رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه حقوق الإنسان



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
، كثيرًا ما نسمع الدعايات الكاذبة التي يتغنى بها الغرب من غير المسلمين وأمثالُهم وأتباعهم المستغربون، مُدَّعين بها زورًا حفظ حقوق الإنسان وحمايتها، وكثيرًا ما نسمع اتهاماتهم للإسلام بهضم تلك الحقوق للإنسان عامة والمرأة خاصة، مستدلين على ما يدعونه بأدلة هي في الحقيقة لدى كل منصف عاقل مفكر من الغربيين أنفسهم فضلاً عن غيرهم براهين على أن الإسلام هو الذي حفظ للإنسان حقوقه وكرامته، ونكتفي بذكر خمسة من البراهين الدالة على أن الإسلام هو الدين الحق والدستور السماوي الحق والصراط المستقيم الذي لا نجاة للبشرية ولا سعادة في الدنيا والآخرة إلا بالدخول فيه، ومعرفته والإيمان به، والعمل بامتثال واجتناب نواهيه:
البرهان الأول: حفظه لدين المسلم معنويًّا بأن الله سبحانه صقل فطرته التي يجد بها إيمانه بالله خالقه ومربيه منذ ولدته أمه، فقوى سبحانه شعوره الفطري بوجود الله وملكه للكون والإنسان والحياة، وتصرفه وحده في الخلق كله، وذلك بما في القرآن العظيم من الآيات الكثيرة التي يأمر فيها الإنسان بالتفكر في عجائب خلقة وبتدبيره في السماء والأرض، كلما كبر إيمانًا بالله، وبأنه الواحد الذي لا شريك له في الربوبية والألوهية والعبادة، وأن جميع من سواه مخلوق له لا يملك لنفسه نفعًا ولا يدفع عنها ضرًّا، فيكون تعلق قلبه ورجاؤه وخوفه بالله وحده، ويكون بدعائه وجميع عبادته متوجهًا لله وحده لا شريك به شيئًا، ويعرف بهذه الفطرة وبالآيات القرآنية أن الوثنيين واليهود والنصارى الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، أو يجعلون لله ابنًا أو بنتًا، يعرف أنهم ضالون كافرون بالله؛ لأن الإله الخالق لا بد أن يكون واحدًا لا شريك له، ولا زوجة له، ولا ولدَ ولا مثيل له؛ لأن الشريك والحاجة إلى الغير لا تكون إلا للمخلوق الضعيف، أما الله الخالق العظيم، فهو منزه عن ذلك؛ كما قال سبحانه: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [سورة الإخلاص: 1-4].
ولا بد أن يكون أولاً بلا بداية، وآخرًا لا ينتهي ولا يموت وعاليًا فوق السموات والأرض، وباطنًا يعلم كل الخافيات والأسرار؛ كما أخبر بذلك عن نفسه المقدسة بقوله: ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الحديد: 3].
وحفظ الإسلام دين المسلم مع الرقابة والمعرفة العظيمة التي جعلها في قلبه كما تقدم حفظه معنويًّا أيضًا، بأن جعل في قلبه واعظًا يذكره بالله تعالى، وأنه سبحانه معه أينما كان بعلمه ورؤيته وسمعه، فيجعله ذلك الواعظ بعيدًا عن ارتكاب أي مخالفة نهاه الله عنها، فتجده مع إخلاصه لله تعالى في عبادته يخلص في معاملته للناس، فلا يظلم أحدًا ولا يغشه في المعاملة، ولا يخون الأمانة، ويحسن خُلقه مع من لقيه ويقابل المسيء بالإحسان، ويزيل الأذى عن الطريق؛ عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)).
ولذا فإن مجتمع الصحابة كان مجتمعًا مثاليًّا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ليس فيه مشاكل، بل ولا يحتاجون إلى قاض؛ فقد أرسل عمر رضي الله عنه قاضيًا إلى مكة، فرجع بعد ثلاثة أشهر، فلما سأله: ما الذي أتى بك؟ قال: لم يأتيني طيلة هذه المدة خصمان، ولم يحتاجوا إلى رجال أمن، ولا إلى بلدية تقوم بالتنظيف؛ لأن الجميع محافظون على نظافة بيوتهم ومساجدهم وأسواقهم، حتى النساء يشاركن في هذه الأعمال الجليلة في حشمة وستر.
كما يتضح حفظ الإسلام لدين المسلم معنويًّا بأن الله توعَّد المرتد عن الإسلام بالعذاب في النار، وحسيًّا بتشريع قتل المرتد لاختياره العمى بعد الهدى والضلال بعد السعادة؛ لأن بقاء المرتد بين الناس دعوة للكفر بالإسلام وتمرد على الله عز وجل، أمّا غير المسلم، فيكتفي بدعوته والبيان له، فإن أسلم فلنفسه، وإن لم يسلم فعليها؛ كما قال تعالى: ((لا إكراه في الدين)) الآية. أمّا غير الإسلام، فهو دين باطل من ارتد عنه، كمن لم يدخل فيه.
