رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن التبني من منظور الإسلام



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن التبني من منظور الإسلام يقول ربنا سبحانه وتعالى بعدما قص قصة "زيد" : {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} سيدنا محمد ﷺ ليس أبا لأحد من رجال هؤلاء القوم ، فقد وهبه الله ذكورا وإناثا، ولم يعش من أبنائه الذكور أحد ولم يبلغوا البلوغ، رزقه الله بـ"الطيب والقاسم وعبدالله" ، وكان سيدنا ﷺ يكنى بـ "أبا القاسم" ولعله كان أكبرهم ، ورزقه الله بـ"إبراهيم" في المدينة من السيدة ماريا القبطية رضى الله عنها ، ولكن كلهم ماتوا صغار، ورزقه ببنات "زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة" رضى الله عنهم، متنا جميعا في حياته إلا السيدة فاطمة ، مات الجميع أمامه حتى يبين للناس كيف يتصرف من فقد العزيز لديه، كان يمسك بالسيدة فاطمة ويقول للمشركين وهم ينظرون إليه بنظرة غبية " ما لكم ولى، زهرة أشمها" فهذه كلمة كان يقولها لأولئك القساة الذين كانوا يعاملون أبناءهم بالقسوة وخاصة البنات، قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ، وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِىُّ جَالِسًا. فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِى عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ، مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا. فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ» ، وفي حديث اخر : "قَدِمَ ناسٌ مِنَ الأعرابِ على رَسولِ اللهِ ﷺ ، فقالوا: أتُقَبِّلونَ صِبيانَكم؟! فقال: نعم. قالوا: لكِنَّا واللهِ ما نُقَبِّلُ! فقال رسولُ اللهِ ﷺ: أَوَ أملِكُ إنْ كان اللهُ نَزَع مِن قُلوبِكم الرَّحمةَ " كان ﷺ يعلم الناس الرحمة.
{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} ولكن زيد بن ثابت كان عبدا عند سيدنا النبي ﷺ وأعتقه ، والناس من شدة رحمة سيدنا محمد ﷺ بزيد أسموه "زيد بن محمد"، لا يعرف إلا بـ" زيد بن محمد" ، ولذلك عندما تزوج زيد بالسيدة زينب بنت جحش - وكانت من أعالي قريش - فإنها لم تقتنع بهذا الزواج ، وكان رسول الله ﷺ هو الذي سعى في هذا الزواج ، فلما أمر رسول الله ﷺ بالتفريق بينهما بعد شكوى زيد من سوء المعاملة التي يتأثر بها الرجال ، فرسول الله ﷺ حدث في قلبه لأن ربنا أمره بأن يتزوج زينب بنت جحش ، وقال كيف أتزوج زوجة شخص يقال عنه في المجتمع وفى الناس زيد بن محمد ؟ هل اتزوج زوجة ابني؟ الله سبحانه وتعالى نعى عليه هذا ورقاه من حال الكمال إلى حال الربانية {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا } ؛ { وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ } وهو الخوف من المجتمع .
{ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ } هذه هى حكمة المسألة "التبني حرام"، والنبي ﷺ -على سبيل التربية وعلى سبيل علو الشأن وعلى سبيل النبوة- لم يبق الله له من ولد، حتى فاطمة التي بقيت بعده؛ بقيت بعده ٦ شهور، " أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبيِّ ﷺ ، فَقالَ النَّبيُّ ﷺ: مَرْحَبًا بابْنَتي، ثُمَّ أجْلَسَهَا عن يَمِينِهِ، أوْ عن شِمَالِهِ، ثُمَّ أسَرَّ إلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ، فَقُلتُ لَهَا: لِمَ تَبْكِينَ؟ ثُمَّ أسَرَّ إلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ، فَقُلتُ: ما رَأَيْتُ كَاليَومِ فَرَحًا أقْرَبَ مِن حُزْنٍ، فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قالَ، فَقالَتْ: ما كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، حتَّى قُبِضَ النَّبيُّ ﷺ ، فَسَأَلْتُهَا، فَقالَتْ: أسَرَّ إلَيَّ: إنَّ جِبْرِيلَ كانَ يُعَارِضُنِي القُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وإنَّه عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، ولَا أُرَاهُ إلَّا حَضَرَ أجَلِي، وإنَّكِ أوَّلُ أهْلِ بَيْتي لَحَاقًا بي. فَبَكَيْتُ، فَقالَ: أَمَا تَرْضَيْنَ أنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ -أوْ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ؟ فَضَحِكْتُ لذلكَ". وفعلاً انتقلت السيدة فاطمة من دار الدنيا إلى دار الحق سبحانه وتعالى بعد ٦ أشهر فقط من انتقال سيدنا ﷺ.
- "الصلاة على النبي ﷺ " سيدنا النبي ﷺ هو بابنا إلى الله، والله يقول: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} هذه الآية تأمرنا أمرا { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} والصلاة من الله تعالى بتنزل الرحمات، ومن الملائكة بالدعاء، ومن الناس من المسلمين يتوسلون إلى الله سبحانه وتعالى بأن يؤتيهم سؤلهم يوم القيامة، وسؤلهم هو الفردوس الأعلى الذى سقفه عرش الرحمن سبحانه وتعالى.
