رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن تحقيق مصطلح الحوار



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الحوار والمحاورة مصدر للفعل حاور، وأصل المحاورة المراجعة، تقول: حاوره مُحاورة وحوارًا: جاوبه، وحاوره: جادله، وتحاوروا: تراجعوا الكلام بينهم، وتحاوروا: تجادلوا؛ قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ﴾ [المجادلة: 1]، والمحاورة: مُراجعة المنطق والكلام[1].
قال الراغب: "أصل الحوار التردد... وحار الماء في الغدير: تردد فيه، وحار في أمره: تحيَّر... والمحاوره والحوار: المرادة في الكلام"[2].
وأطلق صاحب "الطراز" على جنس الحوار مُصطلح "الترجيع في المحاورة"، وقال: "والترجيع تفعيل، مثل قولك: رجعت الشيء إذا أردته... ويقال للسماء: ذات الرجع؛ لأنَّ المطر يتردد في نزوله منها، وفي مُصطلح علماء البيان عبارة عن أن يحكيَ المتكلم مراجعةً في القول، ومُحاورة جرت بينه وبين غيره أوجز عبارةً وأخصر لفظًا، فينزل في البلاغة أحسن المنازل، وأعجب المواقع"[3].
وقد شاعتْ بين النَّاس ألفاظٌ قريبة في مَدلولها من مدلول الحوار، كالجدل أو المجادلة والمناظرة، والتَّرجيع في المُحاورة، والمحاجة، وهذه الألفاظ قريبٌ مدلولُ بعضِها من بعض؛ لأنَّها ترجع في نهاية أمرها إلى نزعة البيان لدى الإنسان، ورغبته في الدِّفاع عن رأيه ومغالبة غيره.
والجدل أو المجادلة: اللَّدد في الخصومة، تقول: جادله مُجادلة وجدالاً: ناقشه، وخاصمه، وطلب المغالبة لإظهار الحق؛ قال تعالى: ﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125]، وتجادلا في الأمر: تخاصما فيه[4].
"والجدال: المُفاوضة على سبيل المُنازعة والمُغالبة، وأصله من جدلتْ الحبل؛ أي: أحكمت فتله"[5].
يقول صاحب "مقاييس اللغة": "الجيم والدال واللام أصل واحد، وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه وامتداد، والخصومة ومراجعة الكلام"[6].
إذًا؛ فكلاهما نوع من مُراجعة الكلام، إلاَّ أنَّ الحوار مراجعة الكلام بين المتحاورين بطريقة فيها مُرونة وليونة في الحديث، بعيدًا عن اللدد والخصومة التي قد تصاحب الجدل.
ولْنَعُد إلى النبع الأصيل، القُرآن الكريم، نتأمَّل استخدامه لهذين المعنيين، لنقف على الفرق بين مدلوليهما.
وردت مادة "الجدل" في القرآن في نحو تسعة وعشرين موضعًا، يغلب عليها أن تكونَ في سياق عدم الرضا عن الجدال أو عدم جدواه، فمن أمثلة ذلك قوله - تعالى -: ﴿ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ﴾ [غافر: 5]، وقوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾ [الحج: 8] [لقمان: 20]، وقوله نهيًا عن الجدل في الحج: ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [البقرة: 197]، وغير ذلك[7].
أمَّا المحاورة، فقد وردت في ثلاثة مواضع فقط، موضعان في سورة الكهف في قصة الأخوين صاحبي الجنتين، وموضع في سورة المُجادلة؛ ففي سورة الكهف: ﴿ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴾ [الكهف: 34]، ﴿ وقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴾ [الكهف: 37]، والموضع الثالث في سورة المجادلة: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ [المجادلة: 1].
وقد نزلت هذه الآية بشأن خولة بن ثعلبة، ويتَّضح من سياقها التفرقة بين المُجادلة والمحاورة في مدلوليهما اللذين نتحدث عنهما، فحديث المرأة عن زوجها كان خصومة؛ لذلك عبر عنه - سبحانه - بقوله: ﴿ تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾ [المجادلة: 1]، ولكن حديثها مع الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان مُراجعة في الكلام؛ ولذلك عبَّر عنه - سبحانه - بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ﴾ [المجادلة: 1].
قال الزمخشري: في قوله - تعالى -: ﴿ تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾ [المجادلة: 1]، وقُرئ تحاورك؛ أي: تراجعك الكلام، وتحاورك؛ أي: تسائلك [8]، وبمثل ذلك قال كل من النسفي[9] والخازن[10] والرازي[11].