البرهان الثاني: حفظُ الإسلام للنفس؛ حيث حرَّم على الإنسان أشد التحريم قتل نفسه بالانتحار أو غيره، وحرم عليه تعذيبها، وتوعد الله المنتحر بالعذاب في النار بالسبب الذي انتحر به، وحرم على الإنسان قتل أخيه الإنسان، ولو كان غير مسلم ما لم يكن في حال قتال مشروع، وذلك التحريم بأمرين، الأول: الوعيد الشديد بالعذاب في النار لمن قتل نفسًا بغير حق، والثاني: بتشريع القصاص وهو قتل القاتل بغير حق؛ لأنه لا يمكن أن يُمْنَع الاعتداء بالقتل إلا بالقصاص؛ ولذا قال الله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 179].
فإذا علم من تحدثه نفسه بقتل الغير أنه سيقتل، كفَّ عن القتل، وبذلك يُحْيي نفسه فلا يُقْتَل قصاصًا، ويُحْيي غيره بالكف عن قتله، أما إذا علم أن عقابه كما هي الحال عند غير المسلمين إدخاله سجنًا يأكل فيه ويشرب ويلهو وينام، فإن هذا أكبر تشجيع له ولغيره على ارتكاب جرائم القتل، هذا بالنسبة للأفراد، أما بالنسبة للشعوب، فإن الإسلام أوجب على المسلمين حكومات وشعوبًا أن يتعاونوا على حماية الضعيف فردًا أو جماعة، أو شعبًا، وأن يردوا عنه ظلم الظالم الذي يريد قتله أو نهب ماله، أو انتهاك أو احتلال بلاده، في حين أن النظم الغربية تبيح ذلك بإعطاء حق النقض (الفيتو) للدول الكبرى، ذلك الحق الظالم المعلن لدى هيئة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان؛ كما هو المشاهد من إلغاء أي اتفاق على إعادة الحق المسلوب كما نشاهد ذلك بالنسبة للشعب الفلسطيني والشعب السوري وغيرهما.
البرهان الثالث: حفظ الإسلام للعقل الذي يملك الإنسان ويمنعه من التصرفات الخاطئة، وذلك الحفظ بأمرين معنويًّا، وهو وعيد المتعاطي للمسكرات والمخدرات بالعذاب في النار إذا مات ولم يتب، وحسيًّا وهو عقابه بالجلد كلما سكر.
البرهان الرابع: حفظ الإسلام للنسل؛ حتى لا يوجد أولاد الزنا، وحفظه للشرف والعرض بتحريم الزنا أشد التحريم، وذلك بأمرين معنويًّا وهو الوعيد الشديد على الزاني والزانية بالعذاب الأليم في النار إذا لم يتوبا إلى الله تعالى توبة صادقة قبل الموت، ويُعاقبان عقابًا حسيًّا بجلد كل منهما مائة جلدة بدون رأفة إن كانا بكرين لم يتزوجا، ورجم المحصن منهما حتى الموت وهو من قد تزوج ولو كان حال زناه ليس متزوجًا، في حين أن نظم الغربيين ومن على شاكلتهم تبيح الزنا واللواط للفتى والفتاة منذ سن البلوغ، بل وللرجل والمرأة، وتحرم على ولي البنت كأبيها وأخيها أن يمنعها من الزنا أو الاختلاط بالرجال، أو من دخولها المسرح وتهتكها أمام الناس باسم الحرية الشخصية، ويحفظ الإسلام للمرأة عزتها وكرامتها، فيعفيها من الخدمة خارج بيتها، ويلزم الزوج بدفع المهر لها كاملاً، كما يلزمه بالإنفاق عليها وإسكانها هي وأولادها، وإن كانت غير متزوجة يوجب الإسلام نفقتها وإسكانها على والدها أو من يقوم بأمرها، في حين أنه يسمح لها بالعمل خارج البيت في المجال النسوي المحتشم؛ كالتمريض والطب، وتدريس البنات، والعمل مع زوجها أو أبيها في المزرعة أو المعمل المصون عن الاختلاط بالرجال، وكسبها لها إلا ما تبرعت به لزوجها أو غيره عن طيب نفس، ويأمرها الإسلام بالستر والحجاب، وينهاها عن الاختلاط بالرجال في الأسواق المجتمعات، كل ذلك تكريمًا لها وصيانة لشرفها ودينها، أمّا المرأة الغربية وعند غير المسلمين غالبًا، فهي مهانة محتقرة معرضة للفتنة والابتزاز، تعمل إلى جانب الرجل في المصنع والمتجر والمكتب، ويخلو بها ويزني بها إذا رضيت دون رقيب أو حسيب، وهذا والله أكبر إضاعة لحقوق المرأة وأكبر إهانة لها.
