وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ....بقلم الاستاذ الدكتور حمدي سيد محمد محمود

 


 وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

د. حمدي سيد محمد محمود

كان لظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية تأثيرًا كبيرًا على أهلها، ونقلهم هذا التحول

 الكبير إلى مستوى جديد من التحضر والارتقاء الفكري، حيث ارتبط هذا الازدهار الفكري

 في هذه المنطقة بظهور الإسلام ، وانتشار تعاليمه التي حثت المؤمنين بها على التفكير

 العقلاني في كل الأمور، وعلى الإيمان بالإسلام بقناعة عقلية راسخة، كما حثهم على

 التفكير بكل حرية في الكون بكل ما يحمله من قوانين دقيقة تحكم حركته.

لقد نزل القرآن الكريم على النبي الكريم (ص) بكلمة "اقرأ" أي بالحض على القراءة

 والمعرفة، والمتأمل في آياته الكريمة سيجد أن كثيرا منها يدعو إلى الحث على التفكير

 والتدبر مثل قوله تعالى: "أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ

 شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ" سورة الأعراف 

- الآية 185 ، و قوله تعالى: "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ"

 سورة ص الآية 29، وقوله تعالى: "أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ

 وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى" سورة الروم الآية 8 ، وقوله تعالى: "أَفَلَا

 يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ *

 وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ" سورة الغاشية الآيات 17-20 "، إلى غير تلك الآيات.

كما أن الكثير من هذه الآيات توضح للمسلمين كيفية الدعوة إلى دين الإسلام كقوله تعالى

 "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" سورة النحل

 الآية 125. وواضح أن في ذلك دعوة صريحة إلى استخدام الحكمة والجدل في نشر

 الدعوة.

وفي واقع الأمر  نلاحظ أن القرآن الكريم قد وظف الجانب التطبيقي في آياته الكريمة،

 وكذلك استخدم كل وسائل الإقناع وكل أنواع الحجج المنطقية السليمة في الرد على

 المنکرین بأن الله واحد وأنه هو الخالق المبدع لكل ما في الكون ولم يكن ممكنا لأناس

 آمنوا بهذا الدين إيمانا راسخا وكانوا على وعي تام بكل كلمة نزلت على رسولهم الكريم

 (ص)،  إلا أن يعملوا عقولهم في كل شيء، فطالما أنه لا يوجد نص ثابت في موضوع

 ما، فليس أمامهم من بديل غير الاجتهاد والقياس للوصول إلى الحكم الشرعي، ما دام

 يسير تحت مظلّة النصوص ويحقق مقاصدها.

ولقد كانت السنة المطهرة تطبيقا عمليا لما ورد في القرآن الكريم  في الحث على التفكر والنظر والتدبر وكلها أمور تتعلق بإعمال العقل، فقد أمر الرسول الكريم (ص) أصحابه بالسعي الجاد لطلب الحكمة والعلم أيا كان مصدرهما قائلا " "طلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلم"، رواه ابن ماجه والطبراني، كما دعاهم إلى عدم التقليد وإلى التفكير باستقلال عن الآخرين في الحديث الذي رواه الترمذي، "لاَ تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاؤوا فَلاَ تَظْلِمُوا".

وختامًا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكثر الإصغاء لأصحابه ويستشيرهم في الأمور المهمة ويحثهم على إبداء الرأي في كل ما لم ينزل فيه نص قاطع. ونتيجة لذلك ، نشأت بيئة تشجع على حرية الفكر والاستقلالية في التعبير عن الرأي، فما أحوجنا اليوم لمثل هذه المقاصد الجليلة والغايات العظيمة، التي شرعها الله تعالى لتحقيق السعادة للإنسان في دنياه وآخرته.

اكتب تعليق

أحدث أقدم