رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن فلسفة الدبلوماسية الوقائية



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن النزاع المسلح، سواء كان دوليا أو غير دولي يعتبر من ثوابت ومعطيات العلاقات الدولية، وهو يعتبر المرحلة القصوى لظاهرة الصراع بين الدول فيما بينها، أو بين الجماعات داخل الدولة الواحدة، لذلك سعت مختلف الدول ومختلف المنظمات الدولية إلى العمل على احتواء النزاعات المسلحة حال اندلاعها، أو إلى الحيلولة دون تفاقم الصراعات الدولية والداخلية كي لا تصل إلى مرحلة استعمال القوة العسكرية أو التهديد باستعمالها.
لقد شكلت الحرب العالمية الثانية علامة فارقة في تاريخ العلاقات الدولية والقانون الدولي، فبالنظر إلى حجم الدمار والخسائر البشرية التي نجمت عنها، جاء انتشار هيئة الأمم المتحدة كاستجابة مباشرة للتحدي الذي واجهه العالم إبان هذه الحرب، وهو تحدي بقاء العنصر البشري على وجه الأرض، فكان أهم مبدأ من مبادئ الأمم المتحدة هو الحفاظ على السلم والأمن الدوليين عبر التحريم المطلق للجوء إلى القوة المسلحة في العلاقات الدولية.
وإذا كانت مرحلة الحرب الباردة التي تميزت بسيادة إستراتيجية الردع المتبادل بين العظميين قد حالت دون اندلاع حرب عالمية ثالثة من شأنها القضاء على الحياة على الأرض، فإن ذلك لم يمنع ظهور العديد من الصراعات الدولية، والتي كانت في الغالب، عبارة عن تمظهرات جانبية أو أعراض مرضية للصراع بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية في إطار الحرب بالوكالة. إضافة إلى ذلك، فنهاية الحرب الباردة ودخول العلاقات الدولية مرحلة ما عرف بالنظام الدولي الجديد، قد تمخض عنه تغير نوعي في نمط الصراعات الدولية والنزاعات المسلحة. ففي مقابل انحسار النزاعات المسلحة الدولية، شهدت هذه المرحلة بروز العديد من الصراعات الداخلية التي تطورت بسرعة في مجملها إلى نزاعات مسلحة غير دولية خلفت من الخسائر المادية والبشرية ما يوازي أو يفوق ما تخلفه النزاعات المسلحة الدولية، علاوة على تفاقم المظاهر الأخرى المهددة للاستقرار العالمي وفي مقدمتها الجريمة المنظمة وتجارة السلاح والهجرة غير المنظمة وظاهرة الإرهاب الدولي والفقر والقمع السياسي والاضطهاد العرقي والديني… والحد من مظاهر عدم الاستقرار تلك، بدأ المجتمع الدولي يفكر مجددا في خلق الآليات القانونية والسياسية القمينة بالحيلولة دون وصول الصراعات الدولية وغير الدولية إلى مرحلة النزاع المسلح. وبالحفاظ على السلم والأمن الدوليين، على اعتبار أن المنع الوقاي للصراعات يشكل وضعا حاسما لتحقيق الأمن العالمي، كما يعتبر الوسيلة الوحيدة لمنع معاناة ملايين الناس في كل أنحاء العالم ([1]).
هذا التوجه المتجدد للمجتمع الدولي في فلسفة الحفاظ على السلم والأمن الدوليين هو ما اصطلح عليه في حينه بالدبلوماسية الوقائية، فما هي الدبلوماسية الوقائية ؟ ما هي الظروف الدولية التي انبثق منها هذا المفهوم ؟ ما هي عناصر الدبلوماسية الوقائية ؟ أين تجلت تطبيقات هذا المفهوم على العلاقات الدولية ؟ وأخيرا، هل حافظ هذا المفهوم على مصداقيته الظاهرة على الأقل، أم اعترته تحولات أفرغته من مضمونه ؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه، قدر المستطاع، عبر صفحات هذا العرض المتواضع، آملين أن نكون قد وفقنا في ملامسة الجوانب الأساسية للموضوع، وذلك في أفق إغنائه أثناء مناقشته أمام الأستاذة المؤطرة والطلبة الزملاء.
