رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن محبة الوطن

بقلم \  المفكر العربى الدكتور خالد محمود  عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى 
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
مما لا شك فيه أن من حكمة الله جل جلاله، أن جعل محبة الأوطان فطرة في باطن الإنسان، فنبضت بها القلوب، وجرت بها الدماء في العروق، وتوارثها الأبناء عن الآباء جيلا بعد جيل، يطيب العيش في الوطن، و لو كان الوطن كثبان رمل بصحراء، وإن غادر الإنسان وطنه لضرورة، يبقى الحنين إليه ساكنا في ذهنه و وجدانه، بل يحن الإنسان إلى وطنه، بمجرد السماع، حين يعلم أن أباه و جده قدما من بلد بعيد، يتولد فيه الحنين إلى ذلك البلد قبل أن يراه، هكذا زرع الله في نفوسنا محبة الوطن، هذه المحبة، وجدها حبيب هذه الأمة، - صلى الله عليه وسلم -، في بداية رسالته، في يوم بعثته المباركة، يوم ذهب مع زوجته خديجة - رضي الله عنها - إلى ورقة بن نوفل، وكان ورقة عالما بالتوراة والإنجيل، فسمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بداية نزول الوحي، فقال له إن قومك، سوف يعادونك، وسوف يلحقك منهم شديد الأذى، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يسمع لورقة في سكون، حتى قال ورقة، و سوف يخرجونك، فانزعج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتراءى أمامه فراق مكة، و تحركت في قلبه محبة الوطن، فقال بشديد الأسى، أوَمخرجِيَّ هم؟!، قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي، وبعد ثلاثة وخمسين عاما، وفي ليلة هجرته إلى المدينة، وقف على مشارف مكة، وعيناه تدمعان، وخاطبها بما في ذلك القلب الكبير، من محبة وحنان، قال لها وقوله في صحيح الجامع، ما أطيبكِ من بلد، وما أحبكِ إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيركِ، و استقر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة المنورة، وأسس فيها دولة الإسلام، ولم ينس مكة، فكان من دعائه، اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبّنا مكة أو أشد، هكذا كان مثلنا، و قدوتنا، يحمل في قلبه الطاهر، محبته الصادقة للوطن، وفي أيامنا هذه، أمامنا وطن، نحمله في قلوبنا، يحتاج من قلوبنا طهارة القلوب، ولا ينقي القلوب إلا المحبة، وهذه المحبة، لا تتحقق إلا بما شرع الله لنا، لأن ما يشرعه الإنسان، يحمل الخطأ كما يحمل الصواب، ويمر على أحكامه عامل الزمن، فتحتاج إلى تنقيح و تجديد، أما ما يشرعه الله، فهو الحق، وهو الدائم الباقي، وهو الصواب الذي لا يحمل الخطأ، ومحبة الأوطان في شرع الله، تتطلب أركانا تنبني عليها، وأول هذه الأركان، أن نكون أمة واحدة كما أمرنا الله، بأمره جل في علاه: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)[الأنبياء: 92]، ولا تتحد هذه الأمة، إلا بتوحدها في عبادة الله: (وَأَنَا رَبُّكُمْ، فَاعْبُدُونِ) أمرنا الذي خلقنا أن نتحد على دينه، وأن نلجأ إلى شرعه، و أن نعتصم بتعاليمه، فقال -تبارك وتعالى -: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)[آل عمران: 103]، تمسكوا بهذا الدين، اجعلوا طرفه في قلوبكم، لأن الطرف الثاني موصول بربكم، فالتآلف بين الأمة يقوم على حسن العبادة، وهما جميعا يؤلفان محبة الوطن، من أجل ذلك، واجب علينا أن نتآخى، واجب علينا نتعامل بود، ألم يقل خالقنا - جل وعلا -: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)[الحجرات: 10]، ألم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((وكونوا عباد الله إخوانا))، لابد أن نجسم هذه الأخوة لنكون من الطائعين، فلا تخاصم بين المسلمين في الإسلام، و لا يرضى الله على رجلين متخاصمين، ولا يقبل الله عملا من رجلين متخاصمين، جاء في صحيح الإمام مسلم، قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)) يوم يصطلح المسلم مع أخيه المسلم، تفرح الأرض