رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن قيادة البشرية

بقلم \  المفكر العربى الدكتور خالد محمود  عبد القوي عبد اللطيف 
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى 
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
 مما لاشك فيه أن للرسالة أهمية رئيسة في نشأة الأمم وتكوينها ومصيرها، فالرسالة هي التي تقرر مكانة الأمة بين الأمم على مستوى البشرية، والعطاء الحضاري الذي تقدمه الأمة للأمم الأخرى هو الضامن لبقائها واستمرارها ذلك أن الأمة التي تتوقف عن العطاء تبدأ في الأخذ، والأخذ الذي لا يرافقه عطاء متبادل سبب من أسباب الذوبان وفناء الأمم ولكنه فناء بطيء، لا يراه إلا العارفون بقوانين الاجتماع البشري وسنن التاريخ، لأنه يتم على مراحل تستغرق كل مرحلة منها جيلين أو ثلاثة:
• ففي المرحلة الأولى، تأخذ الأمة الأشياء المادية كالمنتجات الصناعية والحربية.
• وفي المرحلة الثانية، تأخذ الأمة العادات المادية، كأشكال اللباس والأثاث وأشكال الطعام.
• وفي المرحلة الثالثة، تأخذ الأمة المظاهر الثقافية، كاللغات ونظم الإدارة، والنظم الدبلوماسية والعلاقات الاجتماعية والفنون وأشكال الترويح.
• وفي المرحلة الرابعة، تأخذ الأمة القيم والمقاييس الاجتماعية والأخلاقية.
• وفي المرحلة الخامسة، تأخذ الأمة العقائد، وعند هذه المرحلة تنهار جميع الحواجز ويبدأ الذوبان الكامل.
والأمم التي تعي قوانين هذا الذوبان تحاول أن تتجنبه من خلال تحديد دورها في العطاء الحضاري، واستئناف العطاء، ليتوفر لها البقاء والتميز في الداخل، والاحترام في الخارج، ومن ذلك ما لجأت إليه اليابان من خلال تصدير فلسفة زن zen ورياضة الجودو والكاراتيه، وصبغ الصناعة اليابانية بأشكال الفن الياباني، ومن خلال المحافظة على القيمة والتقاليد اليابانية، بما فيها خروج مجلس الوزراء إلى المعبد الرئيسي للبوذية، لتقديم اليمين الدستورية»[1][2]!!.
وإذاً فإن استمرار الأمة - أية أمة - في الحياة مرهون باستمرار حملها لرسالتها، وما يتفرع عن هذه الرسالة من تطبيقات في مجالات الحياة المختلفة «فإذا ضعفت عن حمل الرسالة، أو توقفت فاعليتها، أو تقلصت تطبيقاتها، انتهى وجود الأمة، وحل محلها أمة أخرى، لا علاقة لها بسابقتها، وإن ربطتها بها روابط الدم والأرض واللغة والثقافة.. وهذا ما فهمه كبار الصحابة الذين عايشوا بدء الرسالة وتطبيقاتها من قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110].
ولقد كان الخليفة عمر حريصًا على تأكيد هذا الفهم والتصور عن الأمة المسلمة حين قال في شرح الآية: «لو شاء الله لقال: أنتم، فكنا كلنا، ولكن قال: (كنتم) في خاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن صنع صنيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وفي حجة حجها قرأ الآية ثم قال: يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأيام فليؤد شرط الله فيها»[3].
لقد كُلفت الأمة الإسلامية برسالة عظيمة عبر عنها القرآن بقوله سبحانه: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾.
«فمحتويات الرسالة الإسلامية تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
1- الإيمان بالله، ومحوره الإيمان بقدرته وهيمنته، وأنه المالك المتصرف بالوجود كله. وثمرة هذا الإيمان تحرر الإنسان من طغيان الآلهة المدعاة، وإطلاق قدراته العقلية والنفسية والجسدية لاستعمالها في تسخير الكون دون عائق من رهبة أو رغبة.
2- الأمر بالمعروف، ومحوره الدعوة إلى التوافق مع سنن الله وأقداره وقوانينه في الوجود القائم لأن في هذا التوافق بقاء الإنسان ورقيه.
3- النهي عن المنكر، ومحوره التحذير من الاصطدام بسنن الله وأقداره وقوانينه في الوجود القائم لأن في هذا الاصطدام تدمير لبقاء الإنسان وسقوطه في الدنيا والآخرة.
