رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن زواج المسيار والزواج العرفي



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مفهوم المسيار
المِسْيار في اللغة - على وزن مِفْعال - صيغة مبالغة اسم الفاعل من سار، يسير، سَيْراً، ومَسيراً، والمسيار هو: الرجل الكثير السير، فنقول رجلمسيار، وسيّار.
والمسيار في الاصطلاح لم يتعرض له الفقهاء القدامى تعريفاً وإنما مضموناً، فمن حيث المعنى والمضمون هو زواج قديم كان يسمى " زواج النهاريات " وهو: أن يشترط الزوجأن تكون علاقته بزوجته في النهار، حرصاً على مبيته عند زوجته الأولى في الليل، وقد عرفه بعض المعاصرين بأنه: "زواج شرعي، يتميز عن الزواج العادي، بتنازل الزوجة فيهعن بعض حقوقها على الزوج، مثل ألا تطالبه بالنفقة، والمبيت الليلي إن كان متزوجاً، وفي الغالب يكون زواج المسيار هو الزواج الثاني أو الثالث، وهو نوع من تعدد الزوجات.
ويقول الدكتور أحمد الحجي الكردي في صورة زواج المسيار أنه: " أن يتزوج رجل بالغ عاقل، امرأة بالغة عاقلة تحل له شرعاً، على مهر معلوم بشهود مستوفين لشروط الشهادة، على أن لا يبيت عندها ليلاً، إلا قليلاً وأن لا ينفق عليهاسواء كان ذلك بشرط مذكور في العقد، أو بشرط ثابت بالعرف، أو بقرائن الأحوال ".
المحور الثاني: نشأة زواج المسيار
لم يمض وقت طويل على نشأة " زواج المسيار " كتسمية جديدة، فقد عُرف هذا الزواج من سنوات، وقد ظهر لأول مرة في منطقة " القصيم " في المملكة العربية السعودية، ثم انتشر في المنطقة الوسطى، وكان سبب ابتداعه تزويج النسوة اللاتي فاتهنقطار الزواج الطبيعي، أو المطلقات اللاتي فشلن في زواجهن السابق. والسؤال المطروح في هذا السياق: هل زواج المسيار شيء قديم؟ يقول الدكتور يوسف القرضاوي: " إن زواج المسيار - كما يسمى - ليس شيئاً جديداً، إنما هو أمر عرفه الناس من قديم،وهو الزواج الذي يذهب فيه الرجل إلى بيت المرأة، ولا تنتقل المرأة إلى بيت الرجل ".وكذلك قال الدكتور إبراهيم الخضري عن زواج المسيار: " إنه معروف قديماًفي المملكة العربية السعودية، ويسمونه في منطقة نجد " الضحوية " بمعنى أن الرجل يتزوج المرأة، ولا يأتي إليها إلا ضحى، وهذا منذ خمسين سنة تقريباً. وقدجاء في كتب الفقه عن زواج مماثل لزواج المسيار سمي: بالنهاريات، وهو: أن يشترط أحدالزوجين أن تكون علاقة الزواج بزوجته في النهار، حرصاً على مبيته عند زوجته الأولى بالليل، وهذه الصفة لزواج النهاريات تجعله قريباً جداً من زواج المسيار.
المحور الثالث: أسباب ظهور زواج المسيار
هناك أسباب عديدة، منها ما يتعلق بالنساء، ومنها ما يتعلق بالرجال، ومنها ما يتعلق بالمجتمع:
أما الأسباب التي تتعلق بالنساء فمنها:
أولاً: عنوسة المرأة، أو طلاقها، أو ترملها: وهذا كثير في المجتمعات العربية.
ثانياً: رفض كثير من النساء لفكرة التعدد: مما أدى إلى اضطرار الرجال أن يخفوا زواجهم الثاني.
ثالثاً: حاجة بعض النساء إلى البقاء في غير بيت الزوج: وذلك كأن يكون لدى المرأة أولاد تربيهم، وهي مشغولة بهم، ولا يناسبها إلا مثل هذا الزواج.
