رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن الإسرة هى اللبنة التي يبنى عليها المجتمع




بقلم \المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الأسرة فى الإسلام هى اللبنة التى يُبْنَى عليها المجتمع، وكلَّما كانت قويَّة متماسكة كان المجتمع قوياً متماسكاً، وأساس هذه الأسرة الزوجان: الرجل والمرأة،والزوجيَّة فى الإسلام ليست شركة اقتصاديَّة، تقوم على التعامل الحسابى الدقيق، وليس الزوج والزوجة شركاء متشاكسين، بل الزوجيَّة فى الإسلام قائمة على المودة والرحمة بينطرفيها، وهى آية من آيات الله فى خلقه:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، فهى علاقة عاطفيَّة روحيَّة وليست ماديَّة.
ونصوص شرعنا من الكتاب والسُّنَّة تحثُّ على حسن العشرة بين الزوجين؛ ليكون الودُّ والرحمة أساس التعامل بينهما، وكانت الوصيَّة بالنساء من أواخر وصاياه صلى الله عليه وسلم: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَىْءٍ فِى الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ".
وهذه العلاقة المبنيّة على الودِّ والرحمة أراد شرعنا أن تسود فى حال استقرار الزوجيَّة، وحتى فى حال تعسرها وانكسارها بالطلاق:{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، ويتحمل الزوجان معاً الأعباء الزوجيَّة لتكون حياة تكامليَّة تحقق لهما الاستقرار والسعادة، فكان من نصيب الزوج الكد والعمل والسعى على الرزق ليعود بما يحتاجه وزوجته من نفقة وتكاليف الحياة اليوميَّة، فإذا رزقا بأولاد زادت الأعباء على الرجل وكان مطالباً بالمزيد من الكد لتغطية نفقات الوافدين الجدد، بينما كان من نصيب الزوجة والأم رعاية البيت والقيام بشأن أولادها.
والإنفاق فى شرعنا على الزوجة والأولاديختلف باختلاف حال الأسرة من اليسر والعسر، فمن وسَّع الله له فى الرزق فليوسِّع على زوجته وأولاده بما يناسب الرزق الذى رزقه الله إيَّاه، ومن قلَّ حظه من الرزق فليرتب نفقات أسرته على ما قدر له من رزق، ويقع العبء الأكبر على الزوجة فى حال ضيق ذات يد زوجها فى تدبير نفقات البيت بمقدار ما رزقهم الله من رزق: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً}.
وقد ذكر كتاب ربِّنا استحقاق الزوجة أجرة فى حال انتهاء الحياة الزوجيَّة ولها طفل رضيع إن اتفقا على أن ترضعه هي:{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}، ولم يرد استحقاق الزوجة أجراً على إرضاع طفلها فى حال قيام الزوجيَّة، بل طالبها كتاب الله بالإرضاع دون أن يوجه خطاب أجرة للزوج، وإنَّما ألزمه بالإنفاق والكسوة:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنتَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، وهو ما يبيِّن بجلاء الفرق بين العلاقات الماليَّة بين الزوجين حال قيام الزوجيَّة وبعد انتهائها، فأثناء قيام الحياة الزوجيَّة يقع الإرضاع والخدمة تحت مظلة الزواج، حيث يقوم كلُّ طرف منهما بالأعباء الملقاة على عاتقه، أمَّا بعد انتهاء الزوجيَّة فلا تكامل بين الطرفين، وأصبح كلُّ طرف يعمل لنفسه ويتحمل أعباءه وحده؛ ولذا استحقت المطلقة أجرة ليس على إرضاع اللبن لأنَّ لبن الآدميَّة لا يباع، وإنَّما على تحملها تربية الولد والقيام بشأنه ويدخل الإرضاع فى جملة هذا العبء.
ويبدو أنَّ بعض المعاصرين لم يدرك هذا الملمح، حيث قصروا دور الزوجة على العلاقة التى بينها وبين زوجها، وكأنَّها وسيلة متعة لا غير، أمَّا ما يتعلق بالخدمة والتربية فلا تدخل فى اختصاصاتها؛ ولذا إن قامت بهذاالدور فإنها تستحق أجرة عليه، وهذا شطط لم يسبقوا إليه خلال ما يقارب خمسة عشر قرناً من الزمان، وهذا الطرح ليس فى صالح المرأة كما يظنون بل إنَّ جميع ما ينادون به يتضح فى النهاية أنَّه ضد مصلحة المرأة، فقد زعموا إنصافها حين طالبوا بمساواتها فى الميراث مع أخيها، فسووا بينهمافى أربع مسائل، وحرموها مكتسبات كثيرة إن أُخِذَ بتخريفهم فى أكثر من خمسين حالة، تزيد نصيباً فيها على الرجل أو ترث ولا يرث الرجل أصلاً، وكذلك حين أرادوا تزويجها من غير مسلم لينزلوا بها من درجة التكريم الذى أراده لها شرعنا..وفى هذه المسألة التى يزعمون بها إنصاف المرأة،ويوجبون لهاأجرة على خدمة بيتها، فإنهم يوجهون لها إهانة مباشرة حيث يجعلونها كالخادمة الأجيرة، كما أنَّهم يؤلبونها على زوجها، ويدفعونها دفعاً لخراب بيتها بطلاقها، فماذا يفعل الزوج الذى يحمل هَمَّ فاتورة الكهرباء والماء والغاز والأكل والشرب، وأجرة المسكن، ونفقة تعليم أولاده، وكساء زوجته وأولادها وعلاجهم، حين يُحمَّل فوق هذا بأجرة زوجته على قيامها بأعباء بيتها؟ وماذا لو تراكمت عليه أجرة الزوجة وأصرت على قبضها؟ أليس المتوقع هو النزاع والشقاق الذى قد ينتهى بالطلاق للخروج من هذا المأزق؟!.