المبحث الأول: مفهوم الدبلوماسية الوقائية وإطارها التاريخي
خضعت إدارة النزاعات الدولية خلال مرحلة الحرب الباردة لتوجيه العظميين حسب مصالحها السياسية والإيديولوجية ورهاناتها الإستراتيجية، وانعكس ذلك على المنتظم الدولي، ممثلا في هيئة الأمم المتحدة، التي بدت عاجزة عن التصدي لمظاهر الإخلال بالسلم والأمن الدوليين، لكن انتهاء الحرب الباردة ودخول العلاقات الدولية مرحلة ما عرف بالنظام الدولي الجديد، بما حمله من تبدل نوعي في نمط الصراعات والنزاعات المهددة للاستقرار العالمي، جعل المهتمين والفاعلين في حقل العلاقات الدولية يتوصلون إلى صيغة متجددة لإدارة الصراعات الدولية اصطلح عليها بالدبلوماسية الوقائية. فماذا تعني الدبلوماسية الوقائية وما هو إطارها التاريخي ؟
المطلب الأول: تعريف الدبلوماسية الوقائية
لعل أشهر تعريف للدبلوماسية الوقائية وأهمها من الناحية الأكاديمية، هو الذي تضمنه تقرير الأمن العام للأمم المتحدة الأسبق "بطرس غالي" المرفوع إلى مجلس الأمن بتاريخ 17 يونيو 1992، بناء على دعوة مجلس الأمن المتضمنة في بيانه المؤرخ في 31 يناير 1992 لدى اختتام اجتماعه الذي ينعقد لأول مرة في تاريخه على مستوى رؤساء الدول والحكومات. فالنقطة العشرون من تقرير الأمين العام تنص على اتصال مصطلحات الدبلوماسية الوقائية، وصنع السلم، وحفظ السلام، أحدها بالآخر بصورة لا تتجزأ:
* الدبلوماسية الوقائية هي العمل الرامي إلى منع نشوء منازعات بين الأطراف، ومنع تصاعد المنازعات القائمة وتحولها إلى صراعات، ووقف انتشار هذه الصراعات عند وقوعها.
* صنع السلم هو العمل الرامي إلى التوفيق بين الأطراف المتعادية، لاسيما عن طريق الوسائل السلمية مثل تلك التي ينص عليها الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة.
* حفظ السلام هو نشر قوات تابعة للأمم المتحدة في الميدان، وذلك يتم الآن بموافقة جميع الأطراف المعنية، ويشمل عادة اشتراك أفراد عسكريين و/أو أفراد من الشرطة تابعين للأمم المتحدة، وكثيرا ما ينطوي ذلك على اشتراك موظفين مدنيين أيضا. وحفظ السلام هو سبيل صنع السلم كما هو وسيلة لتوسيع إمكانيات منع نشوب المنازعات.
* إضافة إلى العناصر الثلاثة السابقة، أضاف "بطرس غالي" اجتهادا منه، عنصرا رابعا سماه بناء السلم بعد انتهاء الصراع، أي العمل على تحديد ودعم الهياكل التي من شأنها تعزيز وتدعيم السلم لتجنب العودة إلى حالة النزاع. وإذا كانت الدبلوماسية الوقائية ترمي إلى حل المنازعات قبل نشوب العنف، فإن صنع السلم وحفظ السلام ضروريان لوقف الصراع وحفظ السلام بعد تحقيقه، وهما يعززان – في حالة نجاحهما – فرصة بناء السلم بعـد انتهاء الصراع. وهذا مـا قد يحول دون نشوب العنف من جديد بين الأمم والشعوب ([2]).
إن الدبلوماسية الوقائية إذن، هي العمل الرامي إلى منع نشوب منازعات بين الأطراف، ومنع تصاعد المنازعات القائمة وتحولها إلى صراعات، ووقف انتشار هذه الصراعات عند وقوعها. ومهام الدبلوماسية الوقائية، يمكن أن يتولاها الأمين العام للأمم المتحدة شخصيا، أو عبر مجلس الأمن، أو الجمعية العامة، أو عبر الوكالات والبرامج المتخصصة للأمم المتحدة، أو عبر المنظمات الإقليمية.