والصلاة على سيدنا رسول الله ﷺ جمعت فأوعت فهي ذكر لله في نفسها ،ومع أنها ذكر لله فهي امتثال لأمره حيث أمرنا أن نصلي عليه ﷺ ،ومع أنها طاعة في نفسها مستقلة إلا أنها تشتمل على تعظيم سيد الخلق وهو مقصود في ذاته ، والصلاة عليه ﷺ تقر بالوحدانية ابتداءً لأننا نسأل الصلاة من الله وتنتهي بالإيمان بسيد الخلق ﷺ ؛ فلما كان الأمر كذلك وكان هذا شأنها -ولا يدرك شأنها إلا من فتح الله عليه- فهي الوقاية ، وهي الكفاية ، وهي الشفاء ، وهي الحصن الحصين ، وهي التي تولد حب رسول الله ﷺ في قلوب المؤمنين ، وهي التي تحافظ على ذلك الحب وتصونه ، وهي التي يترقى بها العبد عند ربه ، وهي التي تجعل المؤمن ينال شرف إجابة النبي ﷺ حيث إنه يجيب على من صلى عليه وسلم ، وهي مدخل صحيح للدخول على السيد الفصيح فالدخول على سيدنا رسول الله ﷺ يبدأ بالصلاة عليه وبكثرة الصلاة عليه.
- "قضية الأمانة" التصور الكلى الذى بيّنه الله لنا في هذه القضية {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} حقيقة لكنها عقيدة وإخبار بالغيب .
{إِنَّا } الله سبحانه وتعالى يتكلم بعظمته وبجلاله بصيغة الجمع.
{ عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ } فما هى الأمانة؟ ما الذى عرضه الله تعالى على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها؟ قال العلماء في ملخص ما قالوا: هو "التكليف" أفعل ولا تفعل، الاختيار الذى يناط به الحساب يوم القيامة، فالله سبحانه وتعالى يقول: أقم الصلاة، وبعد ذلك يتركني هل سأقيم الصلاة أم لا ؟ اختيار.
شأن السماوات والأرض والجبال والنبات والشمس والقمر مثلاً أنها تسبح تسبيح حال لا تسبيح مقال، يعنى هى ليست مخيرة أن تسبح أو لا تسبح {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } فالسماوات والأرض تسبح ؛ وتسبح قهراً { ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} كلٌ يسبح تسبيح حال لا مقال، حتى قال بعض العارفين : إن جسد الإنسان نفسه كجسد كخلايا يسبح، ولكنه لا يثاب عليه لأن الله قد خلقه هكذا. خلق الله تعالى الكائنات تسبح بحمده .
{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ} "شَيْءٍ" يدخل فيه كل الموجودات,
{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }الاختيار هو هذه الأمانة التي عُرضت على السماوات والأرض والجبال فقالوا هذا اختبار صعب ولعلنا ننسى، ولعلنا نقصر، ولعل همتنا لا توجد { فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا }قالوا لا نريد اختيار؛ الاختيار هذا معه تشريف، وعدم اختيارهم للأمانة معه تسخير، سخر الله لنا السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والكواكب والشجر ... سخره لنا ، لماذا ؟ { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} لأن معه العقل معه الاختيار، هو قادر على أن يعبد الله اختيارا، في حين هذه الأشياء - عالم الجماد والحيوان والنبات وسائر الكائنات- تعبد الله اضطرارا، لكن الإنسان يعبده اختيارا، ولذلك {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} ، فمن كفر {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} .
إذن { وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } ظلم نفسه لأنه تعرض لشيء غير مضمون، وجهل ما معنى الاختيار، فأحب قضية التشريف {اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} يعنى أنه مكرم ومشرف لأن فعلا الاختيار يجعله كذلك مكرماً ومشرفا، يعني اختاروا العلو والشرف، لكن مع كل تشريف هناك تكليف، الوجه الاخر للتشريف هو التكليف، ومن هنا قال بعضهم إن الأمانة هى "التكليف"، وطبعا الأمانة هى "الاختيار"، ثم بعد ذلك إما أن يكون هذا الاختيار سلبيا أو يكون إيجابياً، بمعنى أنه يمكن أن تختار الشر، وممكن أن تختار الخير.
- "سيل العرم" {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ } هو سيل حدث في مكان اسمه "الْعَرِمِ" ، كان عجيباً لأنه دمر حضارة بكاملها ، وكان هذا عقابا لهم، فأرسلنا عليهم سيل العرم، الله سبحانه وتعالى يريد من عباده أن يلجأوا إليه وأن يتضرعوا إليه وأن يدعوه فـ"الدعاء هو العبادة"، وأن القلوب الضارعة مهمة، ولكن إذا لم نفعل ذلك فإن شيئاً من العقوبة ينزل ويصيب بشيء من النقص والسلب، وهذا ما لا نرجوه {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}.
فاللهم يا ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به.

اكتب تعليق

أحدث أقدم