رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن قصة قوم شعيب عليه السلام

بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود  عبد القوي عبد اللطيف 
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
قال الله تعالى يحكي عن قوم شعيب مثلاً في الشرك وإنقاص الكيلِ والميزان: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ * قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ [هود: 84 - 87]، فهذه الآياتُ تحكي خبَر شعيب عليه السلام مع قومه الذين سكنوا مَدْين في شمال جزيرة العرب، وشعيب عليه السلام يسمَّى خطيب الأنبياء؛ لحُسْن مراجعته لقومه، وهو منهم، فقد وجَدهم أهل شرك وتطفيف للكيل والميزان، فأمَرهم بالأهم أولاً: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [هود: 84]، وهذا الأصلُ كما رأينا؛ حيث لا ينفعُ عمل دون إيمان بالله؛ فتصحيحُ العقيدة أولاً، فإذا صحَّت انبنى عليها كلُّ خير، بل وتوجَّه صاحب الإيمان من تلقاء نفسِه للخير؛ وذلك بإلهامٍ من إيمانه الصافي القوي، فلا يقبل قلبُه إلا خيرًا، ويضيق به إن همَّ بالشر، فلو نجح شعيبٌ في إدخال الإيمان إلى قلوبِ قومِه، لكان الأمر الثاني هيِّنًا، لكنهم رفضوا الأمرين معًا بعناد وإصرار، وأراد في الأمر الثاني - وهو نهيُهم عن تطفيف الكيل والميزان وسرقةِ أموال الناس بغير حق - أن يتدرجَ في النصيحة، وأن تكون من واقعهم؛ حيث لم يكتفِ أن يقول: هذا حرام لا يرضاه الله، بل قال لهم: ﴿ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ [هود: 84]؛ أي: إن لكم أموالاً كثيرة، فهذا التطفيفُ لا يزيدها كما تتوقعون، فأنتم في خيرٍ ونعمة، فلا تفعلوا هذا فتحلَّ بكم النِّقمة من أجلِ هذا القليل؛ لأنه أخذ بغير حق، ماذا ينقصكم؟ المال عندكم، والمنازل عندكم، فكُفُّوا عن هذا العمل، وبعد أن بَرْهَن لهم بمثَلٍ من واقعهم ومِن معايشتهم، ذكَر لهم أن هذا الأمرَ الذي أنتم عليه يُغضِب الله فقال: ﴿ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴾ [هود: 84]، فانتقل بهم من الإنكارِ الحسي الملموس المعاش إلى التخويف بأمرٍ غيبيٍّ يأتيهم من الله خالِقِهم الذي لا يُرضيه ما يفعَلون، ثم بعد أن شنَّع عليهم فعلهم: ﴿ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ﴾ [هود: 84]، أعطاهم الحل: ﴿ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ﴾ [هود: 85]؛ فالرِّضا والسعادة تكون بتوفيةِ المكيال والميزان بالعدلِ، لا بالبَخْس والتطفيف، لو فعلتم هذا عن إيمان لشعَرْتُم بالحلاوة والسعادة، فافعَلوا وجرِّبوا، وإياكم أن تكونوا مفسدين في الأرضِ؛ لأن اللهَ تعالى لا يقرُّ المفسد؛ فهي أرضُ إعمار وإصلاح؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30].
فاللهُ سبحانه استخلَف الإنسان للإعمار والإصلاحِ ولعبادته بالطبعِ؛ ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، وإلا فلماذا أهلك الأُمَم المفسدة الضَّالة؟
ثم انتَقَل شُعَيب إلى المجادلة بالحق، وإظهار إفلاسهم، مهما كسَبوا من هذا الفعل القبيح، وأنهم إن عادوا إلى الصوابِ وآمَنوا واعتمدوا على الله الوهَّاب الذي بيدِه مقاليدُ كل شيء، لربِحوا وفازوا؛ قال الله تعالى: ﴿ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [هود: 86]، فما يُبقيه اللهُ لكم في الحلال هو أكثرُ بركة وبقاءً وخيرًا مما تأخذونه بالغش والحرام، فاسمَعوا نُصحي لكم، فأنا أخوكم، أخاف عليكم، وليس مِن سبيلٍ إلا النُّصح والتذكير، فإذا جاء العذابُ والغضب، فليس لي قدرةٌ على تخليصكم منه؛ فأنا مرسَل ناصح، أُبيِّن لكم سبيل الرشاد؛ لذلك قال: ﴿ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ [هود: 86]، فما كان منهم بعد هذا البيان الرائع والتذكير المؤثِّر إلا أن صَدُّوا وأصَروا على ما هم فيه؛ لأن قلوبَهم أقسى من الحجارة، لا يعمَلُ فيها وعظٌ ولا تأثير، فقالوا له مستهزئين به مقلِّلين من شأنه: ﴿ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ [هود: 87]، وهنا أصرُّوا على الكفر، واتِّباع طريقة من سبقهم في الكفر؛ ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 23]، فأصرُّوا على الكفر، كما أصرُّوا على التطفيف، وعدُّوا نُصحه في توفية الكيلِ والميزان حقَّهما تدخُّلاً في حريةِ تصرُّفهم؛ فهذه أموالُهم يفعلون بها ما يشاؤون بزعمِهم، فهم أحرار بها، ولم يعلَموا أن الله استودعهم إياها لأخذها بحقٍّ، وصرفها بحق؛ قال الله تعالى: ﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ [النور: 33]، وقال تعالى على لسان موسى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ [يونس: 88].