وموضوعها لم يعد يقتصر على الصراعات البيندولية، بل يشمل أيضا الصراعات المحلية الداخلية، على اعتبار أن الدبلوماسية التقليدية لم تكن تولي اهتماما يذكر لهذا النوع من الصراعات، وعلى اعتبار كذلك أن هذا النوع من الصراعات هو الذي أصبح يهدد أكثر الاستقرار العالمي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ([3]).
تعريف آخر للدبلوماسية الوقائية ورد في تقرير معهد كارنيجي للسلام، جاء فيه أن الدبلوماسية الوقائية هي هدف لإجراءات وقائية، أو وسيلة وقائية لمنع ظهور الصراعات العنيفة، أو منع الصراعات الجارية من انتشارها، أو منع إعادة ظهور العنف في هذه الصراعات ([4]).
عرفت الدبلوماسية الوقائية كذلك، بأنها أفعال بناءة يتم اللجوء إليها لتجنب تهديد محتمل، أو تجنب استخدام القوة المسلحة من قبل الأطراف المتنازعة في خلاف سياسي، إنها الفعل المتماسك والممنهج والمخطط والمبرمج زمنيا، الذي تقوم به الحكومات والمجتمع المدني بمستوياته المختلفة، لمنع الصراعات العنيفة، وأن إجراءات المنع الوقائي للأزمات يتم القيام بها إما قبل أو أثناء أو بعد الصراعات. إنها بعبارة أخرى، عملية إجرائية ذات إطار مرحلي أو زمني، وبالتالي فإن منع الصراع هو إجراء استباقي، أو استراتيجي بنيوية متوسطة وطويلة المدى، يقوم بها عدد متنوع من الفاعلين بهدف تحديد وتهيئة الظروف المناسبة لبناء بيئة أمنية دولية مستقرة وقابلة للتوقع ([5]).
أخيرا، نشير إلى أن بعض الباحثين قد توسعوا في مفهوم الدبلوماسية الوقائية لتعني بكل بساطة، جميع الإجراءات والمساعي السلمية لحل المنازعات الدولية كما تنص على ذلك المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة. فالدبلوماسية الوقائية حسب هذا المنظور هي المعالجة السلمية التي تتم من خلال عملية التفاوض بين الدول لتسوية أي نزاع بينها، وكذا المساعي والإجراءات التي تقوم بها أية دولة أو أية منظمة إقليمية أو دولية بهدف منع نشوب النزاعات بين الوحدات الدولية، ومنع تصاعد المنازعات القائمة، والحيلولة دون تحولها إلى صراعات وحصر انتشار الأخيرة عند وقوعها، ويمكن أن تشمل هذه المساعي والإجراءات: المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية ([6]).
المطلب الثاني: الإطار التاريخي لمفهوم الدبلوماسية الوقائية
هذا الإطار هو الذي أشار إليه بإسهاب مهندس الدبلوماسية الوقائية "بطرس غالي" في خطته للسلام تحت عنوان: "الظروف الدولية المتغيرة"، والتي شرحها في النقط من 8 إلى 19 من تقريره.
لقد ظهر المفهوم وتم تداوله صحفيا وسياسيا وأمنيا، رسميا وشعبيا وأكاديميا، مباشرة بعد التحولات العميقة التي مست هيكل وقيم النظام الدولي خلال نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن العشرين، هذه الفترة المفصلية في تاريخ العلاقات الدولية والتي تميزت على الخصوص بما يلي:
- تفكيك جدار برلين، رمز الحرب الباردة والصراع بين الشرق والغرب.
- تفكك المعسكر الشرقي وحل ذراعه العسكرية حلف وارسو.
- انفراط عقد الاتحاد السوفياتي.
- اندلاع أزمة الخليج.
- انهيار الدولة في الصومال.
- نشوب الصراع العرقي في يوغوسلافيا… هذه الظروف، وغيرها، استغلتها الإدارة الأمريكية للإعلان عن ميلاد نظام دولي جديد تسود فيه مبادئ الحرية والمساواة والسلام والعدالة في توزيع موارد المجتمع الدولي واحترام روح القانون الدولي.
