رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الشعب النموذج



بقلم \ المفكرالعربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لا شك فيه أن المصلحون يحتاجون دوما إلى نموذج كامل يقيمون عليه أساس أعمالهم، ويهتدون به في طريقهم إلى استنهاض الأمة من رقدتها والانطلاق بها. وفي ظل قصور النماذج التي نراها في واقعنا، لا شك أن كل مصلح يعاني في قرارة نفسه مما فاته من شهود النموذج النبوي المعصوم، ويود لو كان حاضرا نموذج الخلافة الراشد، فلا شيء يتعلم منه الإنسان أكثر من الشهود والممارسة. لذا، سأتكلم هنا عن شعب حقيقي مختار نتخذه نموذجا نحذو حذوه لننطلق في الطريق.. رغم أنه ليس من شعوب البشر!
إنه «شعب النحل».. فأنت حين تنظر في أمة النحل تجد كل خلية أو عش نموذجا صارما لأمة محكمة النظام، مهدية المنهج، مؤتلفة البناء، باقية لآلاف الأجيال.. تجد شعبا منهمكا في عمله لا يتم اختيار أحد منه لوظيفته إلا بناء على الموهبة والكفاءة وحدهما، فلا تفضيل للمقربين «الثقات»، ذلك أن مفهوم «الثقة» في عالم النحل لا ينبني إلا على الكفاءة.
وتتمثل أهلية فرد الشعب (الشغالة) لعمل ما في جاهزيتها له؛ بحيث لا تقوم بمهمة إلا حين تنضج أعضاء جسدها اللازمة للقيام بها(1). لن تجد نحلة عقيما طلب منها وضع البيض، ولن تجد نحلة عمياء تم تعيينها في قسم الحراسة، فالتكليف مبني على الموهبة والكفاءة فقط.. هذه خلية النحل التي تريد أن تستمر آلاف السنين وليس مجتمعا بشريا يريد تدمير نفسه بنفسه.
وأول ما تقوم به الشغالة فور خروجها من العين السداسية، حيث تمت حضانتها (الطفولة والمراهقة)، هو أن تنظف موضعها ليستقبل الحضنة الجديدة من بعدها. وهي حين تنظف مكانها فإنها تعود لتدخل العين السداسية، حيث سكنت وهي بعد صغيرة ضعيفة (2)، تعود، لا لتبقى فيها، ولكن لتأكل جلدها القديم (3)! ذلك الذي انسلخت منه لتصبح شغالة ناضجة: تأكل تاريخها وتهضمه حتى لا تنساه، تأكل تاريخها ليخالط أعضاءها فيكون جزءا من تكوينها، بينما يرى المسلم المغترب عن دينه أنه لن يتقدم حتى يلقي تاريخه خلف ظهره!
وبعد مرور 3 أيام من إجراء التنظيف وهضم التاريخ يبدأ نضج غدد إفراز الغذاء الملكي (لبن النحل).. ولم يكن لهذه الغدد أن تنشط دون التغذية على جلد الانسلاخ القديم؛ فلا مستقبل من دون تاريخ. كان لا بد لها أن تهضم التاريخ حتى تفرز المستقبل.. ويبدأ إفراز الغدد الملكية ضعيفا، فيسمح لها فقط بخلط حبوب اللقاح (الطلع)؛ تخلطها لتصنع منها «خبز النحل» فتغذي عليه الحضنة الكبيرة السن التي ما زالت في العيون السداسية توشك أن تخرج منها. لقد أصبح لديها شيء تقدمه للأجيال القادمة بعد أن هضمت التاريخ، فأين هذا ممن يدعون أن عندهم الحل والإصلاح وهم لم يعرفوا تاريخ أمة الإسلام، بل لا يريدون البناء عليه، ويدعون أن عندهم الحل وأنهم من المصلحين؟! إن فاقد الشيء لا يعطيه.
ومع ممارسة الشغالة لرعاية الحضنة فإن ذلك المجهود يحرق مزيدا من الدهن المخزون في جسد الشغالة، وينضم إلى الحريق وقود من حبوب اللقاح التي تبدأ الشغالة في التغذية عليها (4). ويكون ناتج هذا الحريق وقودا سائغا لعملية نضج جديدة. فيتم نضج غدد إفراز الغذاء الملكي ويحسن إنتاجها ويصبح غزيرا.. تماما كالأم التي تلد للمرة الثانية فيصبح لبنها غزيرا يكفي وليدها ويفيض.