وأما الأسباب التي تتعلق بالرجال فمنها:
أولاً: حاجة الرجل الفطرية إلى أكثر من زوجة: فهناك كثير من الرجال لا تكفيهم امرأة واحدة، ولديهم شبق شديد، ورغبة جامحة، فيلجؤون إلى زواج المسيار.
ثانياً: رغبة بعض الرجال بزيادة الاستمتاع: فقد تكون الزوجة الأولى كبيرة في السن، أو مشغولة بأولادها وبيتها، ولا يجد الرجل عندها رغبته، فيتزوج مسياراً.
ثالثاً: عدم رغبة بعض الرجال في تحمل مزيد من الأعباء والتكاليف.
رابعاً: خوف بعض الرجال من إعلان زواجه الثاني، لعلمه ما ستسببه زوجته الأولى لو علمت بهذا الزواج من ويلات ومصائب، وخراب للبيوت.
وأما الأسباب التي تتعلق بالمجتمع فمنها:
أولاً: غلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج.
ثانياً: نظرة المجتمع بشيء من الاستغراب والازدراء للرجل الذي يرغب بالتعدد.
المحور الرابع: حكم زواج المسيار
اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم زواج المسيار على ثلاثة أقوال:
الأول: القول بالإباحة مع الكراهة أحياناً.
الثاني: القول بالتحريم أو عدم شرعية زواج المسيار.
الثالث: القول بالتوقف.
أولاً: القائلون بإباحة زواج المسيار مع الكراهة، وأدلتهم:
ومن العلماء الذين قالوا بإباحة زواج المسيار مع الكراهة:
الدكتور يوسف القرضاوي الذي قال: " أنا لست من محبذي زواج المسيار "، وقال أيضاً: " بعض من عارضه كره الأمر، وأنا معه أكره الأمر، وأرى أنه مباح مع الكره "، ويستدل القرضاوي على الإباحة بقوله: " هو زواج مستكمل لشروطه وأركانه، فكيف يسع فقيه أن يقول عن هذاالزواج: إنه حرام ".
والدكتور وهبة الزحيلي قال بالإباحة مع الكراهة، وبين رأيه قائلاً: " هذا الزواج غير مرغوب فيه شرعاً، لأنه يفتقر إلى تحديد مقاصد الشريعة في الزواج من السكن النفسي، والإشراف على الأهل والأولاد، ورعاية الأسرة بنحو أكمل وتربية أحكم.
أ- ويستدل على إباحته قائلاً: "إن إعفاف المرأة مطلب فطري واجتماعي وإنساني، فإذا أمكن لرجل أن يسهم في ذلك كان مقصده مشروعاً وعمله مأجوراً مبروراً ".
ب- ويقول أيضاً: " الأصل في العقود الشرعية ومنها الزواج هو الإباحة، فكل عقد استوفى أركانه وشرائطه الشرعية كان صحيحاً ومباحاً، ما لم يتخذ جسراً أو ذريعة إلى الحرام كنكاح التحليل، والزواج المؤقت، وزواج المتعة، وليس في زواج المسيار قصد حرام ".
ثانياً: القائلون بتحريم زواج المسيار:
ذهب عدد من العلماء المعاصرين إلى القول بتحريم زواج المسيار، ومنهم:
• الدكتور محمد الزحيلي الذي يقول: " أرى منع هذا الزواج وتحريمه لأمرين:
أ- إنه يقترن به بعض الشروط التي تخالف مقتضى العقد، وتنافي مقاصد الشريعة في الزواج، وتربية الأولاد، ووجوب العدل بين الزوجات،كما يتضمن عقد الزواج، تنازل المرأة عن حق الوطء، والإنفاق.... وغير ذلك. وإن الزوجة التي تنازلت عن حقها اليوم، والمبيت عندها، وحقها في المعاشرة الزوجية،كثيراً ما تغيّر رأيها، وخاصة بعد أن تدرك الحياة الزوجية... وقد يجبرها ذلك إلى التقصير بحق أولادها أو العجز عن تربيتهم، أو الانحراف بحياتها وعرضها، وكثيراً ماتعجز عن مجابهة الظروف في المستقبل، وهذا يقود إلى السبب الثاني.
