رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن التمثيل الدبلوماسي



بقلم \ الكاتب و المفكر العربى الدكتورخالد محمود عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسس لنظامٍ سياسي راقٍ على عهده - عليه السلام - وهو ما يُسمَّى في القانون الدستوري بالتمثيل الدبلوماسي، وذلك ببعث البعوث والسفراء، الذين يُمثِّلون الإسلام خير تمثيلٍ، يَنشُرون رسالتَه ومبادئه إلى الآفاق بأسلوب تطبعه الحكمة والموعظة الحسنة، والرقيُّ وبُعدُ النظر، ويُمكِن تسطير ذلك في مجموعة من النقاط:
1- فراسته عليه الصلاة والسلام في اختيار الرجال:
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمتَّع بفراسة عظيمة في اختيار الرجال، ومعرفة كبيرة لذوي الكفاءات من أصحابه، فكان يختار لكلِّ مهمة مَن يُناسِبها، فيختار للقيادة مَن يجمع بين سَداد الرأي وحُسْن التصرف والشجاعة، ويختار للدعوة والتعليم مَن يجمع بين غزارة العلم ودَماثة الخُلُق، والمهارة في اجتذاب الناس ويختار للوِفادة على الملوك والأمراء مَن يجمع بين حُسْن المظهر وفصاحة اللسان وسُرعة البديهة، وفي الأعمال الفدائية يختار مَن يجمع بين الشجاعة الفائقة، وقوة القلب، والمقدرة على التحكم في المشاعر[1].
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يَستعمِل خالدَ بن الوليد على الحرب منذ أسلم، وقال: ((إن خالدًا لسيف سلَّه الله على المشركين))[2].
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله -:
"لأنه - أي خالد بن الوليد - كان أصلح في هذا الباب من غيره، وكان أبو ذر رضي الله عنه أصلح منه في الأمانة والصدق، ومع هذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أُحِب لك ما أُحِب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين ولا تُوَلَّينَّ مالَ يتيم))[3].
والمتأمل في الحديث يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أبا ذر عن الإمارة والولاية؛ لأنه رآه ضعيفًا[4].
2- دور التمثيل الدبلوماسي في الدعوة إلى الله:
يقول الدكتور محمد الهزاط: "هذا ويعطي الإسلامُ أهميةً كبرى لمسألة التمثيل الدبلوماسي؛ لأنه يُمكِّن أولاً: من خدمة المقاصد الدينية الإسلامية لتعريف الشعوب بالدعوة الإسلامية، الدين الإسلامي، ويَدعَم ثانيًا: العلاقات السلمية بين مختلف الشعوب لتسهيل المنافع الاقتصادية، وتحقيق المقاصد الاجتماعية، وتأكيد التفاهم والتعاون، وانتفاع كلِّ أمة بما لدى الأمم الأخرى من مُنجَزات وثقافات تدفع عجلة الإنسانية نحو التقدم والازدهار"[5].
3- الحِسُّ القيادي واختيار الوقت الأنسب لتعميم الدعوة:
فقد جاءت هذه البعوث بعد التمكين والاستقرار لحال الإسلام والمسلمين، "فلما رجع الرسول من صُلْح الحديبية، ورأى سرعةَ إسلام الأفراد والقبائل، وجد أنه قد آن الوقت لتعميم الدعوة إلى الإسلام في خارج جزيرة العرب، فاختار لذلك الغرض رُسلَه من تجار المسلمين، الذين سبق أن رحلوا إلى البلاد التي يريد دعوةَ ملوكها إلى الإسلام ممن يَعرِفون عاداتهم"[6].
فقد راسَل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتَب كتبًا إلى كلٍّ من:
• هرقل، عظيم الروم، وقد حمله دِحيةُ بن خليفة الكلبي.
• كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحارث بن أبي شهر الغسَّاني، وكان أميرًا بدمشق وحمله شُجاع بن وهب الأسدي.
• كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كِسرى، عظيم الفرس، وبعث بالكتاب مع عبدالله بن حُذافة السَّهمي.
• كتابه صلى الله عليه وسلم إلى المُقوقِس، عظيم الروم، وقد بعَثه مع حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه.
• كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي (أصحمه مَلِك الحبشة)، وقد حمل الكتابَ عمرو بن أُميَّة الظهري.
• كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هَوذَة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وأرسل الكتاب مع سَلِيط بن عمرو العامري.
• كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المُنذِر بن ساوَى التميمي صاحب البحرين، وبعث هذا الكتاب مع العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه.
• كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مَلكَي عمان - وهي بلدة باليمن على ساحل بحر اليمن والهند في شرقي هجر - بعث رسول الله بكتابه مع عمرو بن العاص[7].