ومع غزارة الإنتاج تأتي سعة المسؤولية، فهي أيام كانت ضعيفة الإفراز كانت تهتم بالحضنة الكبيرة السن (5) وهي مثيل طلاب الثانوية والإعدادية في عالمنا البشري يحتاجون إلى التوجيه أكثر من التأسيس، ويطلبون كماليات الغذاء أكثر مما يطلبون الغذاء نفسه. أما حين يتم نضج غدد الإفراز فتتوجه الشغالات إلى العناية بالحضنة الصغيرة السن (6) وهي مثيل لطلاب روضة الأطفال والابتدائية في عالمنا البشري، وهؤلاء لن يصلح حالهم بالتوجيه وحده، بل لا يتم أمرهم إلا على التأسيس الراسخ والبناء المتين. وفي هذا إشارة كونية إلى وجوب تخصيص المعلم الأكثر خبرة وعطاء -وهو الأكبر سنا- للطلاب الأصغر، حيث يحيطهم بالرعاية الأبوية ويربيهم بالحنان. بينما يخصص المعلم الأقل خبرة -وهو أصغر من الآخر- للطلاب الأكبر سنا لتيسير التقارب الفكري والنفسي، فيطرح المراهق مشكلاته على معلمه دون وجل ولا خجل.
ولك أن تتصور كم الجهد المبذول في تربية الحضنة، إذ إن الحضنة الواحدة من النحل تتلقى 1300 زيارة يوميا، وتستمر الزيارة الواحدة من 0.5 دقيقة إلى 3 دقائق (7)! يجري خلالها إمدادها بالغذاء وفحصها للاطمئنان على صحتها ودراسة معدنها في هذا العمر الصغير! ويتم حصر من تصلح أن تكون ملكة في المستقبل، فإذا كانت الملكة الحالية كفؤا تُركت الشغالة على حالها، وأمّا إذا كانت الملكة تتخبط ولم تعد قادرة على الحكم فإن الشغالات تهتم بتغذية من تصلح أن تكون ملكة جديدة. إن النحلة تفرز صغارها لترى فيها أمارات القيادة، لكنها لا تقدم أحدها للحكم إلا إذا رأت الحاكم غير صالح، أو إذا كان أكثر صلاحا من الحاكم الحالي، ولا تختار من بين المرشحة للحكم إلا الأصلح، وبالطبع لا تختار للحكم إلا من نشأت في كنف الخلية ورضعت لبن شغالاتها بحيث ترث التاريخ فتحكم به المستقبل، فتأمل!
وإذا حصرت عدد الشغالات التي تهتم باليرقة الواحدة طوال مدة حضانتها وجدته قرابة 2800(8)، بحيث تهتم الشغالة الواحدة بالعديد من الحضنة. وتتلقى الواحدة من الحضنة رعاية العديد من الشغالات، فإذا علمت أن الخلية الواحدة قد يسكنها 20000-60000 نحلة (9)، فتأمل توزيع مسؤولية التربية على المجتمع كله، وحقيقة احتواء المجتمع للحضنة (الأطفال والمراهقين)، وراقب قوة العلاقات الاجتماعية التي تنشأ في هذا المجتمع المثالي الضخم، ثم انظر إلى أولاد المسلمين تجد أنهم قد تم التخلي عنهم وتسليمهم إلى التلفاز أو إلى مربين من غير المسلمين يخرجونهم في النهاية تابعين، نفسيا وعقليا، لأمم أخرى غير أمة الإسلام!
والعجيب أن النحلة تحرص كل الحرص على أمان الحضنة كما تحرص على تربيتها! فالخلية تكون مرتبة في أقراص متراصة، لا تكون فيها الحضنة إلا في الأقراص الوسطى، فتضع الملكة البيض في القرص الأوسط، وتجد الحضنة الأكبر سنا في الأقراص الأبعد، ثم تحيط أقراص العسل بالحضنة من كل اتجاه، كل هذا من أجل حماية الحضنة من الآفات والدخلاء على الخلية، وتجعل العسل درعا لحماية الحضنة وتدفئتها. النحلة إذن لا ترى شيئا أكثر أهمية من الحضنة، ولا حتى العسل.. العسل «ثروة النحل» التي تجمعها بمشقة وعناء قطرة من كل زهرة. فأين الملقون بأولادهم يتسكعون في الطرقات متاحين لكل خطر ويتعللون بانشغالهم في طلب المعاش وتوفير الرفاهية قبل ضرورات الحياة؟!
