رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مراحل كتابة المقالة

بقلم \  المفكر العربى الدكتور خالد محمود  عبد القوي عبد اللطيف 
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
مما لاشك فيه أن المقالة نص نثري محدود الطول يعالج موضوعًا معينًا.
في المقالة "الذاتية" تظهر شخصية الكاتب، وفي "الموضوعية" لا تظهر.
وهي تقوم على أركان ثلاثة: مقدمة وعرض وخاتمة:
المقدمة: 
بعد اختيار الموضوع والعنوان المناسب يكون بناء المقال. تأتي المقدمة.
وهي تمهيد للفكرة الرئيسية، وتكون موجزة.
العرض:
أي أن يعرض الكاتب فكرته عرضًا مفصلًا متسلسلًا مدعمة بالحجج والبراهين والأدلة المقنعة، مبينًا رأيه في المقال الذاتي.
الخاتمة: 
وتتضمن تلخيصًا للنتائج التي وصل إليها للكاتب.
أنواع المقالة: 
1- المقالة الذاتية أو السردية أو الوصفية.
وهذا النوع من المقالات يتصف بالتشويق والجاذبية، ويتسع فيه الخيال والانفعال والعاطفة بالإضافة إلى الألفاظ الموحية.
وإليك نموذجًا للمقالة الذاتية:
وقت الشعر في الخميسية الرفاعية: [1]
(وقت الشعر؛ هو اللحظة المرتقبة في الخميسية الرفاعية، وهو الوقت الأبهى والأبهج، والأندى والأنضر، والأجمل، والأمتع والأروع والأينع، والأحلى والأغلى... لوقت الشعر في الخميسية الرفاعية مذاق خاص، وسر خاص، سر عميق وسحر جذاب، محبب إلى النفوس بشغف دونه سائر المحبوبات النفسية، والرغائب المحظية، ولم يكن الشاعر في الخميسية الرفاعية ملقيًا قصيدة في حفل حتى يغادر المكان ولا يدري ما وزن قصيدته، أو ما وزنه هو من خلال قصيدته؛ كان وقت الشعر احتكاك الأقران بالأقران، واستباق الفرسان بالميدان، ومن المعيب على الشاعر أن يلقي القصيدة التي سبق أن ألقاها، ومن الكلال أن يلقي من شعر غيره مع ادعائه الشاعرية، فكان الشاعر الذي يتحسس مكانه من الشعر في ذات نفسه ويريد أن يثبت ذاته، لا بد إلا أن يأتي في كل أمسية بالجديد أو ينقطع أو يصمت)[2]. 
أطلعَنا هذا النص على موضوع معين، وهو: (وقت الشعر في الخميسية الرفاعية).
فله بداية وله وسط وخاتمة.
أسلوب النص سمح سهل، يجري على الطبع، وفيه بعض المحسنات البديعة (أبهى أبهج، أندى أنظر) ويسمى هذا اللون في البلاغة بالازدواج.
وأشهر من كتب بهذا الأسلوب هو الجاحظ، وقد انقرض هذا اللون من الأساليب لسببين:
الأول: ضعف السليقة والطبع.
والثاني: تقهقر فن الصنعة في الأدب.
وإن أهم ما في هذا الأسلوب هذا التشويق.
2- المقالة الموضوعية:
وتتصف بالجدة والفائدة والتحليل والدقة، ويميل أسلوبها إلى تحديد معنى الألفاظ ويقل فيها التصوير والانفعال. كهذا المقال:
(الغطاء النباتي في البيئات الصحراوية: 
يشكل الغطاء النباتي في البيئات الصحراوية عاملًا من أهم العوامل التي تساعد في الحفاظ على سطح التربة من الانجراف، أو التوازن في سرعة الجريان السطحي لمياه الأمطار وكميتها....
ويعاني الغطاء النباتي في المناطق المحيطة بالمدن من التدهور بسبب الرعي الجائر والاحتطاب والحركة الكثيفة للسيارات. 
وهذه العوامل تؤدي إلى تغيير تركيبة الحياة الفطرية كما تتسبب في قتل كثير من النباتات، وفقدان التربة السطحية الغنية بالعناصر الضرورية للحياة. 
ولإعادة الغطاء النباتي في المناطق المتضررة لا بد من مراعاة ما يلي: 
1- استعمال الأصناف النباتية المحلية: لأنها ملائمة للمناخ الصحراوي الجاف، وتعيش في توازن مع أصناف النباتات الأخرى. 
2- عدم قصر الاهتمام بصنف أو صنفين من النباتات، بل الاهتمام بإعادة الغطاء كاملًا. 
3- تصميم مشاتل خاصة لتنمية الأشجار والشجيرات المزمع استخدامها في إعادة الغطاء النباتي. 
