رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن النظافة عنوان الحضارة

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي  عبد اللطيف 
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى 
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 

مما لاشك فيه أن النظافة سلوك متحضر , بل هي عنوان الحضارة , ولا يمكن لشعب يمتلك حضارتين عظيمتين من أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ الإنساني أن يهمل هذا السلوك الحضاري , فنحن أبناء حضارة تضرب في جذور التاريخ وأعماقه لأكثر من سبعة آلاف عام , وحضارة أخرى هي حضارتنا الإسلامية الراقية , وقد امتزجتا معًا لتصنعا نسقًا فريدًا مميزًا للشخصية المصرية .

     وهذه الحضارة الراقية  تدعو إلى الأناقة والجمال , والبعد عن كل ما يؤذي وينفر ولا يقره الذوق ولا الطبع السليم , فقد امتدح الحق سبحانه وتعالى أهل مسجد قباء لحرصهم على الطهارة والنظافة , فقال سبحانه : ” فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ” , وأمرنا سبحانه أن نأخذ زينتنا عند كل مسجد , فقال عز وجل : ” يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ” , وأمرنا أن نطهر وننظف أجسادنا وثيابنا , فقال سبحانه : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ” , وقال (سبحانه وتعالى) مخاطبًا نبينه (صلى الله عليه وسلم) : ” يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ” , وقد بيّن رسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) أن الطهور نصف الإيمان أي نصف الدين , فقال (عليه الصلاة والسلام) : ” الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ ” , بل إن الإسلام قد جعل الطهارة والنظافة الكاملة للجسد والثوب والمكان شرطًا لقبول أهم عبادة في حياة المسلم والركن العملي الأول في الإسلام بعد الشهادتين , وهي الصلاة , فقال (صلى الله عليه وسلم) : ” إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَقْبَلُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ ” , بل أبعد من ذلك فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أكد في حديثه الصحيح أن عدم الطهارة من البول وحسن الاستبراء منه كان سببًا لعذاب رجل في قبره , وذلك حينما مر (صلى الله عليه وسلم) بِقَبْرَيْنِ ، فَقَالَ : ” إنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ، أمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ، وأمَّا الآخَر فَكَانَ لا يَسْتبرِئ من البول “.

     ونهى ديننا الحنيف عن كل ما يلوث الماء أو المكان أو يعكر على الناس صفو حياتهم أو يسبب لهم الأذى والاشمئزاز , فنهى عن التبول في الماء , أو في الظل , أو في طريق الناس , أو في الأماكن العامة , فقال (صلى الله عليه وسلم) : ” اتَّقُوا اللاعِنَيْنِ , قَالُوا : وَمَا اللاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ الناس وَفِي ظِلِّهِمْ ” .

     كما نهى الإسلام أن يبول الإنسان في مستحمه أي المكان الذي يقوم بالاستحمام فيه , سواء أكان نهرًا أم بحرًا أم حمام سباحة , أو أن يتبول في اتجاه الريح , ووضع لذلك آدابًا عظيمة فصلتها كتب الفقه في أبواب الطهارة .

     ومن يعدد الاغتسالات الواجبة كالغسل عند البراءة من الحيض , أو الاستحاضة , أو النفاس , أو بعد الجماع , أو عند نزول المني , أو الاغتسالات المسنونة كغسل الجمعة عند من قال بأنه سنة وهو قول الجمهور , وإن كان بعض الفقهاء قد ذهب إلى القول بوجوبه , وغسل العيدين , وغسل من غسل الميت , والغسل لدخول مكة ، وغير ذلك من الاغتسالات المسنونة المتعددة يدرك مدى عناية الإسلام بالنظافة , بل أبعد من هذا فقد حث الإسلام على الجمال والتحلي به , فعندما قال نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ، فقال رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً ، قَالَ (صلى الله عليه وسلم) : إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ” , وسن الإسلام السواك لطهارة الفم , ودعا إلى غسل باطن أصابع اليدين والقدمين عند كل وضوء فيما يعرف بتخليل أصابع اليدين والرجلين , وجعل إسباغ الوضوء أي إكماله وإتمامه على المكاره وفي شدة البرد ماحيًا للسيئات مضاعفًا للحسنات , فقال (صلى الله عليه وسلم) : ” أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا ، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ” , وقد جعل الإسلام العمل على نظافة الطرقات ورفع الأذى عنها وعدم طرحه فيها شعبة من شعب الإيمان , فقال (صلى الله عليه وسلم) : ” الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً ، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ” , وهذا الحديث يعطي إماطة الأذى عن الطريق مكانة عظيمة بإدخال ذلك في شعب الإيمان والنص عليه صراحة , ويؤكد ذلك أن رجلا سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن عمل يدخله الجنة , فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) : ” أَمِطْ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ” , وفي حديث آخر : ” إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ “.

     وفي كل ذلك ما يؤكد  أن حضارتنا تدعو إلى كل مظاهر النظافة والطهارة والجمال ، وتنهى عن كل ألوان النجاسة والقبح والأذى , مما يتطلب منا أن نلتفت وبقوة إلى أهمية النظافة في حياتنا حتى  لا نؤذي أنفسنا أو نؤذي غيرنا ، فإن لم نقم بالإسهام في نظافة نيلنا وبيئتنا ومجتمعنا ومحيطنا ، فعلى أقل تقدير لا نكون سببًا في أذى الناس وأذى أنفسنا , سواء بإلقاء القمامة أو المخلفات في الطرق أو الأماكن العامة , أم بصرف مخلفاتنا من الصرف الصحي أو الصناعي على نيلنا العذب ، أو أن نلوثه بإلقاء القمامة أو المخلفات فيه, أو أن  نشوه جماله بإلقاء المخلفات على ضفافه وشواطئه .

      فعلى كل واحد منا أن يعمل على نظافة جسده ، وثوبه ، ومكانه ومدرسته ، ومكان عمله ، وأن يسهم في نظافة مجتمعه , بأن يعز الأذى عن الطريق ، ويسهم قدر استطاعته وأقصى طاقته في أن نكون مجتمعا راقيا نظيفا متحضرًا .

      على أن الأمم المتحضرة يمكن أن تحول القمامة ثروة بتنظيم جمعها وإعادة تدويرها , فهل نحن جادون في ذلك ؟ وهل نحن قادرون عليه ؟ بكل تأكيد نعم , على أن نتحول من التنظير إلى التطبيق , وعلى أن يبدأ كل واحد منا بنفسه ، وليكن شعارنا : ” معا لمجتمع نظيف متحض

اكتب تعليق

أحدث أقدم