رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن العمل الجماعي ضرورة من ضروريات الحياة



بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
يراد بسُنن الله عز وجل في الكون: القوانين التي تحكم الكون وحياة الناس قدرًا بمشيئة الله، وتجري باطِّراد وثبات وعموم في حياة البشر، فلله تعالى سننٌ في الأفراد، وسنن في الأمم، وسنن في الحياة، وغير ذلك، وهذه السنن لا تتبدل ولا تتأخر، وتأتي مجتمعةً، فيخضع البشر لها في حياتهم وسلوكهم وتصرفاتهم، وبناءً على هذه السنن تترتب النتائج في الكون من نصرٍ أو هزيمةٍ أو قوةٍ أو ضعفٍ، أو عزةٍ أو ذلٍّ، أو غير ذلك، وفي هذه السنن قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ [فاطر: 43].
العمل الجماعي ضرورة من ضروريات الحياة:
"إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وركَّبه على صورة لا يصلح حياتها ولا بقاؤها إلا بالغذاء، وهداه إلى التماسه بفطرته، وبما ركَّب فيه من القدرة على تحصيله، إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء، غير موفية له بمادة حياته منه، ولو فرضنا منه أقلَّ ما يُمكن فرضه وهو قوتُ يوم من الحنطة مثلًا، فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ، وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري، هبْ أنه يأكل حبًّا من غير علاج، فهو أيضًا يحتاج في تحصيله إلى أعمال أخرى أكثر من هذه؛ كالزراعة والحصاد، والدراس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل، ويحتاج كلُّ واحد من هذه إلى آلات متعددة وصنائعَ كثيرة أكثر من الأولى بكثيرٍ، ويستحيل أن توفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد، فلا بد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم"[1].
العمل الجماعي لا يختص بالبشر:
يزخَر عالم الحيوان بأنماط من العمل الجماعي، لعل أوثقها وأكثرها إيجابية ذلك الذي تعيشُه الحيوانات الاجتماعية التي تنتظم في مجتمعات تسودُها قواعدُ صارمة لتوزيع الأعباء وتقاسُم المنافع، وتتميز بوجود وسائلَ فاعلةٍ للتخاطب والتفاهم، كما تبرز فيها قِيمٌ عليا كالتفاني والإيثار، واستعداد الفرد لبذل حياته طوعًا فداءً للمجموع.
أما أنماط العمل الجماعي، فمع تنوُّعها وتعدُّد أشكالها، فإن العلماء يقسمون أهدافها إلى قسمين رئيسين للتبسيط، وهما الدفاع أو الحماية، وتأمين الحصول على الغذاء والمأوى.
بالطبع هناك أهداف أخرى للتعاون، كاللهو والترويح أو رعاية الصغار وتنشئتهم، غير أن مثل هذه الأهداف يعتبرها العلماء أهدافًا ثانوية بالقياس إلى الدفاع وجلب الغذاء، ولنأخذ بعض الأمثلة على ذلك:
الطيور:
من مظاهر تعاون الحيوان بغرَض الدفاع مثلًا تحرُّك الطيور في أسراب، فبهذه الطريقة يمكن للطيور أن تراقب بشكل جماعي أي مُعتدٍ يقترب منها، وعندما يرصد أي طائر خطرًا ما، فإنه يطلق صيحة تحذير يستجيب لها كلُّ طائر بأن يفرَّ مبتعدًا عن مركز السرب، فيتشتت الجمع، ويتشتت معه تركيزُ المفترس، فيفشل في اقتناص أي فرد من أفراد المجموعة.
النمل:
وفي النمل الأبيض تبلغ مظاهر التعاون ذِروتَها في بناء المساكن؛ إذ تشترك الآلاف وربما الملايين في بناء المسكن، وفي تقديري أن النمل الأبيض أيضًا قد سبق البشر إلى ابتكار عمارة الفقراء، فالنمل الأبيض يُشيد منازله من أرخص الخامات وأوفرها في بيئته، ألا وهي حبات التراب، وبرغم ضآلة هذه اللبنات فإن بعض منازل النمل الأبيض يصل ارتفاعها إلى ما يوازي ارتفاع طابقين من مساكن البشر، ويتمتع بصلابة لا تقل كثيرًا عن صلابة الخرسانة الإسمنتية، ولا شك أن منزلًا يقطنه ما يتراوح ما بين مائة ألف وعشَرة ملايين فرد من النمل، لا بد أن يكون على هذا القدر من الضخامة والشموخ، كما يجب أن تتوافر فيه وسائلُ محكمة للتهوية، وطرقٌ لتنظيم الحرارة، ومسالك للإخلاء السريع عند الخطر، كل ذلك أبدعه النمل الأبيض في ابتكاره على أحسن ما يكون من فنون العمارة[2].
