رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن غزوة تبوك

بقلم \  المفكر العربى الدكتور خالد محمود  عبد القوي عبد اللطيف 
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى .
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
مما لاشك فيه أن غزوة تبوك لم يحدث فيه قتال بين الصفين ولا تلاحم بين الفريقين وإنما كانت معركة كاشفة فاضحة كشفت المنافقين وفضحت كل من في قلبه مرض من المدسوسين الذين كانوا يعيشون بين أظهر المسلمين إنها غزوة تبوك التي وقعت في شهر رجب لسنة تسع من الهجرة النبوية.
لقد كان الرومان – أعظم دولة في ذلك الزمان – يعدون العدة لمواجهة المسلمين في المدينة وسبق لهم أن قتلوا سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حمل إليهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم من قبل وأعدوا لحرب المسلمين جيشاً قوامه أربعون ألف مقاتل جمعوا فيه القبائل العربية المتنصرة وأعطوا قيادة الجيش لعظيم من عظماء الروم.
وصل الخبر إلى قيادة الجيش الإسلامي بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان المسلمون في تلك الفترة في قحط شديد وبلاء عظيم وعسر وجدب وقلة ظهر وكان الجو شديد الحرارة في قوة حرارة الصيف الملتهب.
وفي نفس الوقت كانت الثمار قد بدأت على النضج واقترب موعد حصاد الزروع وفوق هذا وذاك كان العدو بعيداً جداً جداً من المسلمين والطريق وعرة والمسافة طويلة وليس مع المسلمين ما يكفيهم من المؤنة والمعونة.
تخيلوا ماذا سيقرر الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الظرف القاهر والوقت الحرج والضعف والقلة في وقت بدأ الرومان بالزحف الفعلي ووصلت قواتهم إلى البلقاء على أطراف الأردن.
لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن الموقف يحتاج إلى حسم شديد فلو ترك الرومان يزحفون نحو المدينة لوصلوا إلى بلاد الإسلام وجاسوا خلال الديار وداسوا سمعة المسلمين ولكن كيف يفعل صلى الله عليه وسلم وجبهة المسلمين الداخلية قد نجم فيها النفاق بشكل واضح وكان المنافقون في داخل المدينة نفسها يتربصون بالمسلمين الدوائر ويكيدون لهم من الداخل وبينهم وبين ملك الرومان تواصل واتصال بواسطة أبي عامر الفاسق.
ولكن القائد الأعلى صلى الله عليه وسلم أصدر قراره الحاسم رغم كل هذه الظروف الصعبة والأحوال الشديدة بأن يخوض المسلمون المعركة ضد الروم ولا يمهلونهم حتى يزحفوا إلى ديار الإسلام.
قرر النبي صلى الله عليه وسلم الموقف وأعلن في الناس أن يتجهزوا للقتال وأعلن بكل صراحة ووضوح أنه يريد لقاء الروم ولم يوري لهم كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل في معاركه وغزواته السابقة.
وحث الناس على الصدقات لتجهيز الجيش ونزلت آيات في سورة التوبة تحث المسلمين على الصدقات وتشجعهم على بذل الأموال وإنفاقها في سبيل الله.
تخيلوا لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم وقيادته ما يجهزون به الجيش فكان يطلب من المسلمين أنفسهم أن يجهزوا الجيش ويساهم كل مسلم بما يستطيع لتجهيز الجيش وإنفاق كرائم الأموال لذلك.
قام المسلمون الصادقون وأهل الإيمان الحقيقي بالتسابق في تجهيز الجيش وأنفق كل مؤمن صادق ما عنده لذلك فجاء سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه بمائتي بعير بأقتابها وأحلاسها وأنفقها في سبيل الله مع مائتي أوقية من الفضة وألف دينار من الذهب فنشرها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم " فزاد عثمان رضي الله في صدقته حتى بلغت تسعمائة بعير ومائة فرس.
وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية من الفضة وجاء أبو بكر رضي الله عنه بماله كله فأنفقه في سبيل الله وجاء عمر بنصف ماله وجاء العباس بمال كثير وتتابع الناس قي صدقاتهم قليلها وكثيرها وبعثت النساء المؤمنات صدقاتهن وأخرجن أعضادهن وأقراطهن وخواتيمهن صدقة لله وفي سبيل الله.
