رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن شهادة الحق

بقلم \  المفكرالعربى الدكتور  خالد محمود عبد القوي  عبد اللطيف 
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
مما لاشك فيه أن مِن أمانة الكلمة شَهادة الحق، وهو الموضوعُ الأساس للوصية الثامنة؛ ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ [الأنعام: 152]؛ فالشَّهادةُ يجب أن تكونَ شهادةَ حق وعدل؛ لكي تضمن الحقوق؛ فإن التغييرَ في الشَّهادة يؤدي إلى التغيير في الحُكْم، وبالتالي ضياع الحقوق، والله تعالى أمَر بأداء الحقوق؛ ففي القضاء بين المتخاصِمَيْنِ قال عليه الصلاة والسلام: ((إنما أنا بشَرٌ، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضَكم أن يكونَ ألحنَ بحجته من بعض، فأقضي له على نحوِ ما أسمعُ، فمن قضيتُ له بحقِّ أخيه، فإنما أقطعُ له قطعةً من النار))؛ أخرجه الشيخانِ[1].
فهذا إذا كان أحدُ المتخاصمَيْنِ أفصحَ من الآخَر، وأبلَغَ في الكلام، فإنه قد يغيِّرُ منطوقَ الحُكْم، وللقاضي ما يسمع؛ لأنه لم يشاهدِ الواقعةَ، وإنما له الدلائلُ والقرائن، فكيف بالشهودِ إن غيَّروا وبدَّلوا فيما شاهدوا؟!
قال الله تعالى: ﴿ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 181]، فيتحمَّل الشاهدُ إثمَ ما يبدِّلُ من الشهادة، وكل حُكْم يقع نتيجةَ هذه الشهادة، وقال أيضًا: ﴿ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 283]، والكتمان يكون إما بإخفائها، فلا يشهد، فيضيع الحقُّ، أو بإخفاء بعض الحقائق التي توصل إلى الحقِّ، فيضيع الحقُّ بسبب هذا الكتمان، وعلى كلتا الحالتينِ، فإن كاتِمَ الشهادةِ هو المسؤول والآثِمُ بما فعل، والإثم هنا بمعنى الخطيئة، فجعَلها الله سبحانه وتعالى متعلِّقةً بأهمِّ شيءٍ في الإنسان، وهو القلبُ، والقلب إذا مُلِئَ بالخطايا اسوَدَّ وغلَّفه الرَّانُ، فعند ذلك يفقد الإحساس ويموت، لا موتَ حركة، وإنما موت حسٍّ وإدراك، فيصبح صاحبُه فظًّا غليظًا لا يميِّز بين الخيرِ والشر.
والظلم درجاتٌ، وأشدُّه كتمان الشهادة إذا عرَفها؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 140]، وقيل: إنها نزَلَت في أهل الكتاب الذين كتَموا صفاتِ النبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن اللهَ تعالى أطلَعهم عليها، وختَم الله سبحانه الآيةَ بالتهديد لهؤلاء ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 140]، بأنه لن يتركَ عقوبتَهم لهذا الظُّلم البالغ الأثر، وقد أمَر الله سبحانه أن تكونَ الشهادةُ بالقِسط والعدل، حتى وإن كانت ستؤثِّرُ على القرابة مهما كانت درجتهم؛ لأن شهادةَ الحق هي المقدمة، ولا تتعارضُ مع العقوق، فمن البِرِّ قولُ الحق، وإن كان هذا سيؤثِّر على الوالدينِ؛ لأن أداءَ الحق الذي عليهما في الدنيا خيرٌ من أن يبقى، فيؤدِّياه في الآخرة، فكان من البِرِّ أن يشهَدَ الولد ليخلِّصَ أبَوَيْه من حقوق الآخرة؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: 135]، فأمَر الله سبحانه بأداءِ شهادة الحق مهما كانت نتائجها، ونهى عن اتِّباع الهوى في الشَّهادة، وحذَّر من العدول عن الحقِّ، أو الميلِ عنه، أو الإعراض الذي يؤدي إلى تغييرِ الشَّهادة أو ضياعِ الحقوق؛ لأن اللهَ خبيرٌ بما نعمل.
وعلى المسلِمِ أن يأتيَ مِن نفسه للإدلاء بالشهادة، خصوصًا إذا احتيج إلى شهادتِه؛ فعند مسلِم عن زيدِ بن خالد أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أخبِرُكم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشَهادتِه قبل أن يُسأَلَها))[2]، وفي رواية مالك: ((هو الذي يخبِرُ بالشَّهادة التي لا يعلَمُ بها الذي هي له، فيأتي بها الإمام فيقضي له بها)).
وكما أمَر الله سبحانه وتعالى بالقِسط في الشهادة، وقولِ الحق ولو على النَّفس أو الوالدينِ أو الأقربين، فكذلك أرادها أن تكونَ بالعدلِ والحق أيضًا، وإن كانت بين الرجلِ وأعدائه، فلا يجب أن تُغيَّر أو تُكتَم، وإنما تؤدَّى على وجهها الحقِّ.
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: 8].
ومعنى: ﴿ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ [المائدة: 8]: أي لا يحمِلَنَّكم بُغضُهم أو عداوتُهم على الظلمِ، وتركِ شَهادة الحقِّ.
وإنما عليكم رغم ذلك أن تسلُكوا طريقَ الحق والعدل معهم، وهذا العملُ هو الذي يُقرِّبُكم مِن التقوى، أو الذي يَقِيكم من النَّارِ.
________________________________________
[1] جامع الأصول 7677.
[2] جامع الأصول 7700.

اكتب تعليق

أحدث أقدم