النحل:
النحل يقسم العمل داخل وخارج الخلية حسب احتياجه؛ حيث إن العمل داخل الخلية يخص صغارَ النحل، والعمل خارجها يخص كبارَ المحل، كما نجد هناك النحل الحارس، والنحل المسؤول عن أعمال النظافة داخل الخلية، والنحل المسؤول عن جمع الرحيق، والنحل المسؤول عن تهوية الخلية من الداخل، والنحل المسؤول عن تقديم الرعاية للملكة، كما أن النحلة عند انتهائها من واجبها لا تتوقف عن العمل، بل تذهب لمساعدة أخواتها في أعمالهم طالَما كان بإمكانها ذلك، كما تعد مملكة النحل رمزًا للتضحية والعطاء، فقد تموت النحلة جوعًا لتطعم صغار النحل، وقد تموت بردًا لتمنح الدفء لغيرها.
يصمد النحل لدرجات الحرارة الباردة باتباع إستراتيجية تقوم على توحيد الجهود والتعاون المتبادل، فهي تتضام وتتكتل، لتؤلِّف ما يُشبه الكرة، وتمضي في حركة دؤوبة تشبه الرقص، ولتحقيق غايتها تحرِص على تبادل المواقع فيما بينها، فتنتقل الجماعة الموجودة على الحافة الخارجية الباردة إلى الوسط، في حين تتحرك الجماعة التي في الوسط إلى الخارج، وإذا أصرت الجماعة في الوسط على البقاء هناك وترك الباقي على الأطراف، فلربما هلك الجميع[3].
وقد ذكر الله عز وجل النحل والنمل في القرآن الكريم:
﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [النمل: 18].
﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 68، 69].
فهذه البيوت الحامية من ضخامة البشر، وهذا الشراب الشافي لأمراضهم لا يتم إلا بعد جهد جماعي منظم فتأمل!!
العمل الجماعي طريق النجاح والابتكار:
أجمع أصحابُ الإدارة والأعمال على فعالية العمل الجماعي في نجاح الشركات والمؤسسات والقيادات، وهذا مما ثبت عقلًا وواقعًا؛ حيث يقول نابليون هيت: إن المبدأ الذي يقوم عليه العقل الموجه هو أن اثنين أو أكثر من الناس ينهمكون في ملاحقة هدف محددٍ مع اتجاه ذهني إيجابي يشكلون قوة لا تهزم[4].
وليس العمل الجماعي هو طريق النجاح فقط، إنما هو سبيل الابتكار والتنمية والارتقاء بمستوى العمل ونتائجه، فالابتكار يتكلَّل بالنجاح حينما يجتمع له أشخاص من تخصصات وخلفيات مختلفة، لوضع احتمالات جديدة لم يكن أي منهم يستطيع تصوُّرها بمفرده، يتطلب تحقيق هذا أن يتعاون الأفراد المختلفون في العمل معًا على أفضل نحو ممكن.
إن أفراد الفرق الذين يحققون الابتكارات، لا يكتفون بمجرد وضع خبراتهم وأفكارهم في مشروع بعينه ثم مزجها معًا، بل يجدون سبلًا فاعلة للعمل معًا والتعاون المثمر فيما بينهم، إنهم يجدون طرقًا لإحداث تكامل بين وجهات نظرهم المختلفة تمامًا، وذلك من أجل وضع احتمالات غير مسبوقة، وهذا هو العمل الجماعي[5].
ومن أبز الأمثلة الواقعية التي تُبرهن فضل العمل الجماعي في نهضة الأمم مدنيا (اليابان)، فالسر الحقيقي وراء نجاح اليابانيين هو قدرتهم على العمل معًا، وهم لا يعبؤون كثيرًا إلى من يذهب الفضل والتقدير، بل يهتمون بالعمل معًا والفوز معًا، وذلك هو السبب الذي جعل (اليابان) واحدة من أغنى البلاد في العالم اليوم[6].
أما على صعيد المؤسسات الكبرى والمهمة في العالم، فنذكر بيل غيتس صاحب شركة "مايكروسوفت"؛ حيث عزا نجاح شركته إلى روح الابتكار والعمل الجماعي[7].
فكما نرى أن غير المسلمين مارسوا العمل الجماعي سبيلًا للنجاح والابتكار لإقامة دنياهم وحضارتهم المادية، ومحاربة المسلمين أيضًا، وللأسف فمع أن العمل الجماعي من تعاليم شرعنا، فإننا مقصرون بالأخذ به في إقامة دنيانا ونصرة ديننا.
[1] مقدمة ابن خلدون، / 272 - 274.
[2] صادق، مدحت، فـرق العمل في عالم الحيوان، مجلة القافلة.
[3] تشارلز ب دايغرت، النجاح جهد جماعي، ترجمة: سعيد الأسعد، ص: 33.
[4] الفقي، إبراهيم، العمل الجماعي، ص: 8.
[5] إيمي سي إد موند سون، العمل الجماعي من أجل الابتكار، ترجمة: سارة عادل، ص: 10.
[6] الفقي، ابراهيم، العمل الجماعي، ص: 11.
[7] تشارلز ب دايغرت، النجاح جهد جماعي، ترجمة: سعيد الأسعد، ص: 31.

اكتب تعليق

أحدث أقدم