ولكي تعطي لهذا الخطاب مصداقية واستحسانا خاصة من لدن دول الجنوب، ربطته الدول الغربية بمنظمة الأمم المتحدة، وخاصة بالدور الذي يجب أن يضطلع به مجلس الأمن في حفظ السلم والأمن الدوليين، وهو الموقف الذي عبر عنه "جورج بوش" الأب أثناء حرب الخليج (يناير- فبراير 1991)، كما تم تأكيده في البيان الختامي الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 31 يناير 1992، حيث ورد ضمن البيان بأنه يجب أن تقوم الأمم المتحدة بدور رئيسي في هذه المرحلة الحاسمة مع ضرورة تعزيز وتحسين أدائها لزيادة فعاليتها ([7]). وهو الأمر الذي ترجمه "بطرس غالي" في خطته للسلام في النقطة الثانية حيث جاء فيها أن عقود الخصومة التي انتابت العالم أثناء الحرب الباردة قد حالت دون تحقيق الهدف الأساسي للمنظمة، ولذا فإن اجتماع القمة في يناير 1992 إنما كان لإعادة تأكيد الالتزام على أعلى المستويات، وبشكل لم يسبق له مثيل، بمقاصد الميثاق ومبادئه. وفي النقطة الثالثة، قال "غالي": إن تنامي الاقتناع لدى الأمم المتحدة، كبيرها وصغيرها، بأن الفرصة قد سنحت من جديد لتحقيق أهداف الميثاق العظيمة: أمم متحدة قادرة على صون السلم والأمن الدوليين، وكفالة العدالة وحقوق الإنسان، والقيام، كما جاء في الميثاق، بتعزيز الرقي الاجتماعي ورفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح، وبأن هذه فرصة يجب ألا تهدر، ويجب أن لا تسمح أبدا بأن تعود المنظمة إلى حالة الشلل التي أصابتها لحقبة من الزمن سلفت.
وفي النقطة الخامسة، يقول الأمين العام بأن مصادر النزاع والحرب منتشرة وعميقة، ويتطلب الوصول إليها بذل قصارى جهدنا لتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، والنهوض المتواصل بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية من أجل تعميم الازدهار، كما يتطلب التخفيف من المعاناة والحد من وجود واستعمال الأسلحة ([8]).
انطلاقا مما سبق، يتضح أن ظهور مفهوم الدبلوماسية الوقائية ارتبط بمرحلة نهاية الحرب الباردة، فلقد أدرك صناع القرار الدولي ومنهم هيئة الأمم المتحدة، أن مصادر تهديد السلم الدولي لم تعد هي القوى العظمى التي تمتلك أضخم الترسانات العسكرية التقليدية والإستراتيجية والنووية، كما أن الصراع الإيديولوجي قد توارى إلى الخلف ليفسح المجال أمام نوع من التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري، إضافة إلى الإحساس العارم بالنصر الذي انتاب المعسكر الغربي، إذ سارعت القوى الغربية، مستغلة المناخ الدولي، إلى فرض أجندتها على المنتظم الدولي مستغلة هيئة الأمم المتحدة التي كانت في أمس الحاجة إلى من يوقظها من سباتها العميق الذي لازمها طيلة مرحلة الحرب الباردة.
إن مصادر التهديد لم تعد تأتي من الشرق، بل من دول الجنوب المثقلة بالهموم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والتي تشكل التربة الخصبة لزرع ونمو الإحساس بالقهر والاستلاب، وبالتالي وجب توقع مختلف ردود الفعل المهددة للسلم العالمي خاصة في ظل انهيار مؤسسات الدولة أو فشل الدولة ذاتها في النهوض بمهامها.
المبحث الثاني: عناصر الدبلوماسية الوقائية
يمكن النظر إلى الدبلوماسية الوقائية من زاويتي نظر مختلفتين ولكنهما متكاملتين: النظرة الشمولية أي فلسفة الدبلوماسية الوقائية أو جانبها النظري، ثم النظرة الخاصة أي مختلف العمليات الإجرائية الكفيلة بتنزيل فلسفة الدبلوماسية الوقائية إلى أرض الواقع.
المطلب الأول: المنظور الشمولي للدبلوماسية الوقائية
الدبلوماسية الوقائية كما جاء في النقطة العشرين من خطة السلام هي العمل الرامي إلى منع نشوب منازعات بين الأطراف، ومنع تصاعد المنازعات القائمة وتحولها إلى صراعات، ووقف انتشار هذه الصراعات عند وقوعها، وهي تتكامل مع مفاهيم أخرى لا تقل أهمية هي: صنع السلم، حفظ السلام وبناء السلم.