وهذه العناصر الثلاثة الرئيسة التي تتكون منها الرسالة متضمنة في قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾... والمعرف الذي تشير إليه الآية، اسم جامع لكل ما ينفع الجنس البشري ويرتقى بسلوكه والعلاقات المتبادلة بين أفراده. والمنكر الذي تشير إليه الآية هو كل ما يضر الجنس البشري ويصطدم مع سنن الله وقوانينه في الخلق»[4].
ولا شك أن البشرية في أشد الحاجة لتلك الرسالة التي تحملها الأمة الإسلامية، وبخاصة في ظل ما يسمى بـ(النظام العالمي الجديد) القائم على الطغيان، والذي يسعى المترفون في ظله للانفراد بمصادر العيش، وحرق أيتام المستضعفين في أتون الحروب الإقليمية المفتعلة..
لقد أصبح العالم يعيش أزمات حادة تحولت إلى أمراض مزمنة في جسد البشرية، وفشلت كل الجهود في استئصالها..
ولقد جاء دور الأمة الإسلامية التي تمثل الصوت الذي ينادي البشرية إلى الخير، ويدعوها إلى الكف عن جميع الشرور.. ولكن الأمة الإسلامية لا تستطيع أن تقوم بدورها وتؤدي وظيفتها إلا بالجهاد، وذلك أن الناس لا يأخذون الحكمة ولا يقبلون النصيحة من الضعفاء العاجزين..
إن الرسالة التي تحملها الأمة الإسلامية لن تصل إلى البشرية على حقيقتها، طالما أن «قوى الشر ممكنة في الأرض، تشكل - بثقل واقعها - عائقًا نفسيًا يعوق النفوس - كثيرًا من النفوس - عن تقبل كلمة الحق، أو تشكل - بثقل واقعها كذلك - عامل تشويه يجعل العين ترى الخط المستقيم كأنه منحرف، بينما يبدو الخط المنحرف في نظرها كأنه مستقيم.. وذلك على فرض أنها لم تتدخل - أي تدخل من أي نوع - لمنع الناسم من الاستماع إلى كلمة الحق.. لذلك أوجب الله الجهاد لإزالة العائق الذي يحول بين الناس وبين رؤية الحق على حقيقته، فيمنعهم بالتالي من اتباعه»[5].
إنه لا بديل للأمة الإسلامية من الجهاد لدفع شرور البشرية، وإلا فسدت الأرض. ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ﴾ [البقرة: 251] ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ [الأنفال: 39].
فالجهاد هو الرادع للعقل الغربي الذي لم يتخل بعد، وقد لا يتخلى حتى قيام الساعة عن حب العدوان والسيطرة، لاستعباد الآخرين، ونهب مقدراتهم وإشاعة التخلف في حياتهم.
والجهاد هو الرادع للعقل الغربي الذي يعتبر القتال أداة حيوية من أدوات الصراع، وينظر إليه على أنه ضرورة بيولوجية لبتر العناصر الضعيفة لصالح العناصر القوية!!.
والجهاد هو الرادع لمضاعفات هذه العقلية الغربية في الفتنة والفساد الكبير.
ولقد بلور ربعي بن عامر رضي الله عنه رسالة الجهاد في الإسلام في كلمات يشع منها النور، وذلك حين سأله رستم قائد الفرس: ما الذي جاء بكم؟ فأجابه للتو واللحظة: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة..
وإذن فالمحور الذي تدور حوله حركة الجهاد في الإسلام هو الارتفاع بالإنسان إلى المستوى الإنساني الكريم بتحريره من كل سلطان غير سلطان الله، ومن ثم ترقية البشرية كلها في كل الميادين المتاحة، وتوفير الأمن الفكري والمادي لبقاء النوع البشرية ورقيه..
«إن الأمة الإسلامية هي أمة جهاد، وأمة دعوة، فهذه هي وظيفتها الأولى، فإذا تخلت عن شيء من هذه الوظيفة نقصت قيمتها بقدر ذلك. فالتميز والأفضلية للأمة هو بسبب القيام الكامل بالوظيفة الأساسية وهي الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى شريعته»[6].