من تحت أقدامهما، و تفرح السماء بارتفاع أعمالهما، فليس من الإسلام، أن يظلم المسلم جاره، في صغيرة أو كبيرة، لأن الظلم يولد الضغينة و الحقد في القلوب، و كم هي مضرة القلب الحاقد في الحياة الدنيا و في يوم القيامة، ثمرة الحقد العداوة، و العداوة تنفي التعاون، والمسلمون مأمورون بالتعاون، و الآمر هو الله: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ))[المائدة: 2]، التعاون يكون على البر، بين الجار و جاره، بين كل مسلم و مسلم، بين كل مؤمن و مؤمن، قال في حقهم رب العزة -تبارك وتعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [التوبة: 71]، التعاون بينهم واضح جلي في كل أمر، يقيمون الصلاة صفوفا متلاحمة، شعارهم قول حبيبهم -صلى الله عليه وسلم- في الصحيحين، لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، لا ترى بينهم فقيرا ولا معدما و لا محتاجا، تجمع بينهم أخوتهم الصادقة و قلوبهم السليمة، يخشون ربهم، و يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الأبصار: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: 88، 89]، والقلب السليم، هو القلب الذي لا يعرف العداوة و البغضاء، و صاحب القلب السليم هو الذي لا يعادي الناس، ولا يعادي أقرب الناس، لا يعادي أخاه، لا يهجر أمه أو أباه، صاحب القلب السليم، يعيش دنياه سعيدا، و يموت رغيدا، و يسلم من عذاب القبر وهول المحشر، فإذا أقبل على الله، فرح الله به، وأفرحه فرحة لم يعرف لها مثيلا من قبل، يؤتيه كتابه بيمينه، وصف حاله رب العزة -تبارك وتعالى- فقال: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ)[الحاقة: 19 - 22]، هكذا يكون المؤمن، يتفيأ جنات النعيم، مع أهل النعيم: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ* وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ* وَظِلٍّ مَمْدُودٍ* وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ* وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ* لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ)[الواقعة: 27 - 34]، تلك نتيجة التآلف و التعاون على البر، خلود في النعيم يوم القيامة، وقبل ذلك سعادة و هناء و أمان في الحياة الدنيا، وكم يحتاج وطننا اليوم إلى قلوب سليمة، منفتحة على كل أبواب الخير، واعية بحق ربها، عالمة بحقوق من حولها، وكم يحتاج وطننا اليوم إلى جموع متآلفة متعاونة تقية، تتعامل بينها بإحسان، لتنشأ الأمة التي أرادنا الله أن نحيا في رحابها، في أمان و اطمئنان، فنحن بالله إخوة، ونحن في الدين إخوة، و نحن في الوطن إخوة، والأخوة بيننا مودة و رحمة، فمن واجبنا أن نرعى حق الله، وحق الله بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والحديث في الصحيحين بقوله: ((حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا))، مصداق قول الله -تبارك وتعالى -: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)، ونحن إخوة في الدين، فالإسلام يجمعنا، والإيمان يرفعنا إلى مراتب اعتزاز بعضنا ببعض، وحبيبنا - صلى الله عليه وسلم - ينادي فينا، ونداؤه من صحيح الإمامين: ((لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَا هُنَا)) وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ((بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)) ونحن إخوة كذلك في الوطن، و الوطن في حاجة إلى حمايته من اعتداء بعضنا عليه، في حاجة إلى حسن تعاملنا بالمحافظة على مناعته و سلامته، في حاجة إلى تآلفنا من أجل أن يستعيد قوته و قانونه، وطننا في حاجة إلينا أخوة متحابين آمنين مطمئنين.
اللهم أمنا في دورنا، وحقق سلامتنا في جميع أمورنا، واهدنا بفضلك إليك، وارزقنا الاعتماد و التوكل عليك، اللهم انشر بيننا الوفاق والوئام، واهدنا للعمل بشرائع الإسلام، واجعلنا على البر متعاونين متراحمين.

اكتب تعليق

أحدث أقدم