فيا هؤلاء من قال إنَّ الزوجة أجيرة عند زوجها وأولادها؟ لماذا تصرون على إهانتها بدلاً عن كونها سيدة فى بيتها تشارك زوجها الأعباء وتعينه؟ لماذا السعى لتحويل العلاقة بين الزوجين إلى علاقة ماديَّة بحتة وإفقادها التلاحم الوجدانى والعاطفى الذى يجعل كلَّ طرف يبذل ما فى وسعه لإرضاء الآخر والتخفيف عنه؟ ألم تعلموا فعل رسولنا – الأكرم – مع ابنته فاطمة حين اشتكت من خدمة بيتها؟؛ فقد روى البخاري: أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنَ الرَّحَى مِمَّا تَطْحَنُ، فَبَلَغَهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِى بِسَبْىٍ، فَأَتَتْهُ تَسْأَلُهُ خَادِماً، فَلَمْ تُوَافِقْهُ، فَذَكَرَتْ لِعَائِشَةَ، فَجَاءَ النَّبِى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ لَهُ، فَأَتَانَا، وَقَدْ دَخَلْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا لِنَقُومَ، فَقَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمَا». حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي، فَقَالَ: «أَلاَ أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَاهُ، إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا اللَّهَ أَرْبَعاً وَثَلاَثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمَا مِمَّا سَأَلْتُمَاهُ»؛ فهل سمع أحد منكم أنَّ الرسول طلب من على-_ كرم الله وجهه- أن يدفع لها أجرة أو كلَّفه بأن يأتى لها بخادم؟ ألم تلاحظوا أنَّ رسولنا حتى لم يخصص لها من يخدمها من السبى الذى بين يديه؟ وكأنَّه أراد أن تبقى فى شرف خدمة بيتها، وإن شق عليها.
نعم إن كان الزوج قادراً فعليه استئجار من يتولى الخدمة، ويخفف عن الزوجة، ولكن هذا شىء وما ينادى به هؤلاء شىء آخر، فعند قدرة الزوج فهذا يدخل فى قوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ...}،أمَّا عند عجزه فلا يلزمهغير إنفاق هذا الرزق القليل: {... وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً}، فمن قال لكم إنَّ مشاركة الزوجة فى القيام بأعباء بيتها أو حتى المشاركة فى نفقة بيتها ممنوعة ؟ ألم تسمعوا يوماً ثناء رسولكم على أمِّنا الأولىخديجة معدِّداً مآثرها، ومنها مواساته بالمال؟؛فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا، فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ، قَالَتْ: فَغِرْتُ يَوْماً، فَقُلْتُ: مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْراً مِنْهَا، قَالَ: "مَا أَبْدَلَنِى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْراً مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِى إِذْ كَفَرَ بِى النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِى إِذْ كَذَّبَنِى النَّاسُ، وَوَاسَتْنِى بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِى النَّاسُ، وَرَزَقَنِى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِى أَوْلَادَ النِّسَاءِ" .
ألم يبلغكم خبر وافدة النساء الذى أعلم فيه رسولنا السائلة أنَّ أجر المرأة على خدمة بيتها يعدل ثواب أعظم الطاعات؟!فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِى اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم فَقَالَتْ: يَا رَسولَ اللهِ إِنِّى وَافِدَةُ النِّسَاءِ إِلَيْكَ، هَذَا الْجِهَادُ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى الرِّجَالِ فَإِنْ نَصِبُوا أُجِرُوا، وَإن قُتِلُوا كَانُوا أَحْيَاءً عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَنَحْنُ مَعَاشِرَ النِّسَاءِ نَقُومُ عَلَيْهِمْ فَمَا لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: "فَقَالَ النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم: أَبْلِغِى مَنْ لَقِيتِ مِنَ النِّسَاءِ أَنَّ طَاعَةَ الزَّوْجِ وَاعْتِرَافاً بِحَقِّهِ يَعْدِلُ ذَلِكَ وَقَلِيلٌ مِنْكُنَّ مَنْ يَفْعَلُهُ".
وهلَّا أخبرتمونا كم دفع رسول الله – صلى الله عليه وسلم- من أجر لزوجاته التسع؟ وهلَّا أخبرتمونا كم دفع صحابته الكرام لزوجاتهم؟ وكم دفع علماء الإسلام قاطبة خلال القرون الماضية لزوجاتهم فى مقابل خدمتهن لبيوتهن؟ أم تتهمون هؤلاء جميعاً بمن فيهم رسولنا الأكرم بأنهمظلموا زوجاتهم، ولم يعطوهن أجورهن؛ فجئتم أنتم لإنصافهن؟!
يا هؤلاء كفُّوا عن تأليب النساء، وفتح أبواب النكد والخلاف والشقاق بين الزوجات والأزواج؛ فبين أكثرهم ما يكفى، كفاكم تخريباً للعقول، واختراع أحكام ما أنزل الله بها من سلطان إرضاء لفئة على حساب دينكم.
ثم سؤال أخير غير برىء: كم دفعت يامن تنادى بهذا عبر شاشات الفضائيات ليل نهار لزوجتك، وهى قائمة على خدمتك وأولادك منذ عدة عقود؟ إن كان لديك إجابة فنحن فى الانتظار؛ وإلا قلنا لكم:{كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}.

اكتب تعليق

أحدث أقدم