والناظر في هذه الكتب وما احتوت عليه، يجدها كلها تَصُب في مجرى واحد، وهي الدعوة إلى الإسلام والدخول فيه أفواجًا، ونبْذ ما سواه من الأنداد والطواغيت، ومن ذلك ما كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المُقوقِس، عظيم القِبْط جاء فيها: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من عبدِ الله ورسوله إلى المُقوقِس، عظيم القبط، سلام على مَن اتَّبَع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدِعاية الإسلام، أسلم تَسلَم يؤتِك الله أجرَك مرتين، فإن تولَّيتَ فعليك إثم كلِّ القبط، ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 64]))[8].
4- الحصانة الدبلوماسية للرسل:
أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم لرسله من خلال هذه الكتب مجموعةً من الحقوق لفائدة رُسُله المبعوثين إلى الملوك والأمراء عبر مختلف الأقطار والرُّبوع، وهي ما يَصطلِح عليها علماء القانون بالحصانة الشخصية، وهي "أكثر عالمية من حيث القَبُول، مُفادها حُرْمة شخص المُعتمِد وأشيائه وحقائبه السياسية ودار الاعتماد، وهي تقضي بتحريم كلِّ تَعرُّضٍ أو اعتداء على ذلك، وهذه الحصانة يُقِرها الإسلام بمقتضى الأمان".
ومن ذلك ما جاء في كتابه صلى الله عليه وسلم إلى المُنذِر بن ساوَى التميمي قوله: ((أما بعد، فإني أُذكِّرك الله - عز وجل - فإنه مَن يَنصَح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يُطِع رسلي ويتَّبِع أمرَهم فقد أطاعني، ومَن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرًا))[9].
فبُعوثه صلى الله عليه وسلم إلى الآفاق، والداعية لملوك وأمراء الأرض إلى دين الله الواحد الأحد "تُعَد نقطة تحوُّل في سياسة دولة الرسول الخارجية، فعَظُم شأنها، وأصبحت لها مكانة دينيَّة وسياسية بين الدول، وذلك قبل فتح مكة، كما أن هذه السياسة مهَّدت لتوحيد الرسول صلى الله عليه وسلم لسائر أنحاء بلاد العرب في عام الوفود"[10].
5 - اتخاذه صلى الله عليه وسلم خاتمًا:
كما كان من آثار هذه السياسة الرشيدة من كتابة الرسائل إلى ملوك وأمراء الأرض من مختلف النِّحَل والمِلَل والتخوم والأصقاع، ولكي يكون لهذا الكتاب تلك القوة الإجرائية أو ما يُصطلَح عليه بـ (سلطة التوقيع)، فقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمًا يَختِم به كلَّ كُتُبه مراعاة لحال المبعوث.
6- مراعاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحال المبعوث واحترام ثقافته:
فقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما أراد إرسالَ كتبه إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام: إنهم لا يقرؤون الكتابَ إلا إذا كان مختومًا، فاتخذ صلى الله عليه وسلم خاتمًا من فضة، وكان نقْشه ثلاثة نقوش، سطر (محمد) سطر (رسول) سطر (الله)، والأسطر تُقرأ من أسفل إلى فوق، فـ"محمد" آخر الأسطر، و"رسول" في الوسط، و"الله" فوق، وكانت الكتابة مقلوبة لتكون على الاستواء إذا ختَم به، فكان ذلك الخاتم في يده صلى الله عليه وسلم، ثم في يد أبي بكر، ثم في يد عمر، ثم في يد عثمان رضي الله عنهم، حتى وقع في بئر أريس في السَّنة التي قُتِل فيها عثمان رضي الله عنه[11].
هذه إذًا بعض معالم السياسة الشرعية، والتي عبَّرت عنها سيرة المصطفى عليه أزكى الصلاة العملية، والتي تُترجِم تلك الحُنْكة، والحكمة، والرَّويَّة، وبُعْد النظر، ورجاحة العقل القيادي السامي، التي مثَّلها رسول الله في مواقف كثيرة، من حُسْن تعامُله مع المخالفين له في الاعتقاد، سواء داخل أو خارج رُبوع الدولة الإسلامية، وقد كان تعامُله مع قضايا الدولة ورعاياها، يسوده العدل والمساواة والإنصاف؛ إذ لا فَرْق عنده عليه السلام بين عربي وعجمي إلا بتقوى الله.
________________________________________
[1] كتاب التاريخ الإسلامي؛ للحميدي (6: 28).
[2] أخرجه أحمد في الفضائل عن قيس (2: 715) حديث صحيح، ذكره الألباني في الصحيحة رقم (1237) بلفظ ((نِعم عبد الله خالد سيف من سيوف الله)).
[3] أخرجه مسلم في كتاب الإمارة حديث رقم 1826 في باب كراهية الإمارة بغير ضرورة (3: 1457).
[4] السياسة الشرعيَّة في إصلاح الراعي والرعية؛ لابن تيميَّة (ص: 26، 27).
[5] مدخل لدراسة القانون العام الإسلامي؛ للدكتور محمد الهزاط (ص: 221).
[6] محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ للشيخ محمد رضا (ص: 262).
[7] نفس المرجع (ص: 264 - 276) بتصرف، وفيه صور للكتب التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هؤلاء الملوك والأمراء بتفصيل.
[8] محمد رسول الله الشيخ محمد رضا (269).
[9] محمد رسول الله، الشيخ محمد رضا (ص: 276).
[10] السيرة النبوية؛ للدكتور محمد الصلابي (ص: 444).
[11] محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ للشيخ محمد رضا (ص: 262، 263).

اكتب تعليق

أحدث أقدم