رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مصادر الدين



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن للدين الإسلامي مصدران، هما الكتاب العزيز، والسنة النبوية؛ فأما الكتاب فهو كلام الله تعالى المُنَزَّل على النبي الأمي العربي محمد صلى الله عليه وسلم، نزل به الرُّوح الأمين جبريل عليه السلام في خلال ثلاث وعشرين سنة، أنزله الله مُنَجمًا مُفرَّقًا على حسب الوقائع والحوادث؛ لتستعدَّ القوى الإنسانية لتَلقِّيه ووعيه وفَهمه، وليكون أحكمَ في التشريع، وأبلغَ في التأييد، وأشدَّ في التعجيز، وأول ما نزل منه: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1 - 5]، وآخر ما نزَل منه: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، وهو الكتاب الوحيد الذي تكفَّل الله بحفظه من التبديل والتحريف؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، وهو أعظمُ معجزاته صلى الله عليه وسلم دلالةً، وأخلدُها أثرًا، وأبقاها ذكرًا!
وأما السنة فهي قول النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته؛ أي: موافقته لِما يراه أو يَبْلُغه، ومُحَال أن يُقرَّ صلى الله عليه وسلم شيئًا يخالف الشرع.
والسُّنة تَشْرَح الكتاب وتُبَيِّنه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44]، وقد ركِب قومٌ رؤوسَهم، واتَّبعوا أهواءهم، فزعَموا أنَّ الكتاب وحدَه أصل الدين ولا حاجة إلى السنة النبوية، والحِسُّ يكذِّب ذلك ويُدحِضُه، فإن الكتاب في حاجة إلى البيان والتفسير، ومَنْ أحقُّ بهذا البيان ممن نزَل عليه الفُرقان صلوات الله وسلامه عليه؟! على أن كل ما جاءت به السنة فقد تَضَمَّنَه الكتاب وأشار إليه، ويشهَد لهذا قولُه تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: 7].
كيف حُفِظت السُّنة:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة شيءٍ من حديثه خشيةَ اختلاطه بالقرآن، فلما انتقل إلى جوار ربه بادَر الصحابة إلى جمع القرآن في موضعٍ واحدٍ، وسَمَّوْه المصحف، واقتصروا عليه، فلم يتجاوزوه إلى كتابة الحديث وجمعه في موضع واحدٍ كما فعلوا بالقرآن، ولكن صرَفوا هَمَّهم إلى نشر السُّنة بطريق الرواية؛ إما بالألفاظ نفسِها التي سمعوها منه صلى الله عليه وسلم، وإما بما يؤدي معناها تمام الأداء إن غابتْ عنهم، وكانوا يتحرَّون في الرواية كل التحري، وكان كثير منهم يأبى إلا شاهدًا مُعَاضِدًا أو يمينًا حاسمةً تكشِف لِثامَ الشك عن وجه اليقين، وكان منهم مَن يُقِل في الرواية؛ إمَّا لقلةِ ملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما لخوفه من السهو أو الخطأ، ومنهم المُكْثِر من الرواية لكثرة ملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسَعة اطِّلاعه، وقوة حفظه وضبْطه.
تدوين السنة:
ولَمَّا انتشر الإسلام واتَّسعت البلدان، وتفرَّق الصحابة في الأقطار، ومات الكثير منهم، وقلَّ الضبط - دعت الحاجة إلى تقييد الحديث وتدوينه، فشمَّرَ العلماء عن ساعد الجِد، وأخَذ كلٌّ عَمَّن تقَدَّمه، وتحمَّلوا في سبيل ذلك مشاقَّ التَّرحال وعَناء السفر، وبَالَغوا في الاحتياط على درجاتٍ، وألَّفوا كتبًا كثيرة من أعظمها موطأ مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ومسند الإمام أحمد بن حنبل، ومن أشهرها الكتب الستة المعروفة، وهي صحيح الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، وصحيح الإمام مسلم، وسنن أبي داود، وصحيح الترمذي، والمجتبى للنسائي، وسنن ابن ماجه القزويني، ولعلماء الحديث شروطٌ يَرْوُون الحديثَ على مقتضاها، ولشدة احتياط الشيخين "البخاري ومسلم" في صحيحيهما، كان كتاباهما أجلَّ وأصحَّ ما أُلِّف في الحديث.
كيف نشأت الشريعة:
كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوةَ الصحابة ومرجعَهم فيما يأتون ويذَرون، وكانوا يسألون عما خَفِيَ عليهم، فيُجيبهم بالوحي المؤيد مِن عند الله تعالى، ثم لحِق بالرفيق الأعلى وترك فيهم العَلَمين الهاديَيْنِ "الكتاب والسنة"، وفيهما بيان كلِّ شيء، غاية ما هنالك أن البيان تارة يكون مفصَّلًا واضحًا، وتارةً يكون مجملًا دقيقًا لا يصل إليه إلا مَن أحاط بالشريعة وفَهِمَ أسرارَها، فإذا عَرَضَ أمرٌ لم يُصرِّح به الكتاب ولا السُّنة، فإنهما قد أشارَا إليه ولا مَحالة بقواعد كُليةٍ وأصولٍ عامة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: 38]، فكان الصحابة إذا جَدَّ لهم أمرٌ ولم يَجدوه ظاهرًا في الكتاب، رجعوا إلى السُّنة، فإن لم يجدوه ظاهرًا فيها، ردُّوه إلى تلك القواعد واستنبطوا حُكمه منها، وكان فيهم خاصةٌ يجتهدون ويستنبطون، وعامةٌ يرجعون إلى الخاصة فيما أشكَل عليهم، وكان مِن سيرة عمر رضي الله عنه مشاورةُ الصحابة ومناظرتُهم حتى يتبيَّن وجهُ الحق!