ويتضمن حفظ الإسلام للنسل سلامة الأسرة من أولاد الزنا ومن الإباحية، وفُشو الفساد، وبذلك تتحقق فريضة عظيمة فرضها الله على كل مسلم ذكرًا وأنثى، وهي الحفاظ على الأسرة من التفكك، وذلك بإلزام الله تعالى كل فرد فيها بالإحسان إلى أقاربه؛ ابتداءً من القريب الأعظم، وهي الأم، ثم الأب، فقد أوجب الله برهما، ثم الإحسان إليهما، وخصوصًا عند كبر سنهما، فأوجب النفقة عليهما وتحقيق مطالبهما المشروعة، والتواضع لهما في القول والعمل، وحرَّم الإساءة إليهما وإهمالهما أشد التحريم، وتوعد الله سبحانه من أساء إلى والديه أو أحدهما بالعقوبة العاجلة في الدنيا والعذاب في نار جهنم بعد الموت، ومن عقاب الله للمسيء إلى والديه في الدنيا أن الله يسلط عليه أولاده، فيعصونه ويسيئون إليه، فلذا جاء في حديث محمد صلى الله عليه وسلم لما قال له رجل: ((من أولى الناس ببري يا رسول الله؟ قال: أمك، قال الرجل ثم من؟ قال: أمك، قال الرجل ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك، ثم أدناك أدناك))، وقال في الحديث: ((الجنة تحت أقدام الأمهات))، وقال علية الصلاة والسلام: ((رغم أنف، رغم أنف، رغم أنف، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر فلم يدخلاه الجنة))، وهكذا الأقارب من الإخوة والأخوات والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، فقد أوجب الله على المسلم إكرامهم ومواصلتهم؛ ولذا تجد المجتمع الإسلامي أُسَرًا محترمة شريفة مترابطة، متعاونة فيما بينها، بخلاف المجتمع الغربي غير المسلم، فإنهم كالحيوانات، لا يعرف الرجل أقاربه، بل إن الرجل الكبير والمرأة العجوز الذين لا ثروة لهما يدخلهما ولدهما دار العجزة وينساهما، وإن كان يملك الملايين.
البرهان الخامس: حفظ الإسلام للإنسان ماله الذي يملكه ملكًا مشروعًا بكسب أو إرث أو هبة، ونحو ذلك، فحرم على غيره أخذه منه بغير وجه شرعي بسرقة أو احتيال، أو قمار أو ربا، أو قطع طريق، أو اغتصاب، أو اختطاف - أشد التحريم، وشرع قطع يد السارق الذي ليس له عذر شرعي في السرقة، وشرع قتل قطاع الطرق والذين يختطفون الأشخاص أو الشخص لغرض مادي أو جنسي، أو إهانة لعداء بينه وبين المختطفين، وأحيانًا يكون عقابه بقطع يده اليمنى ورجله اليسرى حسب ما يراه ولي الأمر؛ ليكون موعظة للآخرين؛ حتى لا يقدم أحد منهم على مثل جريمته، أما عقابه كما عند الغربيين ومَن سار على نهجهم بالسجن، فهو كما تقدم تشجيع له ولغيره على الاستمرار في السرقة وإخافة الآمنين، كما أن السجن يكلف خزانة الدولة الكثير وقد يؤثر على مصارفها الضرورية.
وفي الاقتصاد شرع الله في الإسلام الاكتساب من جميع الوجوه المشروعة، وحرَّم المكاسب المحرمة مثل الربا الذي تتعامل به البنوك، وحرم الميسر مثل اليانصيب، وحرَّم كل المكاسب الملوثة بالغش والكذب والاحتيال؛ لأنها أكبر الوسائل لإدخال الفقر على الناس، وانتشار البطالة وقلة الإنتاج، بل حرم الله سبحانه على المسلم ذكرًا أو أنثى أن يكون مسرفًا في إنفاقه على نفسه وأسرته، وأمره بالاعتدال، وحرم الاتجار في المحرمات؛ كالخمور والأزياء المحرمة، والصور المحرمة، وأمر بالصدقة والإحسان إلى الفقراء ومساواتهم؛ ولذا فرض زكاة المال في كل عام، وفرض الله كفارات قتل الخطأ وفطر العاجز عن الصيام، وكفارة اليمينن وحرم على المسلم أن يشبع وجاره جائع، وأوجب على التجار إنفاق أكثر أموالهم في حال الفقر العام.
وأوجب الله سبحانه في الإسلام الإحسان في كل شيء وأوجب الإحسان إلى المماليك، وفتح للحرية كل الأبواب، ولم يفتح للرق إلا بابًا واحدًا جعله في صالح المملوك وهو أسير الحرب إذا كان عدوًّا غير مسلم؛ لكي يعيش مكرمًا بين المسلمين ويرى عدالة الإسلام وفضله؛ ليكون ذلك سببًا في إسلامه وسعادته، وحينئذ يأمر الله بعتقه أو مكاتبته ليعيش حرًّا بين المسلمين، وأوجب الله سبحانه الإحسان إلى الحيوان والطير، وحرم تعذيبه وألزم بإكرامه، وجاء الوعيد بالعذاب على من عذبه.
وبهذا يتبيَّن أن الإسلام هو الحل لجميع المشكلات، وهو الحفيظ الدائم لجميع الحقوق، ولا غرابة في ذلك، فهو تشريع رب العالمين العليم بمصالح عباده الحكيم في تشريعه وأمره ونهيه، نسأل الله أن يثبتنا عليه، وأن يهدي ولاة أمور المسلمين لتحكيمه،

اكتب تعليق

أحدث أقدم