مقال:الأنا والأخربقلم ا.د/إبراهيم محمد مرجونة


مقال:الأنا والأخر

بقلم ا.د/إبراهيم محمد مرجونة

أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية

كلية الآداب بدمنهور

الأنا والأخر وقراءة لفيلم عرس الآخرين” فيلم مغربي من إخراج حسن بنجلون سنة 1990، وبطولة كل من عزيز سعد الله، وهناء حجيج، وعبد الله شكيري، وفاطمة وشاي، وعمر شنبوط، وآخرين.

صراع الأنا والأخر ففي دار قديمة بأحد الأحياء الشعبية في مدينة الدار البيضاء تعيش ثلاث أسر في مكان ضيق، لكل منها غرفة واحدة: “عبدو” و”طامو” متزوجان منذ فترة، يبحثان عن عمل، أما الحاجة وابناها “شايب” و”جميلة” فيسكنون الغرفة الثانية، وفي الغرفة الثالثة يسكن عجوز لا يغادر المكان قط، يمسك سبحته، ويرد تحية العابرين دون كلل أو ملل مؤمنا بالقضاء والقدر والاستسلام له.

تلك هي مركزية الحكي في فيلم “عرس الآخرين” الذي قام فيه المرحوم “عزيز سعد الله” بأحد أجمل أدواره في الأفلام المغربية والأعمال التلفزيونية على حد سواء.. نضال من أجل قوت يومي وأحلام من الصعب تحقيق البعض منها، حيث سلالم الصعود الاجتماعي آلية للسقوط

لم يبق سوى الأسى على ماض ذهب إلى غير رجعة، فعمل “طامو” في منزل أسرة غنية استرجاعٌ للفصل الأول في حكايةٍ كانت فيها ابنة رجل غني اختارت الابتعاد عنه وعن ممتلكاته.

يبدو البطلان خلال الفيلم وكأنهما يعيشان حياة ليست حياتهما، وواقعا ليس واقعهما؛ فمشهد مشيهما في طرقات المدينة واستمتاعهما بالمناظر الخلابة والهواء الطلق لم يكن حتما يدل على مشيهما بخطى ثابتة في الحياة.. فالحياة ليست دائما نزهة في حديقة.

لا بد من تنفيس الضغط ومراوغة هذا الواقع العنيد. فماذا عن الأنا والأخر.....وهل لو صرت انا الأخر والأخر انا هل ستكون نفس الأحكام؟

الحديث عن الآخر يعني اكتشاف الذات وعلاقة هذه الذات مع الآخر سياسيا واجتماعيا وحضاريا وثقافيا، و هذه العلاقة قائمة على أساس أن الذات هي المكون الأساسي في حركة الفكر  و الثقافة بشكل عام وهي الأصل ,وهي  الصواب ,والأخر هو مجرد ظل  لهذه الذات , وهو فرع  عنها , وهو الخطأ لكل تصوراتها ,وتظل العلاقة بين الأنا و الآخرة علاقة جديلة افتراضية , فقد تكون الأنا على حساب الأخر ,أو إلغاء الأخر لصالح الأنا ,وهذه  العلاقة  قائمة على ثنائية  الأشياء ,وعلاقة التضاد القائمة بينهما , واستحالة الدمج بين هذه الثنائيات , مثل الحياة و الموت , والخير والشر , و الصواب والخطأ ,والذكورة والأنوثة , إلى غير ذلك من العلاقات الثنائية والضدية التي تحكم منطق الأشياء. و الصراع  بين الأنا و الأخر , صراع  طويل يرتد إلى البدايات الأولى لوجود الإنسان على هذه البسيطة , ويدخل في اخص العلاقات الإنسانية ،كما تبدى ذلك  واضحا في الصراع بين الأخوين قابيل وهابيل , وقد تقترب هذه الغيرية أو  تبتعد  بين الأطراف , ولكنها لا تلغى بل تبقى  قائمة ,لان العلاقات الإنسانية بطبيعتها قائمة على أساس التغاير لا التمازج  , وفقا للمصالح الذاتية و الاعتبارات الخاصة التي قد تقترب أو تبتعد من مصالح الآخرين  واعتباراتهم الخاصة , وقد عبر الشاعر الألماني "غوتة"عن ذلك وهو يتحدث عن ذاتية اللغة  الألمانية بالنسبة له , وغيرية اللغات الأخرى , يقول :أنا أحب الألمانية  ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن أحب الفرنسية , ولكني أفهم حقيقة أن الفرنسي يحب الفرنسية ويعيشها , ولا يمكن أن يحب الألمانية كما يحب لغته القومية .

وعادة ما ينظر الأنا إلى نفسه على أنه الأكمل و الأصوب و الأفضل، و الأخر هو الناقص و الخاطئ و الأسوأ , وهذه النظرية العدائية أو الضدية بين الأنا و الأخر هي مصدر تعدد الأنا و الآخر في مجالات السياسة و الفكر و الفلسفة و الأدب ... إلى غير ذلك من مجالات الحياة والمعرفة .

و السؤال الذي يمكن أن يطرح، من هو الأنا ومن هو الأخر ؟ و الإجابة عن هذا السؤال قد تبدو سهلة في جانبها المنطقي , أو النظري , لأن (الأنا ) تعني ذات المسيطر على الوضع  القائم , والذي يرى نفسه صاحب الحق في القيادة والقول والفعل والعمل وصاحب الرؤى والأفكار وهو مالك نظريات التطوير والسيطرة عليها ,وماعدا ذلك فهو الأخر المرفوض , لأنه لا ينسجم مع الأنا المسيطرة .

أما في الجانب الواقعي فتبدو الإجابة صعبة ,لان الأنا و الأخر جزء من تشكيلة اجتماعية و دينية و ثقافية واحدة ولا يمكن الفصل بينهما إلا على مستوى الخلاف القائم على أساس نظريات ومصالح، تجعل من صاحب النظرية أو المصلحة ندا للأخر أو خصما له .

 

 

 

اكتب تعليق

أحدث أقدم