ولَمَّا اتَّسعت الفتوحات الإسلامية شرقًا وغربًا، انتقل الصحابة إلى مختلف البلدان يُبلغون الناسَ مِن كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم، وينشرون فيهم العلمَ والفقه، وأهم البلدان التي كانت مراكز العلماء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعاهدَ العلم والنور: المدينة ومكة والكوفة، والبصرة والشام ومصر.
فَمِمَّنْ كان بالمدينة عمر وعلي وعبدالله بن مسعود، وزيد بن ثابت وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر وعائشة، وكثير غيرهم، وممن رحل إلى مكة عبدالله بن عباس، ومِمَّن رحل إلى الكوفة عبدالله بن مسعود، ومِمَّنْ رحل إلى البصرة أبو موسى الأشعري وأنس بن مالك، وانتقل إلى الشام عبادة بن الصامت ومعاذ بن جبل، ومِمَّنْ ذهب إلى مصر عبدالله بن عمرو بن العاص، وكان لهؤلاء الصحابة ولغيرهم أتباعٌ أخذوا عنهم، ونشَروا مذاهبهم، واجتهدوا واستنبطوا كما فعل الصحابة، ودَوَّنوا الأحكام وبلَّغوها غيرَهم!
نشأة المذاهب:
لم يكن أحدٌ من التابعين ومَن بعدهم إلى القرن الرابع مُتَّبِعًا مذهبًا معينًا، بل كان فيهم العلماء والعامة، وكان مِن خير العامة أنهم يُقلِّدُون صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه في المسائل الإجْماعية التي يستوي فيها العلماء وغيرهم، وكانوا يَتَلَقَّوْنها عن آبائهم ومعلمي بلدانهم، فإذا وقعت لهم واقعةٌ استَفْتَوْا أيَّ مُفْتٍ وجدوه مِن غير تعيين مذهب، وقد تصدَّى للإفتاء مِن بعد الصحابة أئمةٌ مجتهدون درسوا الكتاب والسنة وأقوال الصحابة دراسةً وافية؛ منهم: الحسن البصري والثوري والأوزاعي والليث، وأصحاب المذاهب الأربعة، ولم يكن واحدٌ من هؤلاء يأمُر أحدًا بتقليده، بل كانوا ينهون عن ذلك وَرَعًا واحتياطًا، ثم كَثُرَ الناس وقلَّ الاجتهاد، ولبُعدِهم عن عهد الوحي احتاجوا إلى مذاهبَ معينة يتَّبعونها، ومن أجل هذا أجمعت الأمة إلا قليلًا على تقليدِ واحدٍ من أصحاب المذاهب الأربعة "أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل"، مستدلين بقوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43]، وهذا هو السر في انتشار هذه المذهب في أرجاء المعمورة وبقائها إلى اليوم، ولنتكلم عن كلٍّ منها كلمة موجزة.
مذهب الإمام أبي حنيفة:
وُلِد الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بالكوفة سنة ثمانين في عهد عبدالملك بن مروان، وبالكوفة تَفَقَّه وأسَّس مذهبه، وتوفِّي ببغداد سنة خمسين ومائة، كان في أول أمره بزَّازًا "يتَّجِر في الثياب"، ثم اشتغَل بعلم الكلام، ثم تفرَّغ للاشتغال بالفقه والاستنباط، تلقَّى عن حماد بن أبي سليمان، وتلقَّى حماد عن إبراهيم النخعي الذي تلقَّى عن علقمة بن قيس تلميذ عبدالله بن مسعود رضي الله عنهم.
كان رحمه الله ذكيَّ الفؤاد وَقَّادَ القريحة، حاضرَ البديهة، غايةً في التقوى ومكارم الأخلاق، فلم يكن عجيبًا إذا استبحرَ في علم التوحيد والفقه والقياس، حتى شَهِدَ بعُلوِّ مقامه مالكٌ وكثيرٌ مِن علماء عصره، وقد صَحِبَ أبا حنيفة فريقٌ من العلماء تلقَّوْا مذهبه ودَوَّنُوه، وعُرِفُوا بأصحاب أبي حنيفة، ومِمَّن اشتَهر منهم أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وقد شاع مذهب أبي حنيفة في كثير من بلدان الإسلام؛ كبغداد وبلاد فارس والهند، وبخارى واليمن والشام ومصر.