وإذا فرغت الشغالة من رعاية المراهقين (الحضنة الكبيرة السن)، واستقر في غريزتها أهمية أقراص العسل التي تراها حولها وهي ترعى الحضنة، فإنها تسارع إلى مهمة جديدة، وهي تسلّم الرحيق وحبوب اللقاح من الشغالات التي تجمعها من خارج الخلية (10)، فتحفظ الرحيق في بطنها قليلا وتفرز عليه الإنزيمات التي تركزه وتحوله إلى عسل فـ {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} (النحل:69)، لتسكبه في العيون السداسية، حفظا وادخارا، وكذلك تحفظ حبوب اللقاح وتضيف إليها بعض العسل لحفظها.
وعند تمام اليوم الثاني عشر من عمر الشغالة يقل نشاط غدد الغذاء الملكي (لبن النحل)، وتنشط غدد إفراز الشمع، الذي يخرج في شكل قشور على بطن النحلة، فتتلقفه بأيديها، وتعجنه بلعابها، وتبني به مساكنها في تؤدة وروية. وتضحي النحلة بالعسل من أجل الشمع! فكل كجم من الشمع ينتج عن استهلاك النحل من 5 إلى 25 كجم من العسل وفق درجة الحرارة (11).
وكلما احترت النحلة كان إفراز الشمع أكثر يسرا وكان استهلاك العسل أقل. لم يكن للنحلة أن تكتسب خبرة البناء إلا بعد فترة الدأب والصبر في تربية الحضنة، ولم يكن للبناء أن يتم إلا بالتضحية بالمكاسب والمدخرات، ولا يكون البناء أكثر يسرا إلا في حرارة الفتن والأزمات! ليس كل الناس يصلحون للبناء.. لا يعرف البناء إلا من يعرف الماضي والمستقبل، لا يعرف البناء إلا من هضم الماضي ثم ربى للمستقبل، ولا يعرف البناء إلا من يضحي بكل المكاسب ويصبر على الفتن والأزمات من أجل بقاء الأمة وتوسعها ومجدها.
وحين يهل اليوم الثامن عشر من عمر الشغالة تنتهي مهمة البناء لتبدأ المهمة البديهية بعده: حراسة البناء (12). فمن يحرس البناء إلا صانعه؟! وكيف لمن لا يعرف البناء أن يضحي من أجله؟! إن غدد الشمع تضمر لتنشط غدد السم فتغذي ذبان النحلة بمواد خاصة تقتل المعتدين على الخلية أو تؤلمهم فتدفعهم للهرب. وكل نحلة تلسع عدوا تفقد ذبانها وغدد السم فيها وتموت! غدد السم التي هي في أصلها مثيلة الرحم والمبايض عند إناث البشر.. أترى امرأة تضحي بها لتتحول إلى سلاح تقتل به المعتدين؟! نعم، إنها المرأة التي تربي فتى ليكون مجاهدا شهيدا في سبيل الله، يروي أعتاب أمته بدمه، ويجعل لحمه سمادا يغذي شجرة عزتها ومجدها.. فطوبى للأم من شغالة حارسة وطوبى للابن من ذبان لاسع.
ويستقر في غريزة النحلة أن كل شغالة في أمتها ستكون يوما حارسة أو شهيدة! وهنا تتكامل فكرة الحراسة عنها في واقعنا اليوم، ففي عالم النحل يحرس الحضنة من رباها وغذاها من فمه، ويحرس البناء من صنعه وأفرزه، ويحرس العسل من ركبه في بطنه. فتكون الحراسة مبنية على عقيدة يقينية وضرورة ملحة، فتصبح التضحية بالحياة سهلة. بينما لو كان الحارس ينشأ حارسا لا يعرف التربية ولا البناء ولا الصناعة ولا الادخار ولا الصمود للضغوط والفتن؛ فإنه يكون هش العقيدة سهل الفتنة، بل ربما يصبح يوما ما حربا على الخلية وفتنة لأهلها، إذ تغريه سطوته السهلة، ويضلله أعداء الخلية بالإغراء.