يمكن التمييز داخل الدبلوماسية الوقائية بين عدة مستويات تبعا للجهة الموكول إليها تفعيلها، أو حسب نطاقها الجغرافي، أو مدى كثافة العمليات الإجرائية التي تتطلبها، لكن يظل أهم تمييز هو الذي يقسمها حسب المدى الزمني الذي يستغرقه تفعيل هذه الدبلوماسية لمنع نشوب النزاع المسلح، ومن ثم يمكن التمييز حسب هذا المعيار بين نوعين من الدبلوماسية الوقائية:
- المباشرة: وهي تهدف إلى منع الصراع على المدى القصير والمنظور، أي أنها تباشر في مرحلة الأزمة التي يحتمل جدا أن تدخل مرحلة خطر التصعيد العسكري وزيادة حدته وانتشاره، وبالتالي تكون الضرورة ملحة ومباشرة إلى فعل عمل معين لمنع تصعيد أو ازدياد كثافة الصراع، وغالبا ما يقوم بتفعيل إجراءات الدبلوماسية الوقائية في هذه الحالة طرف ثالث أو وسيط.
- الغير مباشرة: وهي تنسحب على الإجراءات الوقائية البنيوية للصراعات الكامنة، والتي يحتمل أن تؤدي على المدى البعيد إلى نشوب نزاعات مسلحة، وبالتالي فعمل الدبلوماسية الوقائية في هذه الحالة يعنى بتوفير الظروف أو البيئة الوطنية أو الإقليمية أو الدولية التي من شأنها أن تقلل احتمال الصراع إلى أدنى حد ممكن، أو على الأقل عدم التهديد بتحويلها إلى صراعات مسلحة، وهو ما يعرف بالمنع الوقائي العميق أو البنيوي، مثل تخفيف حدة الفقر أو القضاء عليه، مكافحة مظاهر الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي، نشر الديمقراطية وتعزيز احترام حقوق الإنسان، مكافحة الجريمة المنظمة والمخدرات والتجارة غير الشرعية في السلاح، منع التمييز العنصري وتشجيع عوامل الاندماج بين الجماعات الوطنية، ودعم التكتلات الإقليمية والجهوية وخلق الآليات الدبلوماسية والتحكيمية والقضائية لفض المنازعات، ولنا في السياسة الأمنية الأوربية خير مثال للدبلوماسية الوقائية الشمولية التي تتضمن:
- سيادة الحكم الديمقراطي الكفء.
- انتشار الحكم الرشيد.
- دعم الإصلاح السياسي والاجتماعي.
- معالجة الفساد وسوء استخدام السلطة.
- بناء سيادة القانون.
- حماية حقوق الإنسان.
فهذه العناصر تشكل أفضل الوسائل لتعزيز السلم والأمن الدوليين، وهي عناصر لعملية شاملة ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وحقوقية، أساسها احترام الإنسان وخدمته وحماية مستقبله ([9]).
وبالرجوع إلى خطة السلام، نجد ترجمة للمنظور الشمولي للدبلوماسية الوقائية، والتي أجملها "بطرس غالي" في خمسة محاور متضمنة في النقطة الخامسة عشر:
1- السعي مبكرا إلى تحديد الحالات التي قد تؤدي إلى نشوب صراعات، والعمل عن طريق الدبلوماسية على إزالة مصادر الخطر قبل نشوب العنف.
2- الشروع حال تفجر الصراع، في صنع السلم بهدف حل القضايا التي أدت إلى نشوب الصراع.
3- العمل، عن طريق حفظ السلم، على صون السلام، مهما كان هشا، حيثما توقف القتال، والمساعدة على تنفيذ الاتفاقات التي يتوصل إليها صانعو السلام.
4- التأهب للمساعدة في بناء السلم في مختلف مراحله: إعادة بناء المؤسسات والهياكل الأساسية للأمم التي مزقتها الحروب والنزاعات الأهلية، وبناء روابط المصالح السلمية المتبادلة بين تلك الأمم.