أما أهل النفاق ومن كان في قلوبهم مرض فلم يأتوا بشيء وأخذوا يسخرون من هؤلاء ويستهزئون ممن شارك وتصدق فمن جاء بمال كثير قالوا ما جاء به إلا رياء وسمعة ومن جاء بمال قليل همزوه ولمزوه وقالوا له إن الله ورسوله غني عن ما جئت به فأنزل الله سبحانه وتعالى ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 79].
تجهز الجيش الإسلامي واستعمل النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة وخلف على أهله علي بن أبي طالب فأراد علي اللحاق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقال له: " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ".
فغمص المنافقون وأخذوا يتكلمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبثون الدعايات والأراجيف ويقولون أنه ردّ علي ولم يسمح له بالذهاب إلى الغزوة نظراً لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبدأت البلابل والأراجيف وقام المنافقون بالتململ والاعتذار عن المشاركة في الغزوة وخافوا على أنفسهم من القتل والأسر بسبب قوة الروم وكثرتهم وأخذوا يثبطون المسلمين ويوهنون عزائمهم ويبثون بينهم الخوف والفزع ويقولون لهم غداً سنراكم مقيدين في السلاسل ونسمع أخباركم بأنكم أسرى عند الروم وقال بعضهم لبعضٍ: أتحسبون جلاد بني الأصفر، كقتال العرب بَعضِهم لبعض؟ واللهِ لكأنَّا بكم غدًا مقرَّنين في الحِبال، إرجافًا وترهيبًا للمؤمنين ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ * قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾.
وأنزل الله فيهم ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾.
وجاء الجد بن قيس وكان منافقاً فاعتذر عن اللحاق بالجيش الإسلامي خشية أن تفتنه نساء الروم – نساء بني الأصفر – وقال يا رسول الله ائذن لي ولا تفتني فأنزل الله ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾.
ولم يكتفي المنافقون بذلك بل أخذوا يستهزئون بأهل الإيمان ويسخرون منهم وينكتون عليهم وقالوا " ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، وأكذب ألسنة، وأجبن عند اللقاء فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالتهم ووصل إليه خبرهم اعتذروا عن هذا الكلام القبيح وقالوا إنما قلناه على سبيل الهزل واللعب وليس على سبيل الجد والحقيقة فأنزل الله فيهم ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾.
ومن المنافقين من تعذر بالحر ورضي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب في الحر ولم يرضى لنفسه الحر وكأنه خير من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فيهم ﴿ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ إلى أن قال الله ﴿ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾.
وقال عنهم: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا ﴾– أي لو كانت المسافة إلى الروم قريبة والسفر مناسباً - ﴿ لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ﴾ – أي المسافة - ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ﴾ – يحلفون كذباً ونفاقاً - ﴿ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ – بهذه الأيمان الكاذبة والحلف الزائف - ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [التوبة: 42] وقال: ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ [التوبة: 46].
فلامهم الله على قعودهم مع القاعدين والعجزة والنساء وعدم مشاركتهم في الغزوة وهجر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة من الصحابة لأنهم لم يخرجوا معه في الغزوة وآثروا الراحة والدعة ثم تاب الله عليهم بعد الغزوة عندما تابوا واعتذروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فيهم ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 118]...
تحرك المسلمون إلى تبوك في جيش عرمرم بلغ قوامه ثلاثون ألف مقاتل لم يخرج المسلمون في جمع مثله قط إلا أن إمكانيات المسلمين لم تكفي لهذا العدد الهائل فكان كل ثمانية عشر رجلاً يتعقبون بعيراً واحداً ولم يكفيهم الأكل والمؤنة فأكلوا أوراق الشجر ونفد عليهم الماء فاضطروا إلى ذبح بعير مع حاجتهم إليه ليشربوا ما في كرشته من الماء حتى سمي ذلك الجيش جيش العسرة ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾.
وجاء فقراء الصحابة ومن لم يجد شيئاً يجهز نفسه به فطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجهزهم ليشاركوا في قتال الروم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أجد ما أحملكم عليه فأخذوا ينوحون ويبكون شوقاً للذهاب والمشاركة فأنزل الله فيهم: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾.
