رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن التلوث المعنوى



المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن المتأمل في دين الإسلام، يجد فيه نظرة شمولية للحياة، تشمل الدين والدنيا.
المتأمل في التشريع الإسلامي، وبخاصةٍ آياتِ القرآن الكريم وسنةِ النبي صلى الله عليه وسلم، يجدها تزخر بنصوص عديدة في الاهتمام بالبيئة، والحفاظ عليها، ورعايتها.
فما المقصود بالبيئة؟ وما دور الإنسان اتجاه البيئة؟
فحينما نتحدث عن البيئة، فإننا نقصد بذلك كلَّ ما يحيط بالإنسان، مما سخر الله له من مخلوقات وموجودات، من ماء وهواء وتربة وكائنات حية وجمادات، قال ربنا: ﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ [الحجر: 19، 20].
فالبيئة كلها بأرضها وسمائها ومائها وهوائها وجمادها ونباتها وحيواناتها وما يلج فى الأرض وما يخرج منها، كل ذلك خَلقه الحق تبارك وتعالى وجعله مسخرا مذللا للإنسان، يقول رب العزة والجلال: ﴿ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ [هود: 61]، واستعمركم فيها‏،‏ أي مكنكم فيها وجعلكم عُمارا لتعمروها ولتستغلوها في الخير والصلاح والنفع والنماء.
وقال سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15].
فمن خلال استقراء هذه الآية والتي قبلها، بل لغيرهما من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، يتضح جليا أن البيئة التي هي جزء من الكون، خُلقت للإنسان ومن أجل الإنسان، وجعلها الله مسخرة لخدمته ولأغراضه، وبالتالي هو صاحب الدور الفاعل والفعَّال فيها، وهو المستفيد الأول مما فيها، فيجب عليه أن يحافظ عليها ويستغلَّها بقدر تحقيق المنفعة الخاصة، مع الحفاظ على المصلحة العامة.
مطلوب من الإنسان أن يحميَها من العبث ويحفظها من التلوث والاستنزاف والتخريب وأن يحافظ على صلاحها، وألا يكون معول هدم فيها، وإلا صار مفسدا في الأرض، والله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 77].
وقال سبحانه: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾ [الأعراف: 56] فرب العزة ينهى هنا عن أي لون من ألوان الفساد أو الإفساد في الأرض، ومنها بلا شك الإفساد البيئي.
فالبِيئة لها نظام دقيق متوازن، صَنَعَه خالق عظيم، ومدبر حكيم، ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [النمل: 88]، ولكن جاءت يد الإنسان لتعبث بِكل جميل في البِيئة، وتهدد الأخضر واليابس، فكان ذلك الشبح المدمر، الذي يسميه القرآن الكريم "الفساد" أو "الإفساد"، وتسميه العلوم المعاصرة بـ"التلوث".
الإنسان بتصرفاته الغير المسئولة، وسلوكياته الخاطئة، قد أخل كثيرا بتوازن النظام البيئي، وترتب على ذلك حصول العديد من المشاكل البيئية، فالإنسان يُعَد المسئول الأول عن كل فساد أو إفساد أو تلوث أو تخريب، يقول الله سبحانه: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41].
فالإنسان هو الجاني على البيئة، وهو الضحية في الآن نفسه، فبظلم من الإنسان نفسه، وبما كسبت يداه ظهر الفساد في البر والبحر. وقد قيل: "من زرع الريح، فلن يحصُدَ إلا العواصف".
فمصدر الفساد في الأرض الإنسان، الإنسان بجشعه وطمعه وأنانيته، وعدوانيته ومحاولة إشباع رغباته وغرائزه المتوحشة، يدفعه ذلك إلى تخريب البيئة والإفساد فيها، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [البقرة: 205].
ولو كان للبيئة لسان ينطق، لصكت أسماعنا بصراخها وألمها:
فالقاذورات والأزبال أكرمكم الله متناثرة في كل مكان، الهواء ملوث، التربة ملوثة، المياه ملوثة، تغير المناخ، الحرارة ترتفع من عام إلى عام، انتشار الأمراض، عدم النظافة، انقراض النبات والحيوان، حتى الخضروات والفواكه لُوِّثت بالأسمدة والمواد الكيماوية، والهرمونات والمواد المسرطنة، والمُبيدات التي يستخدمها مَن يعرف ومَن لا يعرف، ممارسات بشرية خاطئة، بُعدٌ عن تعاليم رب السموات والأرض.
وهذا من طمع الإنسان وأنانيته وعدوانيته وعدم قدرته على ضبط غرائزه ومحاولاتِه الدائمة للسيطرة والاستغلال والتدمير والفساد والإفساد، دون مراعاة لحقوق الآخرين.
هذا الفساد أو التلوث البيئي، ليس له حدود جغرافية، ولا تمنعه حدود سياسية، إذ ينتشر في كل مكان ويصل إلى كل البقاع، الأمر الذي يفرض على الجميع ضرورة الحد من هذا الإفساد، ومنع حدوث إفساد جديد تحقيقا لمفهوم حماية البيئة والمُحافظة عليها.