4- يراعى جمع بذور النباتات من أمهات قوية مع معالجة هذه البذور لتجهيزها للإنبات والتخلص من البذور التي تعرضت للآفات والأمراض. 
5- تحسين مستوى التربة من العناصر الغذائية في المناطق المزمع إعادة الغطاء النباتي إليها. 
وبعد أن تتم إعادة الغطاء النباتي، فإنه يجب الاهتمام بتنظيم أعمال الرعي والاحتطاب بحيث يتناسب مع القدرة التعويضية لكي تساعد في الحفاظ على بقاء تلك الموارد، واستمرارها في تلبية حاجات المستفيدين منها في الرعي والاحتطاب)[3]. 
وقد طغى من بين أنواع المقالات في عصرنا الحاضر:
3- المقال الصحفي:
يمتاز هذا المقال؛ أن كاتبه يستمد مادته من الواقع، ويستخدم معلومات حقيقية، ويحاول أن يلقي الضوء على هذه المعلومات لتبصير القارئ فيها.
والهدف منه التعمق في فكرة ما، فالفكرة الجيدة تعني بالنسبة للمحرر ازدهار الصحيفة أو المجلة، واستمرار حياتها، وتعني بالنسبة للكاتب استمرار النشر والتألق، وللقارئ الإقبال على هذه الصحيفة أو المجلة والمزيد من المبيعات والأرباح.
مراحل كتابة المقالة: 
• الفكرة يجب أن تتبلور في ذهن صاحبها وهذا ما يجدد الموضوع.
• إذا اختار الموضوع فعليه أن يرسم إطاره وخطته ويجمع المعلومات التي يحتاجها، وينقلها وينظمها.
• ثم يجزئ الموضوع إلى وحدات وعناوين كي يتضح الهدف في ذهن الكاتب.
• ثم يبدأ الكتابة بطريقة مقنعة ومثيرة للاهتمام تشد انتباه القارئ وترشده إلى فهم فكرة الكاتب وهدفه فيستمر في القراءة.
• ويختار الأسلوب المناسب.
وهذا مقال لفقيد الأدب العربي الإسلامي، مصطفى صادق الرافعي، من كتابه العظيم "وحي القلم" الجزء الأول بنته الصغيرة[4]. 
فرغ أبو يحيى مالك بن دينار، زاهد البصرة وعالمها من كتابة المصحف، وكان يكتب المصاحف للناس، ويعيش مما يأخذ من أجرة كتابته تعففًا أن يطعم إلا من كسب يده. 
ثم توجه إلى المسجد فصلى نافلته ثم انفتل من صلاته فقام إلى أسطوانته التي يستند إليها، وتحلق الناس حوله جموعًا خلف جموع خلف جموع، ثم أطرق إطراقة طويلة ثم رفع الشيخ رأسه وقد تندت عيناه، فسأله شاب: ما بكاء الشيخ؟ فتأمله الشيخ ثم قال: 
كنت في صدر أيامي شرطيًا، فبينا أنا ذات يوم أجول في السوق، إذ رأيت اثنين يتلاحيان، وقد لبب أحدهما الآخر فسمعت المظلوم يقول: لقد سلبتني فرح بنياتي فسيدعون الله عليك فلا تصيب من بعدها خيرًا. 
قال الشيخ: وكنت عزبًا لا زوجة لي، فطمعت في دعوة صالحة من البنيات المسكينات إذا أنا فرحتهن، ودخلتني لهن رقة شديدة، فأخذت للرجل من غريمه حتى رضي. وأضعفت له من ذات يدي لأزيد في فرح بناته وقلت له وهو ينصرف: عهد يحاسبك الله عليه يستوفيه لي منك، أن تجعل بناتك يدعون لي إذا رأيت فرحهن بما تحمل إليهن، وقل لهن: مالك بن دينار. 
وبت ليلتي أتقلب مفكرًا في قول الرسول صلى الله عليه وسلم ومعانيه الكثيرة وحثهن على إكرام البنات، وأن من أكرم بناته كرم على الله، وفكرت حينئذ في الزواج، فلما أصبحت طلبت زوجة لي، وولدت لي بنتا فشغفت بها. ومضيت على ذلك وأنا بها أصلح شيئًا فشيئًا، وكلما كبرت كبرت فضيلتي، فلما تم لها سنتان ماتت. 