5- التصدي، بالمعنى الأوسع، للأسباب العميقة للصراع: العجز الاقتصادي، والجور الاجتماعي، والقهر السياسي. ومتطلبات حلول هذه المشاكل تكمن في الالتزام بحقوق الإنسان مع اهتمام خاص بحقوق الأقليات، سواء كانت عرقية أو دينية أو اجتماعية أو لغوية، مع الاحتفاظ وصيانة وحدة الدول (النقطتان 17 و18 من خطة السلام) ([10]).
المطلب الثاني: المنظور الخاص للدبلوماسية الوقائية وبعض تطبيقاتها في العلاقات الدولية
في خطته للسلام، أكد "بطرس بطرس غالي" على جدلية العلاقة بين مفاهيم: الدبلوماسية الوقائية، صنع السلم، حفظ السلام وبناء السلم، واعتبر أن هذه المفاهيم تشكل كلا لا يتجزأ في سبيل صون السلم والأمن الدوليين وإعادتهما إلى نصابهما حال الإخلال بهما. لكنه عند تعرضه حصريا للدبلوماسية الوقائية، رأى أن هذه الأخيرة ترتكز على خمسة عناصر إجرائية قمينة بأجرأة مفهوم الدبلوماسية الواقعية وجعلها ممكنة التحقق في واقع العلاقات الدولية، وهي:
1- تدابير بناء الثقة: مثل تبادل البعثات العسكرية بصورة منتظمة، وتشكيل مراكز إقليمية أو بنية إقليمية لتقليل المخاطر، ووضع ترتيبات للتدفق الحر للمعلومات، بما في ذلك رصد اتفاقيات التسلح الإقليمية (النقطة 24).
2- تقصي الحقائق: كي تكون الأمم المتحدة على معرفة آنية ودقيقة بالحقائق، أي جميع المعلومات التي تحتاج إليها عن الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية، علاوة على التطورات السياسية التي قد تؤدي إلى حدوث توترات خطيرة. واللجوء إلى تقصي الحقائق، يكون إما بمبادرة من الأمين العام أو مجلس الأمن أو الجمعية العامة، أو بناء على طلب أي دولة من الأمم المتحدة إرسال بعثة إلى أراضيها لتقصي الحقائق (النقطة 25).
3- الإنذار المبكر: أي منظومة الأمم المتحدة للإنذار المبكر فيما يتعلق بالأخطار البيئية، وخطر وقوع الحوادث النووية، والكوارث الطبيعية، وتحركات السكان الضخمة، وخطر حدوث المجاعات وانتشار الأمراض، والمؤشرات السياسية للوقوف على احتمال وجود خطر يهدد السلم، وهي مسؤولية الوكالات المتخصصة والمكاتب الفنية في الأمم المتحدة، وكذلك الترتيبات والمنظمات الإقليمية (النقطة 26).
4- الانتشار الوقائي: ويعني نشر قوات الأمم المتحدة وقائيا في ظروف أزمة وطنية بناء على طلب من الحكومة أو من جميع الأطراف أو بموافقتهم. وفي النزاعات الدولية، يمكن أن يتم مثل هذا الانتشار عندما يشعر الطرفان أن وجود الأمم المتحدة على جانبي حدودهما يمكن أن يمنع الأعمال العدائية، كذلك يمكن أن يتم الانتشار الوقائي عندما يشعر بلد ما بأنه مهدد، فيطلب وجودا مناسبا للأمم المتحدة على جانبه هو فقط من الحدود (النقطة 28).
5- المناطق المنزوعة السلاح: وهي كتدبير وقائي، تعني وجود مناطق منزوعة السلاح على جانبي الحدود بموافقة الطرفين باعتبارها وسيلة للفصل بين متحاربين محتملين، أو على جانب واحد من الحدود بناء على طلب أحد الطرفين من أجل إزالة أي ذريعة للهجوم (النقطة 33).
