رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإستنباط والإجتهاد



بقلم \ المفكر العربى الدكتورخالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الاستنباط: من نبط، وهو في اللغة بمعنى استخراج الشيء[1].
وفي الاصطلاح: يطلق الاستنباط على استخراج المعاني من النصوص[2].
وبما أننا سبق أن بينا الشرط الأول، ومكانته عند الشَّاطبي، وهو فهم مقاصد الشريعة، ولما أن كان ذلك الفهم لا يحصل إلا بالمراس في علوم الشريعة ومنابعها الأصلية - اشترط الشَّاطبي مع فهم المقاصد ما يكون سبيلًا إلى فهمها، وطريقًا إلى تحقيقها، وهو أن يكون المجتهد متمكنًا قادرًا على استنباط واستخراج الأحكام الشرعية؛ إذ ذلك السبيل لإدراك تصرفات الشارع وفهم مقاصده.
كما أنه في الوقت نفسه موضع تطبيق المقاصد الشرعية وثمرة تحصيلها؛ ولذا جاء اشتراط هذا الشرط تتميمًا وإكمالًا للشرط الأول.
وفيما يلي نبين رأي الشَّاطبي في هذا الشرط، ثم نتعرض لبعض المسائل المتعلقة بهذا الشرط.
رأي الشَّاطبي:
يرى الشَّاطبي أن التمكن من الاستنباط هو الشرط الثاني والمتمم لنيل رتبة الاجتهاد، وقيد الشَّاطبي التمكن من الاستنباط بما يوافق فهم المجتهد في مقاصد الشريعة؛ حيث قال: "والثاني: التمكُّن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها"[3].
وجعل الشَّاطبي هذا الشرط كالخادم للقصد الأول، وهو فهم المقاصد؛ لأن التمكن إنما يكون بواسطة معارفَ وعلوم يحتاج لها في أمرين:
الأول: في فهم الشريعة؛ ولذا كان كالخادم للشرط الأول.
الثاني: في استنباط الأحكام الجزئية.
ومما لا شك فيه أن ثمرة فهم المقاصد، التي هي كليات الشريعة وضوابطها العامة، إنما تظهر في تطبيقها على الجزئيات الشرعية؛ ولذا كان لا بد من ضم هذا الشرط إلى الشرط الأول؛ لأنه خادم له، ووسيلة لتحصيله، وثمرة لإدراكه[4].
ولا يظن من كلام الشَّاطبي أن هذا شرط تكميلي، بل هو شرط تأهيلي عنده، كما يفهم من كلامه، ولكن الشَّاطبي غمرته نظرته التأصيلية للشرط الأهم؛ فأغضى هذا الشرط مقابل الشرط الأول، وليس ذلك لعدم أهميته، وإنما لأهمية الشرط الأول بالنسبة إليه، ولعدم اهتمام الكثير بإبراز الشرط الأول، مع أنه هو الأهم.
ويفهم تأكيده على هذا الشرط من قوله: "إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين... ثم ذكرهما"[5].
فهو قد حصر بأداة الحصر حصول درجة الاجتهاد لمن اتصف بهذين الوصفين.
وأيضًا فإن اجتماع الشرطين هو تطبيق لنظرية المقاصد بتمامها؛ إذ إن الكليات لا تستغني عن الجزئيات، وصرح الشَّاطبي بذلك، وأكد أنه لا يمكن إدراك المقاصد على التمام إلا بذلك؛ فالجزئيات قوام الكليات[6].
ولما أن كان التمكن من الاستنباط إنما يكون بتحصيل العلوم المُعِينة على بلوغ درجة الاجتهاد، والساعون في تحصيل تلك العلوم ليسوا على درجة واحدة في تحصيلها.
ولما أن كان الأمر كذلك، حرص الشَّاطبي على تبيين درجات التمكن من تلك العلوم؛ وذلك لأن جواز الاجتهاد - بإطلاق - مرتبط بما حصَّل العالم من تلك العلوم المعينة، كما أن في إيضاح هذه الدرجات إخراجًا لمن ليس أهلًا للاجتهاد، وإن كان قد حصَّل شيئًا من تلك العلوم.
وفي نظر الشَّاطبي: أن العالم بالنسبة للعلوم الخادمة والممكِّنة من الاستنباط لا يخلو من درجات:
الدرجة الأولى: أن يكون مجتهدًا في تلك العلوم؛ فهو لا يقتصر على العلم بها، بل هو قد بلغ فيها مبلغ الاجتهاد.
وقد مثَّل له الشَّاطبي بما كان عليه مالك في علم الحديث، والشافعي في علم الأصول، وهذا الصنف لا إشكال في اجتهاده.
الدرجة الثانية: ألا يكون مجتهدًا فيها، ولكنه حافظ لها، متمكن من الاطلاع على مقاصدها.
وقد مثَّل له الشَّاطبي بالشافعي وأبي حنيفة في علم الحديث؛ ثم قال: "فكذلك أيضًا لا إشكال في صحة اجتهاده"[7].