قال الشيخ: ورجعت بجهلي إلى شر مما كنت فيه، فلما كانت ليلة النصف من شعبان، وكانت ليلة جمعة وكانت كأول نور الفجر من أنوار رمضان، بت كالميت مما ثملت، وقذفتني أحلام إلى أحلام، ثم رأيت القيامة والحشر، وقد ولدت القبور من فيها، وسيق الناس وأنا معهم، وسمعت خلفي زفيرًا كفحيح الأفعى فالتفت فإذا بتنين عظيم ما يكون أعظم منه، أسود أزرق يرسل الموت من عينيه الحمراوين كالدم، وفي فمه مثل الرماح من أنيابه، وقد فتح فاه وجاء مسرعًا يريد أن يلتقمني، فمررت بين يديه فزعًا، فإذا أنا بشيخ هرم يكاد يموت ضعفًا فقلت: أجرني فقال: أنا ضعيف كما ترى، وما أقدر على هذا الجبار، فوليت هاربًا، وأشرفت على النار وهي الهول الأكبر، فرجعت أشتد هربًا والتنين في أثري، فنظرت فإذا جبل له كوى وعليها ستور، فأسرعت إليه والتنين من ورائي، فلما شارفت الجبل فتحت الكوى، ورفعت الستور، وأشرفت على وجوه أطفال كالأقمار، وقرب التنين مني، ولم يبق إلا أن يأخذني فتصايح الأطفال جميعًا: يا فاطمة يا فاطمة قال الشيخ: فإذا ابنتي التي ماتت قد أشرفت علي، فلما رأت ما أنا فيه صاحت وبكت، ثم وثبت كرمية السهم، فجاءت بين يدي ومدت إلي شمالها فتعلقت بها، ومدت يمينها إلى التنين فولى هاربًا. وأجلستني وأنا كالميت من الخوف والفزع، وقعدت في حجري كما كانت تصنع في الحياة، وضربت بيدها لحيتي وقالت: يا أبت ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾. 
فبكيت وقلت: يا بنية، أخبريني عن هذا التنين الذي أراد هلاكي. قالت: ذاك عملك الخبيث، أنت قويته حتى بلغ هذا الهول الهائل، قلت: فذلك الشيخ الضعيف الذي استجرت به ولم يجرني؟ قالت: يا أبت، ذاك عملك الصالح، أنت أضعفته فضعف حتى لم يكن له طاقة أن يغيثك من عملك السيء، ولو لم تكن اتبعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن فرح بناته المسكينات الضعيفات لما كانت لك هنا شمال تتعلق بها، ويمين تطرد عنك. 
قال الشيخ: وانتبهت من نومي فزعًا ألعن ما أنا فيه، ولا أراني أستقر كأني طريدة عملي السيء، كلما هربت منه هربت به. 
وأملت في رحمة الله أن أربح من رأس مال خاسر، وقلت في نفسي: إن يومًا باقيًا من العمر هو للمؤمن عمرٌ ما ينبغي أن يستهان به، وصححت النية على التوبة لأرجع الشباب إلى ذلك الشيخ الضعيف، وأسمن عظامه، حتى إذا استجرت به أجارني ولم يقل: "أنا ضعيف كما ترى". 
وسألت فُدللت على أبي سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري سيد البقية من التابعين وقيل لي: إن أمه كانت مولاة لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت ربما غابت أمه في حاجة فيبكي، فترضعه أم سلمة تعلله بثديها فيدر عليها، فكانت بينه وبين بركة النبوة صلة. وغدوت إلى المسجد والحسن في حلقته يقص ويتكلم، فجلست حيث انتهى بي المجلس، وما كان غير بعيد حتى عرتني نفضة كنفضة الحمى، إذ قرأ الشيخ هذه الآية: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾.
قال الشيخ: ثم إني تبت على يد الحسن، وأخلصت في التوبة وصححتها وعلمت من فعله وقوله أن حقيقة الدين هي خشوع القلب. 
وحدثت الحسن يومًا حديث رؤياي فاستدمعت عيناه وقال: 
إن البنت الطاهرة هي جهاد أمها وأبيها في هذه الدنيا والبنت ترى نفسها في بيت أهلها ضعيفة كالمنقطعة وكالعالة، وليس لها إلا الله ورحمة أبويها، فإن رحماها وأكرماها فقد وضعا بين يدي الله عملًا كاملًا من أعمالها الصالحة، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت له ابنة فأدبها فأحسن تأديبها، وغذاها فأحسن غذاءها وأسبغ عليها من النعمة التي أسبغ الله عليه، كانت له ميمنة وميسرة من النار إلى الجنة". 
قال الشيخ: والله أرحم من أن تضيع عنده الرحمة، والله أكرم من أن يضيع الإحسان عنده". 
.
________________________________________
[1] خميسية الأديب الأستاذ عبد العزيز الرفاعي – رحمه الله.
[2] الصالونات الأدبية في المملكة العربية السعودية ط 1 ص 43.
[3] من كتاب التحرير العربي د. عثمان الفريح ود. أحمد شوقي عثمان ط 6 ص 227.
[4] من كتاب وحي القلم مصطفى صادق الرافعي ج 1 ص 229 ط بيروت.

اكتب تعليق

أحدث أقدم