ب- يترتب على زواج المسيار كثير من المفاسد والنتائج المنافية لحكمة الزواج في المودة والسكن والعفاف والطهر، من ضياع الأولاد، أو السرية في الحياة الزوجية والعائلية، وعدمإعلان ذلك، وقد يراهم أحد الجيران أو الأقارب فيظن بهما الظنون، ويرتاب بوضعهما، وكثيراً ما يتهمهما بالوقوع في الحرام، وقد يدفعه الحماس إلى الاعتداء عليهما أوعلى أحدهما...لذلك أرى تحريم نكاح المسيار سداً للذرائع، لأن كل ما أدى إلى الحرام فهو حرام، وللسياسة الشرعية، وهذه النتائج تقع عادةً وليست مجرد أوهام أوخيالات أو أمور طارئة أو نادرة، فيجب أخذها بعين الاعتبار، والله أعلم.
• وكذلك يرى الدكتور عمر سليمان الأشقر، أن زواج المسيار غير مقبول شرعاً، وأما أسبابعدم قبوله فعدة أمور:
الأول: مخالفة هذا الزواج للزواج الذي جاءت به الشريعة الإسلامية، لأن العاقدين لا يقصدان المقاصد التي حددها الشارع مع إقامة الزواج على المودة والرحمة، وتربية الذرية الصالحة، ولا يقوم الزوجان بالواجبات التي تترتب عليهما، ولأن القوامة معدومة في هذا الزواج، وفيه استغلال من الرجل للمرأة، واشتراط عدم الإنفاق وعدم السكنى والمبيت، وهي شروط باطلة تبطل العقد.
الثاني: لايقصد العاقدان من هذا الزواج المقاصد التي حددها الشارع، من المودة والرحمة، وتربية الذرية الصالحة، وقيام كل من الزوجين بواجباته.
الثالث: القوامة معدومة في هذاالزواج، وهي ناشئة من طبيعة خاصة بالرجل بالإضافة إلى إنفاقه من ماله على زوجته، وبالتالي فالمرأة لا تطيع زوجها.
الرابع: في هذا الزواج استغلال من الرجل للمرأة، فهو يلبي رغباته الجنسية، لا هدف له إلا ذلك، من غير أن يتكلف شيئاً في هذاالزواج.
الخامس: اشتراط عدم الإنفاق، وعدم السكنى والمبيت شروط باطلة، وبعض أهلالعلم يرى أن هذه الشروط تبطل العقد، ومنهم من يرى أن هذه الشروط باطلة والعقد صحيح، وعلى القول بالصحة، فإن الزوجة تستطيع مطالبته بما اشترط إسقاطه، وهذا سيجعل الذين سيقدمون على هذا الزواج يعزفون عنه، لعلمهم ببطلان هذه الشروط.
السادس: هذا الزواج سيكون مدخلاً للفساد والإفساد، وهو ليس بعيداً عن الزنا حيث يتساهل فيهفي المهر، ولا يتحمل الزوج مسؤولية الأسرة، ويسهل عليه أن يطلق وقد يعقد سراً، وقديكون بغير ولي، وهذا يجعل الزواج لعبة بأيدي أصحاب الأهواء.
السابع: وقد علمناانه فعلاً اتخذ لعبة، فأخذت مكاتب تقوم لمثل هذا الزواج، وعند ذلك سيصبح كنكاح المتعة بل هو أقبح.
• وممن قال بتحريم زواج المسيار أيضاً، الدكتور عبدالله الجبوري، والدكتور إبراهيم فاضل الدبو، والدكتور جبر الفضيلات وغيرهم.