وقوله: ﴿ تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾ [المجادلة: 1]؛ أي: تحاورك وتحاجك فيما وقع بينها وبين زوجها.
وفي قوله: ﴿ تُجَادِلُكَ ﴾ [المجادلة: 1] إشارة إلى احترام الشَّريعة الإسلامية للإنسان، وإعطائه حقَّه وحريته في استعمال عقله، ومراجعة غيره فيما يعرض له من قضايا الحياة، وهذا ما نراه واضحًا في موقف المرأة من النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومُراجعتها له فيما رآه؛ ولهذا سَمَّى القرآن موقفها هذا "مُجادلة"، ولم يُنكر عليها ذلك؛ بل جاءها بالرَّحمة والفضل العظيم[12].
وفي قوله: ﴿ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ﴾ [المجادلة: 1] إشارة إلى هذا الحوار الذي جَرى بين المرأة والنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فهي تتَّجه اتِّجاهًا، والنبي يتجه اتجاهًا آخر... هي تريد ألاَّ يكونَ الظهار طلاقًا تحرم به على زوجها، والنبي يراه طلاقًا تقع به الحرمة بينها وبين زوجها... فهذا نوع من مُراجعة الكلام، واختلاف في الرأي؛ لذلك سُمِّيَ محاورة.
والمحاجَّة: المغالبة بالحجَّة، يقال حاججته أحاجُّه حجاجًا ومحاجة حتَّى حججته؛ أي: غلبته بالحجج التي أدليت بها[13]، وحاجَّه مَحاجة وحجاجًا: جادله؛ قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ﴾ [البقرة: 258]، واحتج عليه: أقام الحجة، واحتج عليه: عارضه مستنكرًا فعله، تحاجوا: تجادلوا[14].
والحُجَّة: الدليل والبُرهان، ومنه حديث مُعاوية: فجعلت أحج خصمي؛ أي: أغلبه بالحجة، وحاجه يحجه حجًّا: غلبه على حجته[15].
إذًا؛ فالمحاجة مُغالبة بالحجة، وتقديم الدَّليل والبُرهان الذي يبين وجهة نظر المجادل أو المحاور، وهي بهذا المعنى قريبة من المجادلة والمراجعة في الكلام.
والمراجعة في الكلام تنشأ عادةً بين اثنين؛ لوُجودِ خلاف بينهما في الرَّأي ووجهة النَّظر، وذلك بالطبع يرجعُ إلى النَّزعة البيانية التي أودعها الله في بني الإنسان جِبِلَّةً وطبعًا، فكل إنسان يريد أنْ يُبدي رأيَه، ويُدافع عنه بمنطق البيان والحجة.
أمَّا المُناظرة: أن تناظر أخاك في أمر إذا نظرتما فيه معًا كيف تأتيانه، والتناظُر: التراوُض في الأمر، ونظيرك الذي يُراوضك وتناظره[16].
وجاء فيه "معجم مصطلحات الأدب": "المناظرات نوعٌ من المحاورات التي احتدمت بين النحاة والمناطقة والمتكلمين..."[17].
ويفهم من ذلك أنَّ المحاورة أعمُّ من المناظرة، وكلٌّ من المحاورة والمناظرة، وإذا وجد في الحوار مَحاجة أو مُجادلة أو خصومة أو نزاع، كان مناظرةً.
إذًا؛ فالمناظرة نمط من مراجعة الكلام بين اثنين، يقصد كل منهما تصحيح قوله، وإبطال قول صاحبه مع رَغبة كلٍّ منهما في ظهور الحق.
وعلى هذا؛ فالحوار يضم المناظرة وغيرها، فتكون المناظرة فرعًا من المحاورة أو الحوار.