إن تفعيل الدبلوماسية الوقائية لم يكن وليد لحظة تجدد هذا المفهوم عقب نهاية الحرب الباردة، بل هو قديم قدم العلاقات الدولية لكن بصيغ أخرى لعل أبرزها هو ما جاء في الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، وخاصة المادة 33 الخاصة بالوسائل السلمية لحل المنازعات الدولية. أما خلال الفترة التي تهمنا أي نهاية الحرب الباردة، فحسبنا أن نشير إلى بعض تطبيقات الدبلوماسية الوقائية على بعض النزاعات الدولية التي تدخلت فيها هيئة الأمم المتحدة عبر مجلس الأمن مثل قضايا العراق وليبيا والصومال وهايتي.
1-حالة العراق: إذ في 05- 04- 1991 أصدر مجلس الأمن القرار رقم 688 الذي جاء فيه: "أن المجلس منزعج مما يتعرض له المدنيون العراقيون من قمع في أماكن متعددة في العراق، وفي المنطقة التي يسكنها الأكراد أيضا، مما أدى إلى نزوح مكثف للاجئين نحو الحدود أو حتى عبورهم الحدود، وأدى ذلك إلى حدوث بعض الصدامات الحدودية مما يهدد السلام والأمن الدوليين…".
2- حالة ليبيا: حيث أصدر مجلس الأمن القرار رقم 748 في 31-03-1992 الذي جاء فيه: " إيمانا من المجلس أن قمع أي عمل إرهابي دولي… يعد أمرا ضروريا للحفاظ على السلام والأمن الدوليين…".
3- حالة الصومال: حيث أصدر مجلس الأمن القرار رقم 794 بتاريخ 03-02-1993 والذي قرر فيه: "أن حجم المأساة الإنسانية الناتجة عن النزاع في الصومال… مما يشكل تهديدا للسلام والأمن الدوليين…".
4- حالة هايتي: حيث أصدر مجلس الأمن القرار رقم 841 في 17-06-1993 الذي جاء فيه: "… لقد لاحظ المجلس بقلق تدهور الأزمة مما أدى إلى النزوح الجماعي للسكان، مما يشكل تهديدا للسلام والأمن الدوليين" ([11]).
خاتمــة:
مباشرة بعد نهاية الحرب الباردة، حاول المنتظم الدولي إحياء دور هيئة الأمم المتحدة في مجال الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وذلك عبر تفعيل مفهوم الدبلوماسية الوقائية، وبالفعل أظهرت الأمم المتحدة عزمها على الاضطلاع بهذا الدور من خلال قرارات التدخل في كل من العراق وليبيا والصومال وهايتي، لكن بداية التشكيك في فعالية وربما مصداقية الدبلوماسية الوقائية كانت مع الأزمة اليوغوسلافية، إذ خلال هذه الأزمة ما فتئ الأمين العام الأممي يدلي بالمبررات تلو الأخرى بعدم التدخل لحماية مسلمي البوسنة والهرسك، أمام الامتحان الثاني والحقيقي لهذه الدبلوماسية فكانت مع أحداث 11 شتنبر 2001 التي تظل علامة فارقة عن تحول جذري في مفهوم الدبلوماسية الوقائية الذي حولته الولايات المتحدة إلى حرب وقائية ابتدأت بغزو أفغانستان بدعوى مكافحة الإرهاب، مرورا باحتلال العراق بدعوى القضاء على أسلحة الدمار الشامل، وأخيرا وليس آخرا بالتدخل في منطقة الشرق الأوسط بدعوى نشر الديمقراطية وتطبيق مبادئ القانون الدولي الإنساني.
صحيح أن النظم الديمقراطية لا تحارب بعضها بعضا كما يقال، لكن إغفال عنصر التنمية يجعل دعاوى الديمقراطية في مهب الريح، إذ أن السلم والتنمية الديمقراطية أوجه لعملية واحدة، فالسلم شرط أساسي للتنمية، والديمقراطية ضرورية جدا لاستدامة التنمية، كما لا يمكن الحديث عن التنمية بدون ديمقراطية. إن المجتمعات التي تفتقر إلى الرفاهية الأساسية تميل إلى الوقوع في هوة الصراع، ومن ثم فهناك ثلاث أولويات كبرى متشابكة: الديمقراطية، السلم والتنمية ([12]).