إذًا هو مال الله، وديعةٌ في أيدي الناس، سيُسأل الإنسانُ عنه؛ من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفَقه؟ فلا يستطيعُ أن يفعل به ما يشاء، كما هي طريقة قوم شُعَيب عليه السلام، ثم قالوا له: ﴿ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ [هود: 87]، وهذا نوعٌ من التهكم والسخرية به، بمعنى أننا كلنا على الباطل، وداخلون في الغواية، وإنك أنت وحدك الحليمُ والرشيد فينا، ألا ترى أن انفرادَكَ عنا بهذا الرأي يجعَلُك وحدك المخطئَ المخالف لآراء الأغلبية، وقد سمِع الأنبياءُ صلوات الله عليهم كثيرًا من مِثل هذه السخرية، وهذا الموقف من أقوامِهم ضده يُظهِر لنا أن الأغلبيةَ الجاهلية لا تكون على حق، وأن الرأيَ الواحد الراشد يكون على الحق، وإن خالَف الأغلبية، فكم أُقِرَّت في هذا العصر قوانين جائرة باسم الأغلبية؟! وكم اختير من رؤساء وهناك من هو خير منهم بكثير باسم الأغلبية؟! ثم إن شُعيبًا يأخذهم باللِّين والبرهان الساطع ليبين لهم أن الأغلبيةَ ضالَّة لم تهتدِ بعد، وما تراه وهي في عمايتها لا يمثل الحقيقة، فقال لهم: ﴿ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ [هود: 88]، أعلمهم أنه لا ينطِقُ عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى؛ فهو يخبِرُهم ويبلغهم رسالة الله؛ لذلك كان أرشَدَهم، وكان الحليم فيهم، فما يقول إلا عن بيِّنة من أمره، يقول لهم: هذا كله من رِزق الله لي، ورحمتِه بي؛ حيث خصَّني عنكم بالنبوة والحِكمة والعِلم، بهذا جعلني أميز، وبهذا جعَلني أنهاكم عما تعملون، ثم قال لهم: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ [هود: 88]، فهل تظنون أنَّني إنما أنهاكم عن التطفيفِ في المكيال والميزان لأبادر أنا بفِعله دونكم؟ لا، إن هذا ليس من سماتِ الأنبياء، هذا من صفات الدجَّالين الذين ينهَوْن عن المنكر، ثم يفعلونه هم؛ فعند البخاريِّ عن أسامة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيُلقى في النار، فتندَلِق أقتابُ بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرَّحى، فيجتمع إليه أهلُ النار، فيقولون: يا فلانُ، ما لك؟ ألم تكن تأمُر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى كنتُ آمُرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه))[1]، والأقتاب: هي الأمعاءُ.
لذلك، مَعاذ الله أن يأمرَ شُعَيب قومه بالكفِّ عن التطفيف، ثم يفعله، لكن ضيق أُفُق قومه، وما جُبِلوا عليه من الشر، جعَلهم يظنون أن شعيبًا يأمرهم بالكف عن التطفيف؛ ليخلوَ له السبيل وحده، فيفعل ما نهاهم عنه، فبرهن لهم أنه إنما نهاهم عن ذلك؛ لخوفِه عليهم من عذاب الله فقال: ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88]، ثم صبَر عليهم أكثر بعد الاستهزاء به والتُّهم الباطلة التي ألصقوها به، فخوَّفهم مما حصل للأقوامِ الذين سبَقوهم في الضلال؛ ﴿ وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ ﴾ [هود: 89]؛ أي: لا يحملنَّكم ما حصل بيني وبينكم من خلافٍ ونزاع وعداوةٍ أن ينسيَكم هذا ما حصَل للأقوام الضالَّة قبلكم، فأحذِّرُكم للمرة الأخيرة، كي تعودوا لرُشدكم، وتفكروا بعقولكم؛ لتتبينوا المصيرَ الذي ينتظركم إن بقِيتم على منكراتكم، لقد كذَّبتموني واجتمعتم على خلافي، واتَّحدتم ضدي، فلا تظنوا أن باطلَكم قد انتصر على حقي، ولا تفرَحوا بهذا، فيُعمِيَكم فرحكم عن النتيجة النهائية التي لم تأتِ بعدُ، اذكروا مَن كان قبلكم، وكيف عاندوا أنبياءَهم، ثم اذكروا ماذا كانت النتيجة؟ فلولا حُبِّي لكم، وشفقتي عليكم، لَمَا أطلتُ نُصحكم، إني أخشى عليكم مِن عذاب محيط، وقد أعذرتُ أمام الله أنني ما رأيتُ بابًا للنُّصح إلا سلكتُه معكم، ولكن لم ترعَوُوا، فشأنكم وما أنتم عليه، فلقد سبقكم قومُ نوحٍ فأغرقهم الله، وقوم هود أخذتهم الريح، وقوم صالح أخذتهم الصَّيحة، وهؤلاء جيرانكم قومُ لوط، انظروا ما فعَل الله بهم؛ دمَّرهم، وخسف بهم الأرض، وأمطَر عليهم حجارةً من سجيل، ألا وإن بابَ التوبة مفتوح؛ ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴾ [هود: 90]، لكنهم عادُوا للاستهزاء والسخرية، وتصنَّعوا قلَّة الفهم، وأنه يكلِّمهم بكلام لا يفقهونه فقالوا: ﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ [هود: 91].