وبعد التأمُّل في هذه المصطلحات - مع ما بينها من فروق يسيرة - نلحظُ أنَّها تلتقي في معنى عام، وهو مُراجعة الكلام، أو التردد في الكلام، سواء صاحَب هذه المراجعة خصومة، أم لم يصحبها، أو أريد بها مُغالبة الخصم أم لا، فبناءً على ذلك، فالحوارُ يتَّسع ليشمل الجدَلَ الذي عرف بإطلاقه على مواقف الخُصُومة، يدُلُّ على ذلك أنَّ ما حدث من مراجعة بين الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - والمرأة لما كان في جانب المرأة سُمِّيَ جدالاً، ولما كان في جانب الرسول سمي حوارًا؛ لتفاوتِ ما بينهما في طريقة المُراجعة، وشبه ذلك مُحاورات الرُّسل مع أقوامهم، فإنَّ الخلاف بين الطرفين مُتحقق، وبناءً على ذلك فما ذكره العُلماء من تفسير لمعنى الحوار والجدل أو الحوار والمناظرة والمحاجة يتَّسع مدلولُ الحوار؛ ليشمل كلَّ هذه المعاني؛ لذلك يجوز أنْ نُطلق عليها جميعًا مصطلح "الحوار"؛ لأنَّ مُراجعة الكلام التي نسميها مُحاورة موجودة في كل أنواع الحديث الذي يتبادله الطَّرفان، سواء صاحب ذلك خصومة أم لا، وهذا ما أشار إليه ابن فارس، وحينئذ يكونُ لفظ الحوار أشمل في الدلالة على الوضع اللُّغوي، وهو الأسلوب الذي جرى عليه أسلوب القرآن الكريم وأسلوب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهذا ما اعتبرناه في بحثنا هذا.
ومما يَجدُر بنا أنْ نُشير إليه ونَحن في هذا الصدد لفظ "المناقشة"؛ حيثُ يشيع استعماله في معنى المحاورة، واللغة لا تعرف هذا الاستعمال؛ بل لا تكاد تعرف استعماله من حيث الواقع إلاَّ من طرف واحد، وليس تبادلاً بين طرفين، فالمُناقشة عند علماءِ اللُّغة استقصاءُ الحساب واستيفاؤه، والحساب يكون بين طرفين عادة؛ ولكنَّ استيفاءَه يكون في العادة لمصلحة أحد الطرفين فحَسْب، فمُناقشة أحد الطرفين للآخر في اللُّغة معناها: أن يستقصيَ مُحصيًا ومستوعبًا كل ما له على الآخر، ويستشهد صاحب "أساس البلاغة" لهذا بقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من نُوقش الحساب عذب))[18]؛ أي: من أُحصيت أعماله ليحاسب عليها حسابًا عاديًّا دون أن يتداركَه عفوُ الله وغُفرانه، فلا بد أن يصيبَه العذاب؛ ولكن كثيرًا من المثقفين والكُتَّاب يستعملونها مُرادفة للمحاورة، وهذا الخطأ نشأ من شيوعها في التخاطُب بين الناس بهذا المعنى، وما أكثر ما تجني العاميَّة على الفُصحى في هذا النَّحو وغيره من الألفاظ والأساليب[19].
________________________________________
[1] "لسان العرب"، مادة (حور)، و"المعجم الوسيط"، (حور).
[2] "مفردات الراغب"، مادة (حور).
[3] "الطراز"، للعلوي، 3/151– 153، انظر هناك أمثلة أخرى.
[4] "لسان العرب"، (جدل).
([5])"مفردات الراغب"، (جدل).
[6] "مقاييس اللغة"، 1/433، مادة (ج. د. ل).
[7] راجع: "المعجم المفهرس"، مادة (جدل).
[8] "الكشاف"، 4/69, 70.
[9] راجع: "مدارك التتريل ضمن مجمع التفاسير"، 6/194، دار الدعوة، إستنبول، تركيا، ط 1، المطبعة العامرة سنة 1320 هـ.
[10] راجع: "لباب التأويل"، للخازن، ضمن مجمع التفاسير السابق.
[11] "التفسير الكبير"، 29/250، طبعة دار الكتب العلمية بطهران، ط2، بدون تاريخ.
[12] "التفسير القرآني للقرآن"، عبدالكريم الخطيب، 25/812, 813، دار الفكر، مكتبة السنة المحمدية.
[13] "لسان العرب"، مادة (حجج).
[14] "المعجم الوسيط"، (حجج).
[15] "لسان العرب".
[16] "لسان العرب"، مادة (نظر).
[17] "معجم مصطلحات الأدب"، مجدي وهبة، 90.
[18] "أساس البلاغة"، مادة (نقش)، انظر: "فتح الباري"، 11/400، كتاب الرقاق.
[19] أسلوب المحاورة في القرآن الكريم صـ 15

اكتب تعليق

أحدث أقدم