رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الأمومة وظاهرة العنف



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
يعتبر العنف ظاهرةً جديرة بالبحث والدراسة، لا سيما في مجال السلوك الإنساني؛ وذلك لأن العنف يعتبر استثناءً لقاعدة أساسيَّة تَحكُم وتوجِّه ذلك السلوكَ، ومؤداها أن العقلانية والرحمة، والتفاهم والتواد تُعَدُّ قيمًا حاكمةً لسلوك الأفراد؛ فهي تعتبر مكونات أساسية لهيمنة العقل على السلوك، وهو أبرز ما يميِّز سلوكَ الإنسان عن السلوك الحيواني، الذي يتميز بكونه استجاباتٍ آليةً لدوافعَ وحاجاتٍ غريزيةٍ تبحث عن الإشباع.
العقبات تولِّد العنف:
وقد ساهمَتِ الكثيرُ من ظروف المجتمع الحديثِ في خلق العديد من العقبات، التي اعترضتْ تلقائيةَ السلوك البشري، فكان العنف في هذا السلوك دليلاً ومؤشرًا على نواحي الصراع العديدة التي تفرزه، حيث مثَّل العنف بذلك ظاهرةً، توافر العديدُ من الباحثين على دراستها؛ لما تهدد به في نهاية الأمر، بما يسمى بحرب الكل ضد الكل.
العنف وعلاقته بالأمومة:
فخلال الحقبتَينِ الماضيتَينِ تناولَتِ العديدُ من الدراسات السيكولوجية والتربوية ظاهرةَ العنف لدى الأفراد، وعلاقتها بقيمة الأمومة، وذلك بعد أن كشفتْ بحوث كثيرة أجريت في مجال السلوك الحيواني عن تولُّدِ العنف؛ نتيجة لاضطرابات في العلاقة مع الأم.
فقد أكدت الدارسات التي أجراها كلٌّ مِن هاري ومارجريت كوين (Harry Margaret Kuenne) عام 1950، ومن خلال أدلة بحثية تجريبية: "أن النمو السويَّ الأوليَّ للمخ هو المفتاح لفَهْم بعض أشكال العنف؛ فالقرود التي تعرَّضت لفترات انعزال أطول، وتعرَّضت للحرمان من مصاحبة الأم - تولَّد لديها عدوانيةٌ تجاه الذات، وهي ما ظهرت في قضمها لأجزاء من أطرافها... ثم تحوَّلت تلك العدوانية إلى عداء للآخرين، بلغ درجة شرسة"[1].
الحرمان من الحنان:
ومن هنا يتضح دور الأمومة في درجة السوية التي تتشبع بها استجابات الطفل؛ ولعل ذلك لأنها مصدر الكثير من احتياجات الطفل الفيزيقية والنفسية، والتواصل الدائم لتلبية تلك الاحتياجات هو مصدر الحنان الذي يبحث عنه الطفل بصورة طبيعية، ونقيض ذلك - وهو الحرمان من الأمومة، وفقدان الكثير من جوانب ذلك الحنان - إنما يؤدِّي إلى تولُّد أشكال العنف منذ سن مبكرة، تظهر واضحةً في ردود فعل الطفل تجاه الأشياء المحيطة به.
"إن حمْلَ الأطفال والحنوَّ النفسي عليهم أصبح من أهم العوامل المسؤولة عن النمو العقلي والاجتماعي السوي للأطفال... وبدون ذلك الالتحام الفيزيقي والنفسي، فإن نظام اللَّذة الخاص بالطفل، إنما يتعرض للارتباك، ويفضي الحرمانُ من ذلك إلى ميل نحو العنف"[2].
الانعزال:
وثمة عاملٌ آخرُ يتولد عنه العنفُ، ألا وهو الاضطراب في عمل ووظيفة النظام الإشاري للمخ، "فقد أوضح بريسكوت Prescott النظام الإشاري Limbic System للمخ، وكذا الدماغ Cerebellum إنما يتأثران بشدة بالانعزال، الذي ينجم عنه نقص في عملية الاستثارة الدماغية، وهو ما يؤدي إلى الاضطرابات الانفعالية، وكذا الاضطراب في نظام عمل مراكز اللذة والألم، حيث تظهر الاستجابات وردود الأفعال غير المتكافئة مع نوع وشدة المثيرات التي تستنهضها"[3].
النقص في عمل مراكز المتعة:
وإضافة إلى ما تقدَّم، فإن الاستجابة الحركية المنتظمة، والناجمة عن التمرين الدائم باللعب أو غيره - إنما تعمل على خلق تناسق بين مناطق المخ المسؤولة عن الانفعال، وتلك المسؤولية عن ضبط الحركة، كذلك وجدت علاقة أكيدة بين مدى تناسق الاستجابات الحركية والانفعالية من جهة، وبين عمل مناطق اللذة والألم في المخ من جهة أخرى.
"ويعتقد بيرسكوت أن مثل هذه النتائج إنما تشكِّل الأساس لنظرية سيكولوجية حول بدايات العنف في السلوك الإنساني، وتلك النتائج تُجمِع على أن العنف ظاهرة مرتبطة بنقص واضح في عمل مراكز المتعة؛ نتيجة اضطرابات في علاقة الطفل بخبرات أمومته المبكرة"[4].
"إن الطفل الذي حُرِم من الحركة والاحتضان، سوف يفشل في أن يُنمي مساراتٍ عصبيةً في المخ، من شأنها أن تحقق اعتدال المتعة، ومثل ذلك الطفل من المتوقَّع أن يعاني خللاً في مستوى النمو العصبي لمراكز المتعة في المخ، وبالتالي يصعب أن تَسرِيَ المتعةُ بسلاسة في مناطق المخ؛ بسبب وجود خلايا ضعيفة في مناطق الاتصال بين أجزاء المخ، وبالتالي يعاني الشخص من الاستمتاع السوي، ويظل في حالة عدم اتزان بين اللذة والألم"[5].
وترتكز النتائج السابقة في مجملها على وجود تأثير جوهري للأمومة على الالتزام الانفعالي والحركي للطفل، الأمر الذي يجعل السويةَ في سلوك الطفل مؤشرًا على مدى تشبُّعه بقيمة الأمومة، "إن التعلُّق بالأم له الأهمية القصوى، وبالتالي فهو بالنسبة للطفل الرضيع من القيم الأولية في حياته، ولقوة تلك القيمة وتأثيرها؛ فإنها تحتلُّ في ذاكرة الطفل مكانةً خاصة، بحيث تتواجد باستمرار وتتكرر في كل لحظات العمر، فتلازم الإنسان، ولا تقوى على طمس معالمها سنوات العمر، مهما طالت"[6].
تراكم القيم:
وتلك القيم إنما تشكِّل القيمةَ الأمَّ، التي تمثل المعيار الأساس لما يكون قِيَمًا شخصية للطفل في مراحل حياته التالية، ويُعَد نسق القيم الذي يكوِّنه بأسره مرتبطًا في تدرُّجه وانتظام القيم به، وفي سلبه وإيجابه، بتلك القيمة، ويُعَد العنفُ مرتبطًا ارتباطًا دالاًّ بنوعية تلك القيمة؛ أي: بسلبيتها أو بإيجابيتها؛ حيث تتشكل بناءً على ذلك اتجاهاتُ الفرد التعصبية، التي تعد سببًا أوليًّا للعنف.
"فالاتجاهات - سواء السلبية أو الإيجابية - عبارة عن انعكاس لنسق القيم الخاصة بالفرد، وبمعنى آخر: تُعَد القيم الشخصية أحدَ العوامل الرئيسة التي تجعلنا مهيَّئين لأنْ نقوم بإصدار الأحكام المسبقة Prrejudgments، التي لا توجد مبررات مناسبة لها، وهو ما يمثل جوهرَ الاتجاه التعصبي"[7].
وأخيرًا: فإن قضايا المرأة - مثل خروجها للعمل، والثقافة التربوية للمرأة - تُعَد من المحاور الأساسية، وينبغي إعادة النظر بشأنها؛ دعمًا لقيمة الأمومة، ذات الدور الكبير في تعميق سوية الطفل.
ــــــــــــــــ
[1] Restak, r: the origins of violence, new york, 1965, p: 92.
[2] Mendels, J.M. Concepts of Depression, Wiley, New York, 1970.
[3] Restak r: The Origin of violence op.cit.p:112.
[4] Thomas, W.P: Bis feed back seeks, New medical uses for concept of yoga (Clinical psychology, London, 1973, p: 17).
[5] Ibid: p.p:30,31.
[6] عواطف عبدالجليل: "المعرفة عند الطفل كقيمة تربوية اجتماعية، واقتصادية، ودينية" (القيم التربوية في ثقافة الطفل – الحلقة الدراسية الإقليمية لعام 1985)، الهيئة المصرية العام للكتاب، 1987، ص 27.
[7] معتز سيد عبدالله: "الاتجاهات التعصبية"، عالم المعرفة (الكويت)، عدد مايو 1989، ص 32.

اكتب تعليق

أحدث أقدم