ولكي تستطيع الأمة الإسلامية القيام بوظيفتها الأساسية.. من الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى شريعته، فإنه لا بد لها من اجتياز الهوة (التكنولوجية) بينها وبين الأمم المتقدمة، ووسيلتها إلى ذلك هي توظيف الفعاليات الإسلامية لاستيعاب العلوم التكنولوجية، واكتساب الخبرة في جميع مجالاتها، وذلك تمهيدًا لإقامة المجتمع الإسلامي التكنولوجي القادر على حل المشكلات المزمنة للأمة الإسلامية، والتي تحبسها عن الانطلاق الحضاري، والعودة إلى قيادة البشرية من جديد..
إن الأمة الإسلامية حين تتناول العلوم التكنولوجية بعزة إسلامية، تكون قد بدأت أول خطواتها العملية على طريق نزع الريادة والقيادة من يد الغرب.. وبدء القيادة الإسلامية من جديد..
إن المسلمين إذ يفعلون ذلك، إنما يتناولون بضاعتهم التي ينبغي أن تُرد إليهم لأنهم أهلها.. أهلها لا بأشخاصهم ولا بجنسياتهم، وإنما بما يحملونه من عقيدة وتصور إيماني فريد، وبما في قلوبهم وأيديهم من منهج يمتلك القدرة على ترشيد (التكنولوجيا) وتوجيه دفتها من الجفاف إلى الخضرة، ومن البطون والشهوات، إلى الأفئدة والعقول، ومن الطين والأرض إلى السماء..
إن المسلمين يأخذون العلم والتقدم المادي والتكنولوجي.. ولكنهم يستخدمون ذلك كله في إقامة العدل الرباني كما يريده الله، وفي إقامة الحياة على قاعدة أخلاقية في السياسة والاقتصاد وعلاقات المجتمع وعلاقات الأسرة.
«إن الإسلام لا يتنكر للإبداع المادي في الأرض. لأنه يعده من وظيفة الإنسان الأولى منذ أن عهد الله إليه بالخلافة في الأرض. ويعتبره - تحت شروط خاصة - عبادة لله وتحقيقًا لغاية الوجود الإنساني.
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ [البقرة: 30].
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56].
وإذن فليس هناك مبرر أن يقعد المسلمون عن الإبداع المادي، والإسهام في دفع عجلة الحضارة.. بل لابد لهم أن يكونوا على مستوى مسؤوليتهم من تحقيق العبودية لله تعالى بإقامة الخلافة على الأرض بمعناه الكامل.
فإذا قام المسلمون بمسؤوليتهم، وحملوا رسالة الأمة الإسلامية في الجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى شريعته.. فقد حققوا ما أراده الله بإخراج هذه الأمة ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110] ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ وعندها سيُخرج الله بهم من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
وبكلمة:
لقد أصبح العالم يعيش أزمات حادة تحولت إلى أمراض مزمنة في جسد البشرية، وفشلت كل الجهود في استئصالها.. ولأن الأمة الإسلامية هي التي تمثل الصوت الذي ينادي البشرية إلى الخير، ويدعوها إلى الكف عن جميع الشرور ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾.. ولذلك، فهي الجديرة بأن تكون المحور[7] الذي يتحرك من حوله العالم كله، والقيادة التي تتابعها البشرية جمعاء.. ولا يمكن أن يتم ذلك في واقع البشرية اليوم إلا بالجهاد، لأن القوى الجاهلية لن تسمح للأمة الإسلامية أن تمارس هذه القيادة إلا أن تخوض جهادًا شاقًا، يتقرر بعده البقاء للأصلح، لا بالمعنى الدارويني الفاسد، ولكن بالمعنى الرباني المقرر في كتاب الله:
﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ [الأنبياء: 105].
﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ [الرعد: 17].
________________________________________
[1] إذا كان هذا هو حرص اليابان على تراثها، وهو (وثني) .. فما بالك بالميراث الرباني للأمة الإسلامية؟ هل يجوز أن يكون حملته تابعين للآخرين؟. 
[2] إخراج الأمة المسلمة - د. ماجد عرسان الكيلاني ص 59، 60.
[3] المصدر السابق ص 21.
[4] المصدر السابق ص 58، 59.
[5] الجهاد الأفغاني ودلالاته - محمد قطب ص 18. 
[6] منهج كتابة التاريخ الإسلامي - محمد بن صامل السلمي ص 215.
[7] معالم في الطريق - سيد قطب ص 7.

اكتب تعليق

أحدث أقدم