الدرجة الثالثة: ألا يكون مجتهدًا، ولا حافظًا، ولا عارفًا، إلا أنه عالم بغاياتها، وهو محتاج إليها في مسألته التي يبحث فيها، ولا يقضي فيها إلا بمراجعة أهل الخبرة بذلك الفن، وسؤالهم ومشاورتهم.
وصاحب هذه الحالة، قال الشَّاطبي في حكم اجتهاده: "فإن تهيأ له الاجتهاد في استنباط الأحكام مع كون المجتهد في تلك المعارف كذلك، فكالثاني، وإلا فكالعدم"[8].
ومن خلال كلامه يتبين أن اجتهاد صاحب هذه الحالة لا يُقبَل إلا بشرطين:
أولهما: أن يكون ما فعله مُهَيِّئًا له، وممكِّنًا له من استنباط الأحكام الشرعية.
ثانيهما: أن يكون المجتهد في تلك المعارف كذلك.
والشرط الثاني محل إشكال؛ إذ ظاهر لفظه هنا أنه لا بد من أن يستند إلى قول مجتهد في ذلك الفن، ولا بد أن يكون هذا المجتهد متمكنًا من استنباط الأحكام الشرعية، مع أن الشَّاطبي صحَّح أن يسلِّم المجتهد من العالم بالفن الآخر دون أن يكون مجتهدًا بإطلاق؛ حيث قال: "كذلك يصح أن يسلِّم المجتهد من القارئ أن قوله تعالى: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ﴾ [المائدة: 6] بالخفض مرويٌّ على الصحة[9]، ومن المحدِّث أن الحديث الفلاني صحيح أو سقيم، ومن عالم الناسخ والمنسوخ أن قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ ﴾ [البقرة: 180] منسوخٌ بآية المواريث[10].."[11]، فظاهر مِن لفظه هنا أنه لا يشترط كون صاحب ذلك الفن متمكنًا من الاستنباط[12].
ولعل الجواب عن هذا: هو أن المراد بالمجتهد هنا ليس هو المجتهد في استنباط الأحكام الشرعية، وإنما المراد المجتهد في ذلك الفن[13]؛ فقول الشَّاطبي: "كذلك"؛ أي: مثل المجتهد في استنباط الأحكام في وصف الاجتهاد.
ويتأيَّد هذا بقول الشَّاطبي: "وإن تعلق - يعني الاجتهاد - بالمعاني من المصالح والمفاسد مجردةً عن اقتضاء النصوص لها، أو مسلمة من صاحب الاجتهاد في النصوص"[14].
فهو في كلامه هذا جوَّز الاستناد إلى المجتهد في النصوص فيما هو من مجال اجتهاده، مع أنه قد يكون غير مجتهد في المعاني والمقاصد.
ولا يبدو أن هناك مَن يخالف الشَّاطبي في هذا الشرط؛ فإن العلماء تتابعوا على اشتراطه تفصيلًا[15]، أو إجمالًا[16]، بل وصدَّره كثير منهم قائمة الشروط، وهذا ينبئ عن الاهتمام بشأنه.
نعم، لعل من الواضح مفارقتهم للشاطبي في ترتيبهم لهذا الشرط؛ فإن أكثر أهل العلم صدَّروه جملة الشروط، واعتبروه أهمها، بيد أن الشَّاطبي اعتبره وسيلة وثمرة لِما هو أهم، وهو فهم المقاصد.
والظاهر أن الأصوليين اعتنَوا بهذا الشرط، لا لذاته، وإنما لكونه مكسبًا لمقاصد الشريعة وحكمها وغاياتها، فكأن الشَّاطبي أدرك الغاية فقدَّمها وأخَّر الوسيلة، وهم قدَّموا الوسيلة؛ لكونها هي ما يمكن للمجتهد فعلُه، وفهمُ المقاصد حاصل له بعد ذلك؛ فالشَّاطبي أوفقُ من جهة القصد والغاية، وهم أوفقُ من جهة ما يتمكن منه المجتهد.
أدلة الشَّاطبي ومن وافقه:
استدل الشَّاطبي على أن التمكن من الاستنباط مما يشترط على المجتهد تحصيل أسبابه بثلاثة أدلة:
الدليل الأول: أن التمكن من الاستنباط هو محل تطبيق الشرط الأول، وهو فهم المقاصد، فلو لم نشترط هذا الشرط، وهو ثمرة للأول، لَمَا ظهرت فائدة الشرط الأول[17].
الدليل الثاني: أن هذا الشرط وسيلة لإدراك مقاصد الشريعة، ولا يمكن فهم المقاصد إلا عن طريق ما هو وسيلة لها؛ ولذا كانت أهميته من أهمية ما هو غاية له[18].
