشهاب في (مسنده) (2/ 192) (ح 736)، والبيهقي في (الكبرى) (10/ 191) (ح 20571)، وصححه الألباني في (السلسلة الصحيحة) (1/ 112) (ح 45).
[14] رواه أحمد في (المسند) (2/ 381) (ح 8939)، والبخاري في (التاريخ الكبير) (7/ 188) (ح 835)، و(الأدب المفرد) (ص 104) (ح 273)، والحاكم في (المستدرك) (2/ 670) (ح 4221) وقال: (صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (8/ 188): (رجاله رجال الصحيح)، وصححه الألباني في (صحيح الأدب المفرد) (ص 118) (ح 207).
[15] انظر: تفسير القرطبي (18/ 227).
[16] رواه البخاري في (تاريخه) (5/ 372) (ح 1181)، وابن ماجه (2/ 1387) (ح 4141)، والترمذي (4/ 574) (ح 2346)، وابن حبان في (صحيحه) (2/ 446) (ح 671)، وحسَّنه الألباني في (صحيح سنن ابن ماجه) (3/ 354) (ح 3348).
[17] رواه البخاري (2/ 730) (ح 1968).
[18] رواه البخاري (1/ 304) (ح 1829)، ومسلم (3/ 1459) (ح 1829).
[19] انظر: شرح صحيح البخاري؛ لابن بطال (7/ 71، 322)، شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 213).
[20] رواه البخاري (5/ 2137) (ح 5318).

اكتب تعليق

أحدث أقدم