الدكتور حمدي سيد محمد محمود ...عن التنوير في المفهوم الغربي ... أتحدث

 


عن التنوير في المفهوم الغربي ... أتحدث

د. حمدي سيد محمد محمود - باحث أكاديمي

dr.hamdysayedmohamed@gmail.com

 

في كتابه الرائع تأملات في قضايا معاصرة تناول مؤلفه الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري قضية جدلية تتعلق بموضوع التنوير وما يحمله من دلالات تثير الكثير من الجدل بين مختلف التيارات والاتجاهات الفكرية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية على السواء، ومما قاله حول هذا الموضوع:

إن التنوير قضية أوروبية محض، انبثقت في المحيط الأوروبي، نتيجة ظروف كانت تسود المجتمعات الأوروبية، وكرد فعل لهيمنة الكنيسة الغربية على الحياة العقلية والفكرية والثقافية في أوروبا. ولذلك فإن قيام مفهوم التنوير الأوروبي على إلغاء دور الدين في الحياة، مسألة طبيعية، إذا نظرنا إليها من زاوية ما كانت تمارسه الكنيسة الغربية من ضروب الاستبداد وألوان القهر ، وما كانت تشیعه من أباطيل وخرافات، وبحكم أن أوروبا كانت عندئذ، تعیش العصور المظلمة، في حين كان العالم العربي الإسلامي يعيش ازدهارا حضاريا واسع الإشعاع.

إن التنوير في المفهوم الغربي، كان تنويرا للقرون الوسطى المظلمة التي عاشتها أوروبا. وهنا ينبغي أن ننبه إلى أن كلمة (القرون الوسطى المظلمة)، لا تمثلنا، ولكنها تمثل أوروبا والغرب، حين سقطت روما في القرن الرابع، وعادت النهضة في القرن الرابع عشر، أما نحن المسلمين فقد قدمنا الضياء للإنسانية والعالم كله ، منذ بزوغ الإسلام في القرن السادس خلال ألف سنة كاملة . لقد قام المسلمون في القرون الوسطى المظلمة في أوروبا بإعادة نور الحضارة والمدنية الذي كان قد انطفأ، في جميع بلاد الغرب والشرق حتى القسطنطينية .

لقد كانت حركة التنوير في أوروبا رد فعل طبيعيا على الجبروت التي كانت السلطات الكنسية تمارسه ضد العقل والإرادة الإنسانية. وهو وضع لم تعرفه الحضارة الإسلامية، وحالة لم يعشها المسلمون قط.

ولذلك، فإن الاستقلال بالرأي والاعتماد على العقل في تفسير الظواهر ومعرفة كنه الأشياء، اللذين ملهما التنوير الأوروبي، كان استقلالا عن هيمنة الفكر الكنسي، وعقلانية رافضة للكهنوت، وتحررا من صورة المسيحية الغربية التي كانت سائدة يومئذ، وتقدما عن الأفكار التي فرضها رجال الدين في أوروبا قبل عصر التنوير ، ففي مواجهة الفعل التي تمثل في تحالف الكنيسة والإقطاع، كان رد الفعل التنويري)، الذي أعلن رفضه لسلطان الدين، ورفع شعاره القائل "لا سلطان على العقل إلا للعقل".

فطغيان الكنيسة الغربية على ما كان يصاحبه من قهر لإرادة الإنسان، وتضييق لحريته، وتزييف لعقله وتضليل له، هو الدافع الرئيس - الذي هو أقوى من كل دافع - لنشوء فكرة التنوير، مما يجعل من التنوير قضية أوروبية في المقام الأول، ينبغي فهمها وبحثها، من هذا المنظور، والتعامل معها في هذا الإطار، وليس بحسبانها قضية إنسانية عالمية تفرض نفسها على الشعوب والأمم كافة .

لقد كانت القضية في أوروبا، واضحة المعالم، مفهومة الأدوار، منطقية التسلسل. كانت الكنيسة في الموقف الخاطئ، سواء بعقيدتها المحرفة، وحجرها على العقل لمنع الناس من كشف ما في عقيدتها من تحريف، أو بطغيانها في جميع المجالات، من طغیان روحي، وطغيان مالي، وطغيان سياسي، وطغيان علمي، أو ما وقع من الفساد بين رجال الدين، أو بفضائح الأديرة، أو بمهزلة صكوك الغفران، أو محاكم التفتيش، أو بوقوف الكنيسة ضد حركات الإصلاح التي تطالب برفع الظلم السياسي والاجتماعي عن كاهل الناس. وكان "أحرار الفكر" أقرب إلى الصواب، في معارضتهم للكنيسة ومقولاتها على الأقل، وإن لم يكونوا على صواب في محاربة الدين كله من حيث المبدأ، والمناداة باستخدام العقل بديلا من الدين، وقد منح الله الناس العقل ليعرفوه به، لا لينكروه ويتمردوا عليه.

ولذلك فإنه ليس من الموضوعية والمنهجية العلمية في شيء، فرض المفهوم الأوروبي للتنوير على المجتمعات العربية الإسلامية، وممارسة الضغط الذي يبلغ أحيانا حد الإرهاب الفكري - للعمل بمقتضى هذا المفهوم الذي لا يمت بصلة إلى الفكر العربي الإسلامي، ولا يعبر، على أي مستوى من المستويات، عن مرجعيتنا الإسلامية، وخصوصيتنا الثقافية، وهويتنا الحضارية.

 

 

اكتب تعليق

أحدث أقدم