إن الضامن الأول للمحافظة على مكونات الحياة البشرية، هو النظام الأخلاقي، فكلما سما هذا النظام واستمد مقوماته من مصادر إيمانية عليا، كلما كان ذلك عاملاً في رُقي الحياة الإنسانية وسُموها، وكلما انفلت الإنسان، كان ذلك سبباً في دخوله في أزمات متعددة من شأنها أن تساهم في إنهاء دوره على هذه الأرض.
فهذا التلوث البيئي الذي كَثُر الحديث عنه، يرجع السبب المباشر في حدوثه إلى تدني أخلاق الإنسان، فلو أحسن الإنسان تربيته تربية أخلاقية بمفهومها الشامل لما أقدم على الفساد والإفساد في الأرض.
ولهذا وجب علينا أن نُركز على دراسة السبب الأساسي وراء تلوث البيئة قبل أن ندرس مظاهر التلوث، فالسبب المباشر يتمثل في عدم وجود تربية أخلاقية، وبالتالي وجود تلوث أخلاقي.
والمتأمل في واقع مجتمعاتنا، يلمس مدى التدهور الأخلاقي وانعدام العديد من القيم.
فالتلوث الأخلاقي خطر يهدد تماسك المجتمع.
قال شوقي رحمه الله:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت=إن هُمْ ذهبت أخلاقُهم ذهبوا.
وقال آخر: مجتمع بلا أخلاق، يساوى بناءً بلا أساس.
فما هي شواهد هذا التلوث الأخلاقي؟
إنها واضحة جلية في كل جنبات المجتمع، مست غالبيةَ مؤسساته بما فيها تلك المُعوّل عليها في مجال التنشئة الاجتماعية.
فالأسرة، الأسرة التي تُعتبر أولَ حجر أساس، وأولَ مدرسة لتعليم القيم الأخلاقية، إذا نظرنا في عدد من الأسر، وجدنا داخلها سلوكيات، لا تنم إلا عنِ العبثية وافتقاد حس المسؤولية، بحيث تكاد تختنق السكينة والمودة والرحمة بين أفردها، وهذا يدشن اللبنات الأولى لأخلاق فاسدة وتلوث أخلاقي.
وإذا ما تفككت الأسر بسموم هذا التلوث الاخلاقي فما ذلك الا تمهيداً ومقدمةً لتفكيك المجتمع.
والمدرسة، ويا حسرتَنا على المدرسة، لقد أضحت مَرتعا خصبا لتلوثٍ وإفساد أخلاقي، ولسموم أخلاقية خطيرة تجد لها هناك مُروجين هواةً ومحترفين أكفاء...لقد أضحت المدرسة وكرا لكل من هو شاذ، وما هو شاذ، ومجالا لنسج علاقات لا أساس لها بين الفتيان والفتيات، ولكل ما استجد من ألبسة التكشف والعري، بل لكل المفاسد المكشوفة والمستورة بين الفتيان والفتيات.
وأما الإعلام سواء السمعي والمرئي والمقروء، فلا أجد ما أقول هنا إلا أن نعزي أنفسنا في إعلامنا ونقول:"إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أْجُرنا في مصيبتنا واخلِف لنا خيرا منها".
والشارع، فهناك تُعرض الحصيلة النهائية والتطبيق العملي لما عليه الأخلاق، ومرد ذلك نجاح التلوث الأخلاقي في اختراق جسم المجتمع كما يظهر، سواء في اللباس، أم في الكلام، أم في الحركات والسلوكيات ما بين الأفراد... فإنك لا ترى إلا استعراضا بالجُملة للفساد والتلوث الأخلاقي، ملابس خالعة، كلامٌ عبارات ساقطة، حركات فاجرة، سهرات فاضحة، مشاهد، وأوضاع يَندى لها الجبين على الشواطئ والمتنزهات، وفي الطرقات.
مشاهد ومناظر ومواقف تتكرر كل يوم بل كل ساعة بل كل لحظة ألِفتها العيون، وتطبَّعت عليها النفوس، واستساغتها الأذواق طائعة أو ربما مُكرهة، فغاب الحياء وماتت الغيرة على الأعراض.
لقد انتشر التلوث الأخلاقي واستشرى في أقوامنا، وانقلب الحال حتى صار الساقطون الماجنون المفسدون، يُمثلون الأسوة والقدوة لأبنائنا وبناتنا، ويجعلون من أفكارهم وسلوكياتهم وحركاتهم عنوان الرجولة ووسام الافتخار، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
بل إن بعض من رَسَخت في أنفسهم وعقولهم سُموم التلوث الأخلاقي واستحكمت، يستنكرون على كل من يعترض عليهم، كاستنكار قوم لوط على طُهر لوط.
وما شأن لوط؟ قال ربنا: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ [النمل: 56].
فيا سبحان الله أهل الفاحشة الفاسدون المفسدون أصبحوا هم الأصل في المجتمع، وأما أهل الطهر والعفاف والحياء أصبحوا حالة شاذة في المجتمع.
وخلاصة القول، فمسألةُ تحقيق الوعي البيئي عند الإنسان، ببعده الأخلاقي، لا يمكن له أن يتحقق لا في المؤتمرات، ولا في اللقاءات، ولا في المدارس التعليمية ما لم نستحضر عظمة الله والخوفَ منه، وهذا ينطبق على شتى مناحي الحياة.

اكتب تعليق

أحدث أقدم