وهكذا بعد أن أفلَسوا من الجدال الفكري، ولم يستطيعوا مقارعةَ الحُجة بالحجة، لجؤوا إلى القوة والتهديد، وهو دأب كلِّ مفلس فكريًّا؛ فهددوه بالرَّجم، لكن رحمة الأنبياء التي فُطِروا عليها، جعَلت شُعيبًا لا يمل ولا ييئس مِن هدايتهم، فخاطَبهم برقته المعهودة، وأنهم ما زالوا قومَه، فقال لهم: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [هود: 92]، أنتم لَم ترجموني مخافة عشيرتي وأقربائي، أو لأجلهم واحترامًا لهم؛ لأنهم على دِينكم، فجعلتم لهم هذه المكانة، فيا ليتكم فعلتم هذا مِن أجل الله الذي أرسَلني إليكم، أرهطي هؤلاء أعزُّ عندكم من الله؟ إذًا أنتم ما زلتم تجهلون، تنظرون إلى القوةِ المادية التي أمامكم فتخافون منها، وتحسبون لها حسابًا، ولا تحسبون حسابًا لقوةِ الله التي تدمِّرُكم كما دمرت مَن سبقكم من أمم الضلال، ولما أعذر في هدايتهم إلى الطريق المستقيم، وسلَك معهم كلَّ السبل الداعية إلى الحق عند ذلك، قال لهم بلُغَة التهديد والوعيد: ﴿ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾ [هود: 93]؛ أي: إنكم ما زلتم تصرون على الكفر والتطفيف، فابقَوْا على ما أنتم عليه معاندينَ، كما أني متمسِّك بما دعوتُكم إليه، وسأبقى على مبدئي أيضًا، فلا تظنُّوا أنكم بإصرارِكم على موقفكم وعنادِكم وكفركم أني سأتغيَّر أو أغيِّر موقفي ودعوتي من أجلِكم، لا، بل ابقَوْا أنتم على موقفكم الضالِّ، وسأبقى أنا على موقفي الداعي إلى الله، وانتظروا، وسأنتظر أنا أيضًا لنرى عاقبةَ هذا الأمر، ولسوف ترَوْنَ الحق من الباطل، وترَوْن عاقبةَ إصراركم على موقفكم المُخزي، وما سيحلُّ بكم من دمار؛ قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ [هود: 94، 95].
وهكذا كان تدميرُهم بالصيحة، وما أدراك ما مقدار هذه الصَّيْحة؟ إنها شيء شديد الانفجار، يدمِّر كل شيء، ويُحدِث هِزَّة وزلزلة عظيمة، فأصبحوا بعدها جاثمين ميتين، وأصبحت مدينُ بعد هذا دارَ خراب، كأن لم يكن فيها أحدٌ من قبل، عادت بلقعًا خربًا، تسفيها الرمال، وتصفر فيها الرياح، فلو نظر شخصٌ إلى مكانها لقال: لم يكن ههنا حياة من قبلُ، ألا بُعدًا لها من بلدة مغضوب عليها، استحقت عذاب الله، كما أُبعِدت وطردت من قبلها ثمودُ، فهما مكانَا مقتٍ وغضب ما يزال ساريًا إلى يوم الدِّين؛ فعن ابن عمر قال: نزَل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوكَ الحِجْر[2]، عند بيوت ثمودَ، فاستقى الناسُ من الآبار التي كانت تشرب منها ثمودُ، فعجنوا ونصبوا القدور باللحم، فأمَرهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور، وعلَفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزَل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقةُ، ونهاهم أن يدخلوا على القومِ الذين عُذِّبوا فقال: ((إني أخشى أن يصيبَكم ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم))[3]، وفي رواية أخرى أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصيبَكم مِثلُ ما أصابهم))؛ رواه البخاري، وهذا يدل على نَبذِهم حتى قيام الساعة.
________________________________________
[1] جامع الأصول 2654.
[2]الحِجر: بلاد ثمود، واسمها الآن: مدائن صالح، وكانت غزوة تبوك سنة 9 هجرية.
[3] رواه أحمد.

اكتب تعليق

أحدث أقدم