رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن جرائم الشرف محرمة شرعا وعقلا



بقلم المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي ,
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن جرائم الشرف محرمة شرعاً، وعقلاً، وواقعاً؛ لما لها من آثار نفسية، واجتماعية، واقتصادية على الفرد والمجتمع، والنظام العام للدولة، والفقه الإسلامي يدفع الجريمة قبل وقوعها، ويرفعها بعد الوقوع بأحكام شرعية محكمة موضوعية واقعية عادلة.
وفي الجانب الوقائي تتعدد صور مكافحة الجريمة بشكل عام، وجرائم الشرف بشكل خاص، وفيما يلي أهمها:
أولاً: الالتزام بالآداب الإسلامية في الأماكن العامة:
إذا أحب الله عبدا جعل له واعظاً من نفسه، وزاجراً من قلبه يأمره وينهاه، ولا يتحقق ذلك إلا بالخوف من الله تعالى؛ لأنه اللجام القامع عن الفساد، وسببه معرفة شدة عذاب الله تعالى، وهذه القاعدة الفكرية للآداب الإسلامية توجب على المسلم أن يلتزم بالآداب الإسلامية أثناء انتفاعه في المرافق العامة للدولة؛ لأن الانتفاع مشروط بعدم الإضرار بالآخرين، وأن يمنع الإنسان نفسه من الوقوف في مواقف الريب، ومظان التهمة، دليل ذلك ما ثبت عن النعمان بن بشير- رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه."[1] ولم يترك الإسلام أمر الالتزام بالآداب الإسلامية في الأماكن العامة للوازع الديني فقط بل جعله فوق ذلك من واجبات الحاكم، ومن خلال مؤسسات الدولة، وبشكل خاص مؤسسة الحسبة.[2]
ثانياً: الرقابة المؤسسية:
الرقابة: الحفظ والمتابعة، والحراسة، وتنفيذ ذلك بمجموعة من السياسات، والإجراءات التي تضعها الدولة لمتابعة تنفيذ الأحكام الشرعية في جميع شؤون الدولة السياسية والمالية والاجتماعية والأخلاقية والتربوية وغيرها من أجل تحقيق أهداف الدولة العليا؛ لعلاج نواحي الضعف، ومنع تكرار الخطأ.[3]
قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النور: 24].
جاء في فتح القدير:
"والمعنى تشهد ألسنة بعضهم على بعض في ذلك اليوم، وقيل تشهد عليهم ألسنتهم في ذلك اليوم بما تكلموا به ، وأيديهم وأرجلهم بما عملوا بها في الدنيا، وإن الله سبحانه ينطقها بالشهادة عليهم، والمشهود محذوف وهو ذنوبهم التي اقترفوها، أي تشهد هذه عليهم بذنوبهم التي اقترفوها، ومعاصيهم التي عملوها."[4]
ثالثاً: الرقابة الأسرية:
الرقابة في الفقه الإسلامي تبدأ بالذات بأن يجعل الإنسان من نفسه رقيباً على نفسه، ويمنعها من الوقوع في الخطأ بسبب العقيدة الراسخة في النفوس، وفي هذا المجال تتميز الشريعة عن القوانين الوضعية، وفي الأسرة يكون الزوج والزوجة والأولاد كل منهم رقيباً على الآخر.
قال تعالى: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [آل عمران: 37].
جاء في أحكام القرآن: " فتقبلها ربها بقبول حسن، المعنى سلك بها طريق السعداء ومعنى التقبل التكفل في التربية، والقيام بشأنها يعنى سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان.
والمحراب في اللغة أكرم موضع في المجلس، وكانت في غرفة كان زكريا يصعد إليها بسلم، فكفلها زكريا وأخذ لها موضعا فلما أسنت جعل لها محرابا لا يرتقى إليه إلا بسلم، واستأجر لها ظئرا، وكان يغلق عليها بابا، وكان لا يدخل عليها إلا زكريا حتى كبرت، فكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله، فتكون عند خالتها، وكانت خالتها امرأة زكريا، وكان زكريا إذا دخل عليه يجد عندها فاكهة الشتاء في القيظ، وفاكهة القيظ في الشتاء، فقال: يا مريم أنى لك هذا؟ فقالت: هو من عند الله، فعند ذلك طمع زكريا في الولد، وقال إن الذي يأتيها بهذا قادر أن يرزقني ولدا "[5].
وقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: 135].
تفيد الآية الكريمة وجوب الأمر بالمعروف للوالدين، والأقربين؛ وذلك بسبب ورود الأمر فيها؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب.
رابعاً: الرقابة الشعبية:
ونقصد بذلك أن يكون الإنسان رقيباً على أخيه الإنسان، وأصل ذلك قاعدة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ وذلك لمنع الفساد أو المنكر من الوقوع، ورفعه بعد الوقوع، وهذا يؤدي إلى تضامن المجتمع في منع وقوع الجرائم بشتى صورها ومن ذلك جرائم الشرف.
قال ابن تيمية:
"وكل بني آدم لا تتم مصالحهم لا في الدنيا، ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتعاون والتناصر، فالتعاون على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم؛ ولهذا يقال: الإنسان مدني بالطبع، فإذا اجتمعوا فلا بدّ لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة، وأمور يجتنبوها؛ لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد، والناهي عن تلك المفاسد."[6] والأدلة على ذلك كثيرة نذكر منها:
أ - قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2].
وجه الاستدلال بالآية الكريمة:
تفيد الآية الكريمة وجوب تعاون الأمة على تحقيق الخير للمسلمين، وسد سبل الشر والعدوان بحسب الإمكان، وهذا الواجب لا يتحقق إلا من خلال الرقابة الشعبية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ب- قال تعالى: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُالْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110].
وجه الاستدلال بالآية الكريمة:
حوت هذه الآية وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهي على منازل أولها تغييره باليد إذا أمكن، فإن لم يمكن، وكان في نفيه خائفا على نفسه إذا أنكره بيده، فعليه إنكاره بلسانه، فإن تعذر ذلك لما وصفنا، فعليه إنكاره بقلبه.[7]
ج- عن حذيفة بن اليمان، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم."[8]
د- عن طارق بن شهاب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" [9]
هـ- عن عبدالله بن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل."[10]
وجه الاستدلال بالأحاديث:
تقتضي الأحاديث وجوب الرقابة الشعبية، والمتمثلة بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي ذلك يقول القرافي: " إنما يؤمر بالمعروف، وينهى عن المنكر بثلاثة شروط الأول: أن يعلم ما يأمر به، وينهى عنه، والثاني: أن يأمن أن لا يؤدي إنكاره المنكر إلى منكر أكثر منه مثل أن ينهى عن شرب الخمر، فيؤول نهيه عنه إلى قتل النفس، ونحوه، والثالث: أن يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له، وأن أمره بالمعروف مؤثر فيه، ونافع، وفقد أحد الشرطين الأولين يمنع الجواز، وفقد الثالث يسقط الوجوب، ويبقى الجواز والندب، ثم مراتب الإنكار ثلاث: أقواها أن يغير بيده، وإن لم يقدر على ذلك انتقل للمرتبة الثانية، فيغير بلسانه إن استطاع، وليكن برفق ولين ووعظ إن احتاج إليه، فإن لم يقدر انتقل للرتبة الثالثة، وهي الإنكار بالقلب وهي أضعفها."[11]
خامساً: العقوبة القضائية:
تتنوع عقوبات جرائم الشرف والتي تصدر بحكم قضائي؛ لتشمل الحدود، والقصاص، والتعزير، والعقوبة التعزيرية يترك تحديد العقوبة فيها للحاكم المسلم نوعا، ومقدارا وفق ما تقتضيه مصلحة الدولة العليا، وأمنها الاجتماعي، والسياسي؛ لأن تصرف الحاكم منوط بالمصلحة، وحيثما تحققت المصلحة المعتبرة شرعا فثمّ شرع الله تعالى ودينه.
سادساً: تقنين نظام خاص للحماية من العنف الأسري:
ويشمل النظام أحكام جرائم العنف الأسري، ويبين أن جميع الإجراءات، والمعلومات المتعلقة بقضايا العنف الأسري تتمتع بالسرية التامة، ويُلزم مقدمي الخدمات الطبية، أو الاجتماعية، أو التعليمية من القطاعين العام، أو الخاص بإبلاغ الجهات المختصة حال علمهم، أو مشاهدتهم آثار عنف اسري؛ لاتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامة المتضرر من أفراد الأسرة حال علمهم بأي من قضايا العنف الأسري.
وهذا يقتضي تقنين الأحكام التي يترتب عليها، أذى بدنياً، أو جنسياً، أو نفسياً، أو معاناة للمرأة أو لأحد أفراد الأسرة، بما في ذلك التهديد بالقيام بأعمال من هذا القبيل، أو الإكراه، أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة، أو الخاصة.
والعنف البدني، أو الجنسي، أو النفسي الذي يمكن أن يحدث داخل المجتمع بوجه عام، بما في ذلك الاغتصاب، والاعتداء الجنسي، والتحرش الجنسي، والتخويف في مكان العمل، وفي المؤسسات التعليمية وغيرها.
والقضاء على العنف الواقع على أحد أفراد الأسرة داخل الأسرة، أو خارجها، ومنع تعدد الاجتهادات فيه يقتضي تقنين نظام خاص للحماية من العنف الأسري يقوم على الحق والعدل، ويمنع أشكال التمييز ضد المرأة في بعض الأسر المسلمة - إن وجد لدى بعض الأسر المسلمة فإن وجوده يكون عن جهل، وعدم دراية - وهذا يستلزم استحداث هيئة قضائية متخصصة في محكمة الجنايات؛ للنظر في القضايا التي يتم الادعاء فيها أنها ارتكبت بدافع الشرف، وعقد دورات تدريبية للقضاة، والمدعين العامين حول فهم وتطبيق النظام الخاص بحماية الأسرة من العنف؛ لتعزيز قدراتهم على التعامل مع هذا النوع من القضايا؛ للحفاظ على المصالح العليا للدولة.
[1] صحيح البخاري، ج 2، ص 723، باب: الحلال بيِّن والحرام بيِّن.
[2] انظر: الأحكام السلطانية؛ للماوردي، ص 269.
[3] انظر: القاموس المحيط، ج 1، ص 212، ومختار الصحاح، ص 252، والمعجم الوسيط، ج 1، ص 364.
[4] فتح القدير، ج 4، ص 22، وانظر: الجامع لأحكام القرآن، ج 19، ص 99.
[5] الجامع لأحكام القرآن، ج 4، ص 69 وما بعدها.
[6] الحِسبة، ص 4.
[7] أحكام القرآن؛ للجصاص، ج 2، ص 315، وانظر: مجموع الفتاوى، ج 11، ص 510.
[8] الحديث حسن؛ انظر: سنن الترمذي، ج 4، ص 468، باب: ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[9] صحيح مسلم، ج 1، ص 69، باب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان.
[10] صحيح مسلم، ج 1، ص 69، باب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان.
[11] الذخيرة، ج 13، ص 302

اكتب تعليق

أحدث أقدم