رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فلسفة الأخلاق



بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن المفهوم الفلسفي للأخلاق مفهومٌ ضاربٌ في أعماق الإنسانية، جُبِل عليه البشر للدلالة على تميُّزهم عن سائر المخلوقات، وإن كان من الكائنات من يتصرف تصرفًا نعده محمودًا؛ كأن تعطف هرة على جرو وتتقبَّله بين صغارها!
ويعزو هذا المفهوم الأخلاق إلى أنها مجموعة القيم والمبادئ التي يتحلى بها الأفراد أو الجماعات، وتعتبر شكلًا من أشكال الوعي والحضارة الإنسانية، ينادي بها العقلاء والحكماء، ولا تستقيم أمور الدولة بنظمها وقوانينها إلا بها.
والأخلاق نزعة إنسانية تدعو لفعل الخير وتجنُّب أعمال الشر ومشتبهاته، وهي أيضًا مكون ديني ثابت لا تستقيم العبادات والمعاملات من دونه، فالعدل كأمر أخلاقي تألفه النفس ويقره الشرع وينشده القانون.
والفارق بين الأخلاق في كونها نزعة إنسانية وضرورة تنظيمية في المجتمعات وبين كونها مكونًا إسلاميًّا ساميًا هو أن مصدرها في النفس والمجتمع ربما يتغير من نفس لأخرى ومن مجتمع لآخر في بعض حالاته، فعندما يلتزم المرء بالعفاف وعدم السرقة، فإن المجتمع لا ينبذه والقانون لا يجرمه، لكن لا المجتمع ولا القانون يضمن له عقبى حسنة في آخرته جراء التزامه بالعفاف، كذلك فإن بعض الأعراف الحسنة والأخلاق النبيلة متغيرة من مجتمع لآخر، فالمجتمع الغربي يرى أنه لا بأس بخروج المرأة مُتبرِّجة بزينة، وأن تواعد خطيبها وتحتضنه وتفعل معه ما تفعله المرأة مع زوجها!
وهذه أمور قد درج عليها العرف محافظًا كان أم غير محافظ، حسب البيئة الاجتماعية التي تسير تصرفات الناس حسب النظرة العقلية الحكيمة وحسب ما يرونه من ضرورة اجتماعية لا تقيدها حدود الشرع أو الدين!
غير أن الأمر أصبح له بُعد حديث الظهور نوعًا ما وهو البعد الرقمي للأخلاق، أو الأخلاق الرقمية التي لم أقف على تعريف لها بعد، ولا أدعي أني أخترع هذا المصطلح لتحميل السياق بما لا يحتمله من معانٍ ومصطلحات، خاصة عندما يتعلق الأمر بموضوع متغير ذي أبعاد مختلفة في بعض الثقافات، لكنه ثابت تليد وإلزامي في الثقافة الإسلامية التي تجعل الأخلاق تتسع ليس لتنطلق من الضمير الإنساني فقط، بل من استشعار مراقبة الله تعالى وتقواه! وتلك المراقبة تستدعي أن نسير بالأخلاق وتسير بنا في منعطفات الحياة المختلفة بلا تغير، فليس ما أعده ذنبًا في بيئة ما هو تقرب إلى الله في بيئة أخرى، فالأخلاق في عمومها كلٌّ واحد لا يتجزأ، ومظهر واحد يضفي على الإنسان مدى تمسُّكه بالقيم والمبادئ وتعليمات الشرائع المختلفة!
ويظهر في المجال الرقمي أخلاق هلامية يتخفى وراءها بعضٌ ممن في قلوبهم مرض، وغشيهم نوع من النفاق الاجتماعي، فيظهر في صورة الملاك الطاهر، حسن السيرة والسلوك الرقمي، كحسن صورته المزينة بها صفحته على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالناصح الذي يعظ الناس ليلَ نهارَ بتقوى الله تعالى واتِّباع سنة نبيه والتحلي بالأخلاق الحسنة، لا يتورع أن يرتكب من المعاصي والآثام ما الله به عليم! والأمين الذي يدل الناس على سُبُل النفع المادي والاستثمار ذي العائد المرتفع لا يتورع أن يأكل أموال الناس بالباطل، ويسرق ويسرف بلا رقيب.
ومع الضرورة الحياتية بأن تتم بعض المعاملات عن بُعد، أصبحنا لا نرى من نتعامل معه، وأصبح من لديه فراسة التأمل في وجه الناس فيعرف صادقهم من كاذبهم لا تسعه تلك الفراسة للحكم على الأشخاص الرقميين!
ولا سبيل لتوجيه الأخلاق الرقمية وجهة حسنة إلا بتضييق دائرة المعارف في وسائل التواصل الاجتماعي والتواصي دومًا بالأخلاق الحميدة والنصح الشخصي، وأن يعلم الناس أن ساحة التواصل الاجتماعي كواقع افتراضي لها ما لها وعليها ما عليها، وأنها كالواقع الفعلي من حيث الثواب والعقاب، فما يرتكب من جرم في وسائل التواصل الاجتماعي يعاقب عليه القانون ويؤخذ بذنبه المجرم.

اكتب تعليق

أحدث أقدم