إن أفق الدبلوماسية الوقائية تحجبه غيوم كثيرة، فمعيار من ليس معنا فهو ضدنا ألغى جميع المعايير السابقة التي كانت تعتمد على التحالف مع من يناصر الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات المدنية ويعلي شأن القانون الدولي ويخضع للشرعية الدولية، أما الآن فيبدو أن المشروعية الدولية قد أصبحت أسيرة للمشروعية الأمريكية في إطار إستراتيجيتها الجديدة حول ما يسمى بالخطر المحتمل عن طريق الحروب الوقائية ([13])، مهما كانت طبيعة القوة المستعملة في هذه الحروب إن خشنة أو ناعمة أو ذكية.
قائمة المراجع
الكتــب:
- محمد الهزاط: محاضرات في مادة تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة، مطبعة سجلماسة، مكناس، المغرب، طبعة 2008- 2009.
- زايد عبد الله مصباح: الدبلوماسية، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 1999 م.
- حسن نافعة: الأمم المتحدة في نصف قرن: دراسة في تطور التنظيم الدولي منذ 1945، عالم المعرفة، الكويت، أكتوبر 1995.
- جيران في عالم واحد، نص تقرير لجنة "إدارة شؤون المجتمع الدولي" ترجمة: مجموعة من المترجمين، مراجعة: عبد السلام رضوان، عالم المعرفة، عدد 201، شتنبر 1995.
المـقالات:
- سامي إبراهيم الخزندار: المنع الوقائي للصراعات الأهلية والدولية، إطار نظري، المجلة العربية للعلوم السياسية، عدد 32 خريف 2011.
- المختار مطيع: الوطن العربي والنظام العالمي الجديد: التفاعلات والتأثيرات، شؤون عربية، عدد 74.
- نبيل العربي: الأمم المتحدة والنظام العالمي الجديد، السياسة الدولية، عدد 114، أكتوبر 1993.
- عبد الله تركماني: مخاطر تحول النظام الدولي من الدبلوماسية الوقائية إلى الحروب الوقائية وتداعياتها على العالم العربي، بحث منشور على شبكة الإنترنيت.
الوثائق:
- "خطة للسلام" نص التقرير الذي رفعه الأمين العام الأممي السابق بطرس بطرس غالي إلى مجلس الأمن بتاريخ 17-06-1992 بناء على توصية المجلس في اختتام اجتماعه بتاريخ 31- 01- 1992
[1] - سامي إبراهيـم الخزندار: المنع الوقائي للصراعات الأهلية والدولية، إطار نظري، المجلة العربية للعلوم السياسية، عدد 32 خريف 2011، ص: 26.
[2] - النقطة 21 من "خطة للسلام".
[3] - محمد الهزاط: محاضرات في مادة تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة، مطبعة سجلماسة، مكناس، المغرب، طبعة 2008- 2009، ص: 379.
[4] - سامي إبراهيم الخزندار، مرجع سابق، ص: 32.
[5] - نفس المرجع، ص: 30.
[6] - زايد عبد الله مصباح: الدبلوماسية، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 1999 م، ص: 125.
[7] - المختار مطيع: الوطن العربي والنظام العالمي الجديد: التفاعلات والتأثيرات، شؤون عربية، عدد 74، ص: 57.
[8] - حسن نافعة: الأمم المتحدة في نصف قرن: دراسة في تطور التنظيم الدولي منذ 1945، عالم المعرفة، الكويت، أكتوبر 1995، ص: 374.
[9] - سامي إبراهيم الخزندار: مرجع سابق، ص: 32.
[10] - حسن نافعة: الأمم المتحدة في نصف قرن: دراسة في تطور التنظيم الدولي منذ 1945، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أكتوبر 1995، ص: 377 إلى 382.
[11] - نبيل العربي: الأمم المتحدة والنظام العالمي الجديد، السياسة الدولية، عدد 114، أكتوبر 1993، ص: 152.
[12] - جيران في عالم واحد، نص تقرير لجنة "إدارة شؤون المجتمع الدولي" ترجمة: مجموعة من المترجمين، مراجعة: عبد السلام رضوان، عالم المعرفة، عدد 201، شتنبر 1995، ص: 78.
[13] - عبد الله تركماني: مخاطر تحول النظام الدولي من الدبلوماسية الوقائية إلى الحروب الوقائية وتداعياتها على العالم العربي، بحث منشور على شبكة الإنترنيت، ص: 73.

اكتب تعليق

أحدث أقدم