ثالثاً: المتوقفون عن الإفتاء بتحليل أو تحريم زواج المسيار:
توقف بعض أهل العلم عن الحكم على هذا النوع من الزواج، وتوقفهم هذا يدل على أن حكمه لم يظهر لهم، فهم يحتاجون إلى مزيد من النظر والتأمل. ومن هؤلاء فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى، والدكتور عمر بن سعود العيد الأستاذ بكلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود، كما أن عدداً من العلماء توقفوا عن إعطاء حكم لزواج المسيار.
رابعاً: الرأي الراجح في زواج المسيار:
في الحقيقة ليس من السهل إعطاء حكم في زواج المسيار الذي يحتاج إلى نظرة علمية عميقة، واجتماعية دقيقة، ومقارنةب ين سلبياته وإيجابياته من وجهة نظر شرعية، فقد رأينا أنَّ الذين قالوا بإباحته إنما نظروا إلى عقد الزواج الخارجي، فرأوا أنه عقد استكمل أركانه وشرائط انعقاد هوكان فيه حلّ لمشكلات اجتماعية، فلم يجدوا مسوّغاً لإبطاله.
بينما نجد الذين قالوا بتحريم زواج المسيار قد نظروا في ماهية العقد، فوجدوا فيه ما يبطله بسبب سرية هذا الزواج، وبسبب تأثير إسقاط المرأة حقها في النفقة والسكنى والمبيت على مذهب المالكية. كما نظروا إلى ما بعد العقد، فوجدوا أن زواج المسيار يتنافى ومقاصد الشريعة في الزواج من السكن والمودة وتربية الذرية الصالحة، والقوامة على الأسرة. كما وجودوا أن هذا الزواج قد يكون ذريعة ومدخلاً للفساد والإفساد، لأنهمن السهل على الرجل أن يتزوج مسياراً وسرعان ما يطلق، لأن تكاليف هذا الزواج يسيرة،بل قد يكون ذريعة لاستغلال المرأة وأموالها ثم تركها بلا شيء.
لذلك كله فإنه يبدو لي من خلال ما سبقت دراسته، ورغم كل السلبيات التي قد تنتج عن زواج المسيار أنشرعية عقده، وحله لمشكلة العنوسة وتحصين الرجال الذين يخشون على أنفسهم الوقوع فيالمحرمات، أنه زواج أقرب إلى الصحة منه إلى الفساد، بشرط أن يوثق في الدوائرالرسمية، وأن يأذن ولي الزوجة ويحضر العقد، وأن لا يذكر إسقاط النفقة والسكنىوالمبيت في صلب العقد، وأن يشهد عليه شاهدان عدلان على الأقل، وأن يحسن الزوجوالزوجة نيتهما في تحصين أنفسهما وعدم قصدهما أمراً غير مشروع، والله أعلم.
المحور الخامس: الزواج العرفي وحكمه
الزواج العرفي له صورتان:
الأولى: أن يتم عقد الزواج بين الرجل والمرأة بغير إذن ولي المرأة، وهو عقد يصححه الحنفية، ولا حجة لهم في تصحيحه، وقد اتفق جماهير أهل العلم على فساده، مستدلين بقوله عليه الصلاة والسلام:" لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل".
والحقيقة أن النص كاف في تقرير الحكم بفساد هذا النوع من العقود، وتؤكد عليه مقاصد الشريعة، فإن تصحيح هذا النوع من العقود يفضي إلى إشاعة الفساد في الحياة الاجتماعية وتفكيك الأسرة وانتشار ظاهرة العقوق للوالدين.
الثانية: أن يتم عقد الزواج بين الرجل والمرأة بحضور وليها وإذنه، إلا أنه لا يتم تسجيله في المحاكم الرسمية، وهو عقد صحيح شرعاً، إذ لا أثر في صحة العقد إن لم يتم تسجيله في المحاكم الرسمية، إذ غاية التسجيل حفظ حقوق الطرفين لا أكثر دفعاً للتنازع.

اكتب تعليق

أحدث أقدم