واصل الجيش الإسلامي المسير في جَهد جهيد وبلاء شديد وظمأ عظيم حتى وصلوا إلى واد يسمى وادي القرى – كانت فيه ديار ثمود الذين أنزل الله عليهم العذاب – فاستقى الصحابة من آبار الوادي وقاموا بتعبئة الماء فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم لا تشربوا من مائها ولا تتوضئوا منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئاً ولا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم وقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه وأسرع في المشي حتى اجتاز الوادي
فنفّذ الناس الأمر وسكبوا الماء مع أنهم في ظمأ شديد وحر قاتل حتى اشتد بهم الظمأ واحتاجوا حاجة ماسة للماء فاشتكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا الله سبحانه وتعالى فأرسل الله جل وعلا سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس وحملوا معهم حاجتهم من الماء وكان المسلمون يجمعون بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تقديم وتأخير.
وصل الجيش الإسلامي إلى تبوك – أرض المعركة – فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فخطبهم خطبة بليغة حظهم فيها على خير الدنيا والآخرة وحذر وأنذر وبشر وأبشر ورفع معنوياتهم عالياً وجبر ما كان فيهم من النقص والخلل وقلة الزاد والمئونة.
فلما سمع الرومان بوصول الجيش الإسلامي إلى تبوك وزحفه نحوهم أخذهم الخوف وسيطر عليهم الرعب ولم يجرؤ على اللقاء والتقدم فخافوا وتفرقوا في البلاد حتى أن بعض القبائل المتنصرة التابعة للروم جاءت تصالح المسلمين خوفاً منهم وأيقنوا أن اعتمادهم على أسيادهم الروم لن يغني عنهم شيئاً وأن من مصلحتهم أن يجنحوا في الولاء لصالح المسلمين.
وهنا رجع الجيش الإسلامي إلى المدينة معززاً منصوراً لم ينل كيداً ولم يحدث بينهم وبين عدوهم قتالاً وفي أثناء الرجوع وقعت جريمة عظيمة وخطة خطيرة دبرها المنافقون لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم والفتك به حيث كانوا يتربصون به ويتحينون الفرصة ويترقبون اللحظات التي يكون فيها النبي صلى الله عليه وسلم لوحده ليس عنده أحد.
فبينما كان النبي صلى الله عليه وسلم على العقبة وليس معه غير عمار بن ياسر يقود بزمام ناقته وحذيفة بن اليمان يسوقها انتهز المنافقون الفرصة وجاءوا وهم متلثمون يريدون اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرعبهم الله وكشف خطتهم وعرفهم الرسول صلى الله عليه وسلم وسمى لحذيفة أسمائهم وأنزل الله فيهم ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾.
رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن غاب عنها خمسين يوماً منها عشرون يوماً قضاها في تبوك نفسها فلما وصلوا استقبلهم المسلمون في المدينة استقبالاً حافلاً وفرحوا بقدومهم ورجوعهم وخرج الأطفال والنساء يرحبون بهم بحفاوة بالغة فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم معالم المدينة من بعيد قال: "هذه طابة، وهذا أحد، جبل يحبنا ونحبه".
وفي الطريق تذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه الذين لم يستطيعوا اللحاق معهم فقال للصحابة: "إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر"، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة.
هكذا كانت غزوة تبوك لم يحدث فيها حرب ولا قتال وإنما كانت حرباً نفسية كشفت المنافقين وأظهرت زيفهم ونفاقهم وظهرت بلبلتهم وانكشف إرجافهم وخبثهم وعلم المسلمون خورهم وجبنهم وأنهم يعملون فقط لهدم الدين ومحاربة المؤمنين وشق عصى المسلمين حتى أنهم استغلوا فرصة غياب النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة فبنوا لهم مسجداً داخل المدينة متعللين أنهم بنوه لتسهيل الصلاة على ضعفاء المسلمين وتقريب المسافة لهم وفي الحقيقة كانوا يريدون شق الصف وجعله وكراً ومقراً للدسائس والمؤامرات.
فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم من الغزوة طلبوا منه الصلاة فيه فأنزل الله ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ ﴿ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ فقام النبي صلى الله عليه وسلم بهدم هذا المسجد وإحراقه بالنار.

اكتب تعليق

أحدث أقدم