مذهب الإمام مالك 93 - 179:
الإمام مالك هو أبو عبدالله مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة، وأجلُّ علمائها، وُلِد سنة ثلاث وتسعين، وتوفِّي سنة تسع وسبعين ومائة، ونشأ بالمدينة، وفيها تلقَّى العلم عن ربيعة الرأي، ورحل إلى خيار التابعين من الفقهاء وأخذ عنهم، ولم يزَل يَدْأَبُ في تحصيل العلم وجمع الحديث، حتى صار سيد فقهاء الحجاز، وطار ذكرُه في البلاد، ولَمَّا حج المنصور اجتمع به، وأشار عليه أن يُدَوِّن ما ثبت عنه من مسائل العلم، فألَّف كتابه الموطأ في الحديث والفقه، وقد سمِع عنه المهدي وابنه الرشيد، ولقد أُعجِب به الرشيد كثيرًا، حتى حاول أن يُعلِّقه في الكعبة، ويَحمِل الناس على ما فيه، لولا أن راجَعه الإمام وقال له: لا تفعَل؛ فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم اختلفوا في الفروع وتفرَّقوا في البلدان، وكلٌّ مُصيب، فقال: رفعَك الله يا أبا عبدالله.
رَوَى عن موطأ مالك كثيرٌ من العلماء؛ منهم: الشافعي ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، ومِن أَجَلِّ أصحابِه الذين تفقَّهوا عليه ورَوَوْا عنه الموطأ عبدُالله بن وهب، وعبدالرحمن بن القاسم، وقد صحِباه نحوًا مِنْ عشرين سنة، ودَوَّنا مذهبَه مع غيرهما من أصحابه، ونقلوه إلى أمصار الإسلام، حتى انتشَر في مصر وإفريقية والأندلس والمغرب الأقصى وغيرها، ولم يزَل مذهبه غالبًا على أهل مصر، حتى قدِم إليها الشافعي ونشر مذهبه بها، فشاركه في الشهرة والذيوع، وقد بنى الإمام مالك مذهبه على الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وعَمَلِ أهل المدينة، وهذا الأخير أساس متين اختصَّ به مالك رحمه الله؛ لأنه رأى أن أهل المدينة أعرفُ الناس برسوله صلى الله عليه وسلم وسُنته، وكان مالك رحمه الله ثقةً أمينًا ثيبًا وَرِعًا فقهيًا، حُجةً مِن حُجَجِ الله في أرضه؛ قال ابن مهدي: ما رأيتُ أحدًا أَتَمَّ عقلًا، ولا أشدَّ تقوى من مالك، وقال الشافعي: إذا جاء الحديث عن مالك، فشُدَّ به يديك، ومن تعظيمه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ لم يكن يُحَدِّث إلا وهو متوضِّئ، يتمكَّن من جلسة، يَعلوه الوقار والهيبة، وكان لا يركَب في المدينة مع ضَعفه وكِبَرِ سِنِّه إجلالًا لبلد فيها جثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مذهب الإمام الشافعي150 - 204:
هو أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي القرشي، وُلِد بغزة بفلسطين في السنة التي تُوفِّي فيها أبو حنيفة، وتُوفي بمصر سنة أربع ومائتين، نشأ بمكة يتيمًا، وبها حفِظ القرآن وتعلَّم اللغة والشعر وفنون الأدب، وعلوم القرآن والحديث والفقه، كان موضع الإعجاب لفرط ذكائه وشدة فَهْمه.
ولَمَّا ناهَز العشرين رحل إلى الإمام مالك، وتلقَّى عنه فقهَه، ثم إلى العراق فتلقى عن أصحاب أبي حنيفة، ثم إلى مصر واستقرَّ بها، ونشر فيها مذهبه ودَوَّن كُتبَه، وأخذ عنه كثيرٌ من العلماء، ونشروا مذهبه في كثيرٍ من بلاد الشرق، وهذا الآن غالب على أهل الصعيد في مصر، وعلى فلسطين وبلاد الكرد، وجانب عظيم من بلاد الحجاز.
مذهب الإمام أحمد بن حنبل 164 - 241 هـ:
وُلِد أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل ببغداد سنة أربع وستين ومائة، وتُوفي سنة إحدى أربعين ومائتين، لازم الإمام الشافعي مدة إقامته ببغداد، وقد قال: خرجتُ من بغداد وما خلَّفتُ فيها أتقى ولا أزهد ولا أوْرَعَ ولا أعلمَ مِن أحمد بن حنبل.
روَى عن خَلْقٍ كثيرٍ؛ منهم: جماعة من شيوخه، ومنهم البخاري ومسلم، وقد صَنَّف كثيرًا من الكتب، قيل: إنها بلَغت اثنى عشر حِملًا، وله كتاب المسند أعظم كُتب الحديث وأوفاها.
كان رحِمه الله عظيمَ الوَرَعِ والاحتياط ... وأكثرُ أتباعه بالشام والعراق والحجاز، وهم أكثرُ الناس روايةً للحديث وحفظًا للسُّنة.

اكتب تعليق

أحدث أقدم