وحين تضمر غدد السم تنتهي الحراسة، وتتقدم الشغالة في العمر فتتحول إلى تاجر يجمع ولا يشتري.. فكل شعب أو مجتمع، من الإنسان والحيوان، يحتاج إلى غيره ليصنع غذاءه. ولذلك، حين تفرغ النحلة من آخر مهامها في الخلية مع ضمور آخر غدة موهوبة من الرب لهذه المهام، فإنها تتفرغ لجمع ما تحتاج إليه الخلية من ماء ورحيق وحبوب لقاح وبروبوليس (13)، (أدوية ومضادات حيوية تفرزها النباتات طبيعيا في صورة صمغ).. وحين لا تستطيع الشغالة المشاركة في التربية والبناء والحراسة، فإنها تمد العاملين بموادهم الخام، وتدفع عجلة الحياة، وتعمل على نهضة شعبها غير طامعة في منصب هو محجوز قدرا لصاحب الموهبة.. الملكة.
وأنت ترى شعب النحل هو الأكثر تطبيقا لمفهوم النهي عن المنكر، فكما أن النحلة الحارسة لا تدع دخيلا يخترق الخلية، فإنها كذلك تفرض رقابة صارمة على سكان الخلية ذاتها، فإذا دخلت نحلة تاجرة تحمل رحيقا مسموما جمعته من زهرة ملوثة أو رحيقا مختمرا مسكرا جمعته من زهرة ميتة، فإن الحارسة تقتلها؛ صيانة للخلية من الفساد.. إنها حارسة لأمان الشعب من ناحيتين: الأمان البدني والبنائي، وكذلك البناء الخلقي. وإذا حدث وكان الدخيل ضخما، كالفأر مثلا، فإن النحل لا تتولى يوم الزحف، ولكن تجتمع عليه وتقتله باللسع، حتى إذا نجح في اجتياح الخلية! ولأنه لا طاقة للنحل بحمل جثته إلى الخارج، فإن النحل التاجر تنتفض لتحنط جثة الفأر بالبروبوليس، الذي يطمرها ويعزلها تماما ويمنعها من التعفن وإفساد جو الخلية (14)! إن النحل لا تتوانى عن عزل الفساد الداخلي والخارجي، ولا تكف عن إنكار المنكر، بل تمنعه وتطهر مجتمعها منه. ولذلك، يستمر شعب النحل ولا يضيع. وإن الشعوب بخير ما أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر.
وبذلك، نرى أن شعب النحل يقدم لنا النموذج المثالي العامل بالوحي دون عصيان، إذ قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} (النحل:68). فصار هذا الوحي الخاص غريزة للنحلة لا حيلة لها في عصيانه، بينما يعصي البشر وحي الرب تبارك وتعالى. في عالم النحل نرى شعبا تتكامل فيه شخصية الفرد وتشتد أواصر المجتمع، يمارس كل فرد فيه المهام وفق الموهبة التي تعني الكفاءة بلا اعتبار لأهواء وأطماع. ومن هذا الشعب أرجو أن أكون قد قدمت نموذجا يؤثر في قلوبنا لنعمل وننطلق في الطريق.
هوامش
1 - Brian R. Johnson (2010), Division of labor in honeybees: form, function and proximate mechanisms, Behav Ecol Sociobiol (2010) 64:306.
2 - البمبي محمد علي، 2001، نحل العسل ومنتجاته، ص51.
3 - Langstroth L. L. (2008), the Hive and the Honey-Bee, p50.
4 - البمبي محمد علي، 2001، نحل العسل ومنتجاته، ص51.
5 - المصدر السابق.
6 - المصدر السابق.
7 - Sammataro Avitable (1978), The Beekeeper's Handbook
8 - Lindauer, M. (1953), Division of labour in the honeybee colony, Bee World, 34, 63–73 85–90.
9 - البمبي محمد علي، 2001، نحل العسل ومنتجاته، ص50.
10 - البمبي محمد علي، 2001، نحل العسل ومنتجاته، ص52.
11 - المصدر السابق.
12 - البمبي محمد علي، 2001، نحل العسل ومنتجاته، ص53.
13 - البمبي محمد علي، 2001، نحل العسل ومنتجاته، ص54-68.

اكتب تعليق

أحدث أقدم