الدليل الثالث: أن في هذا الشرط اعتبارًا بالجزئيات، ومِن مقاصد الشرع: الاعتبار بالجزئيات مع الكليات؛ التي هي مقاصد الشرع؛ ذلك لأن العلم بالكلي مجهول قبل العلم بالجزئي، ولا يتضح العلم بالكلي إلا بعد استقراء الجزئيات؛ ولذا كانت مظهرة للكليات، وأيضًا أن الإعراض عن الجزئي إعراض عن الكلي؛ لأن الإعراض عن الجزئي جملةً يؤدي إلى الشك في الكلي؛ من جهة أن الإعراض عنه إنما يكون لمخالفته الكلي، أو توهم المخالفة له، وإذا خالف الكلي الجزئي مع أنه إنما يؤخذ منه، دل على أن الكلي لم يتحقق العلم به، وقد يكون خطأً؛ لاحتمال أن يتضمن ذلك الجزئي جزءًا لم يعتبر في ذلك الكلي؛ ولذا كان لزامًا أن يرجع للجزئي مع اعتبار الكلي؛ إذ بهذا محافظة لمقصود الشارع[19].
________________________________________
[1] انظر: معجم مقاييس اللغة (5/ 381).
[2] انظر: أدب القاضي (1/ 535) الحاوي (16/ 130) إعلام الموقعين (1/ 172) التعريفات (38) معجم لغة الفقهاء (64).
[3] الموافقات (5/ 42).
[4] انظر: الموافقات (5/ 43 - 44).
[5] الموافقات (5/ 41).
[6] انظر: الموافقات (3/ 174 - 175).
[7] الموافقات (5/ 44).
[8] الموافقات (5/ 44 - 45).
[9] وهي قراءة متواترة؛ قرأ بها ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وابن كثير، وأبو عمرو بن العلاء، وحمزة، وشعبة عن عاصم، عطفًا على: ﴿ رُءُوسَكُمْ ﴾ لفظًا ومعنى، وبقية القراء قرؤوا بالفتح، عطفًا على: ﴿ أَيْدِيكُمْ ﴾، وثم قراءة شاذة بالرفع أيضًا؛ انظر: التيسير في القراءات السبع (82) النشر في القراءات العشر (2/ 254) تحبير التيسير في قراءات الأئمة العشرة (106) إتحاف فضلاء البشر في قراءات الأئمة الأربع عشر (198) وانظر في ذلك وفي توجيه قراءة الخفض: زاد المسير (2/ 301) تفسير البحر المحيط (3/ 452) أحكام القرآن للجصاص (2/ 433) أضواء البيان (2/ 7).
[10] وهي قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ [النساء: 11]، وقد قال بالنسخ ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقيل: هي محكَمة، وقيل: غير ذلك؛ انظر: أحكام القرآن للجصاص (1/ 201) كتاب الناسخ والمنسوخ من القرآن الكريم للنحاس (20) الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم لهبة الله بن سلامة (29) أحكام القرآن للكيا الهراسي (1/ 57) جامع البيان (2/ 121) الجامع لأحكام القرآن (2/ 262).
[11]) الموافقات (5/ 47 - 48).
[12]) أثار هذا الإشكالَ دراز في تعليقه على الموافقات (5/ 45).
[13]) ذكر ذلك دراز احتمالًا في تعليقه على الموافقات (5/ 45).
[14]) الموافقات (5/ 124)، وقد ذكر الشاطبي قوله هذا بعد أن ذكر أن المجتهد قد يجتهد في النصوص فلا يحتاج إلى علم المقاصد؛ فعُلِم من هذا أن كلامه في غير المجتهد المطلق.
[15]) انظر: الرسالة (509 - 510) رسالة في أصول الفقه (126 - 127) الفصول في الأصول (4/ 273) شرح اللمع (2/ 1034 - 1035) البرهان (2/ 869) الإشارة (327 - 328) إحكام الفصول (2/ 728) الواضح (1/ 395) تنقيح المحصول (3/ 726) نفائس الأصول (9/ 3829 وما بعدها) شرح تنقيح الفصول (417) أدب الفتوى (35 - 36) شرح المعالم (4/ 1587) كشف الأسرار على المنار (2/ 300 - 301) ميزان الأصول (2/ 1049) شرح جمع الجوامع (4/ 336 - 340).
[16]) انظر: المعتمد (2/ 929) العدة (5/ 1594) المستصفى (2/ 350) التمهيد (4/ 390) بذل النظر (689) المحصول (6/ 21) روضة الناظر (2/ 345) الإحكام (4/ 163) المسودة (514 - 515) صفة الفتوى (16) نهاية الوصول (8/ 3824، 3827) شرح مختصر الروضة (3/ 577) قواعد الأصول (101) نهاية السول (4/ 547) الإبهاج (3/ 254) كشف الأسرار (4/ 27، 30) تقريب الوصول (428 - 436) التلويح وشرح التلويح (2/ 245، 247) البحر المحيط (6/ 199).
[17]) انظر: الموافقات (5/ 44).
[18]) انظر: الموافقات (5/ 44).
[19]) انظر: الموافقات (3/ 174 - 175).

اكتب تعليق

أحدث أقدم