رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإسكندرية

بقلم \ المفكر العربى الدكتورخالد محمود عبد القوي  عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي 
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 

مما لاشك فيه أنه عندما تولى «بطليموس الأول» حكم مصر ، انتهج سياسة إرضاء الكهنة ،  وصنع علاقات طيبة معهم بمراعاة مشاعرهم الدينية واحترام معبوداتهم .
ُ وقد قام «بطليموس» بأعمال عظيمة وإصلاحات كثيرة 
في المعابد المصرية في أول ولايته وبخاصة في الكرنك
والأقصر و أعاد للكهنة أراض كان الفرس قد صادروها منهم . 
عل أن هذا لا يعني أن البطاملة كانوا مثاليين في معاملتهم للشعب المصري أو للكهنة المصريين ؛ ولكنهم  كانوا يعلمون أن انضمام الكهنة إلى جانبهم يكفيهم شر قيام أية ثورة في البلاد ضدهم .
كانت العواصم المصرية منذ القدم مسرحا لوفود الأجانب عليها والاختلاط بأهلها وقد زاد وفود الأجانب منذ الأسرة ۲۹ عندما أخذ ملوكها  يستعملون المرتزقة الإغريق و الكاريين واليهود في الجيش المصري ..
غير أن المصريين في كل أطوار تاريخهم لم يقبلوا الاختلاط بالأجانب، وذلك حسب تعاليم دينهم .
ومنذ أول عهد البطالمة ازداد عدد الأجانب مما دعا بطليموس إلى محاولة إيجاد حل لإرضاء المصريين من جهة ولو ظاهريا ؛ و إرضاء السكان الجدد من جهة أخرى ؛ وذلك من حيث الوجهة الدينية بوجه خاص.
وتدل الشواهد أن بطليموس الأول قد فطن لأن معتقدات مصر كانت قد نفذت إلى أفكار الإغريق ؛ ففكر في توجيه الإغريق الوافدين إلى عبادة إله لم يكن مجهولا لدى المصريين ولم يكن بعيدا عن المعتقدات الإغريقية .
كانت المشكلة عويصة أمام وجود : مصريين ، ويونانيين ، وسوريين ، وفينيقيين ، وفرس، ويهود ، وفوق كل أولئك كان المقدونيون ، بدياناتهم وآلهتهم ورموزهم المقدسة .
و كان صعبا على السلطة الحاكمة أن تلم شعث كل أولئك ليتعبدوا إلى إله واحد ، تحقق به الإدارة العليا البطلمية للبلاد  هدف الاستقرار الدینی العقائدي للجميع حتى تضمن ولاء كل فئات الشعب المختلفة لزعامة دينية واحدة يسهل توجيهها من قبل الملك ، كما يسهل إرضائها وإخضاعها عند الضرورة . 
ومع ذلك حاول الملك البطلمي بإصرار  أن يجد حلا يحقق الوحدة الدينية لشعب المملكة الناهضة ، ضمانا لاستمرار الوحدة السياسية  .
ولقد وجد بطلميوس الأول سوتير : Soter ضالته في الإله المصري أوزیر آبيس ، الذي كان له أتباع أجانب كثيرون وله من الصفات ما يرشحه للقيام بدور الإله الجديد للمملكة البطلمية الجديدة ولكن : 
أولا -  بعد إضافة بعض التعديل ثم تغيير اسمه فأصبح سيرابيس  ، ليسهل نطقه على الأجانب ، من ناحية وليبدو جديدا مغايرا للأصل المصرى . 
ثانيا : تم تصويره على هيئة إنسانية ، كرجل ملتح ، جميل القسمات ، على غرار التماثيل اليونانية للألهة ، وذلك بدلا
من رمزه المقدس عند المصريين ، وهو العجل !!! 
 ثم تم إنشاء معبد كبير له بالاسكندرية ، في الحي الشعبي ، وظل ذاك المعبد هو المعبد الرئيسي والرسمي لعبادة هذا الإله الجديد .(معبد السيرابيوم) 
ويتضح  جليا ، من الأدلة الأثرية لمعابد ذلك الإله، وكذلك من النقوش والنصوص ، أنه كان معروفا ومنتشرا وذائع الصيت خارج مصر ، أكثر من عبادته داخل مصر .
لقد كان الثالوث المعبود ، في العالم الهيلينستى ، وبصفة خاصة في حوض البحر الإيجي ، هو سيرابيس ، وإيزيس ، وأنوبيس ، وذلك لمنح ، هذا الأخير ، الخلود لكل من يعبده وهو أعظم هدية لكل الموتى في العالم الآخر .
كما يلاحظ ، من كثرة النصوص البردية المكتشفة داخل مصر أنه كانت هناك دعاية رسمية حكومية كبيرة لهذا الإله ، سيرابيس ، في القرن الثالث ق.م.  كما تم إحصاء عدد ٤٢ معبدا باسم هذا الإله في كل مصر ؛ وربما كان ذلك من قبيل المبالغة أو عدم الدقة في صحة الأثر .
ومع كل ذلك ، فقد كانت عبادة إيزيس Isis هي الأقوى والأكثر ذيوعا وانتشارا ، ولولاها ما دخل سيرابيس إلى عالم البحر المتوسط ..
 وقراءة سريعة لبعض نصوص الإهداءات إلى تلك الربة المصرية ، تكشف لنا عن الروح الطيبة والقوية التي غزت بها إيزيس العالم الخارجي ، حتی عبدت في أثينا نفسها  .
وكمثال : فإن بعص السطور المترجمة عن نصوص بردية مكتشفة في مصر،  تقول فيها الربة عن نفسها :
" أنا إيزيس ، أنا التي يسمينى النساء إلاهة ، إنى امرت بأن يحب الرجال النساء، وجمعت بين الزوجة وزوجها، واخترعت عقد الزواج ، وأمرت بان تضع النساء اطفالا ، وأن يحب الأطفال والديهم " .
وكانت ايزيس على حق حينما وصفت نفسها  بأنها هي :
"فخر النساء لأنها هي التي أعطتهن قوة مساوية للرجال" ..
 ومن هنا كان اكتساح تلك الربة ، وزيادة عدد المؤمنات والمؤمنين بها ، في كل العالم القديم، لأنها ببساطة تلبی متطلبات الإنسان العادية ، رجلا كان أم امرأة ، في حياة عائلية مستقرة ، يرفرف عليها السلام والأخلاق الحميدة (*1)
-----------------------------------------------------------------
🔸️بطليموس واستكمال إنشاء مدينة الإسكندرية و الفنار 
وضع الإسكندر الأكبر، حجر الأساس لمدينة الإسكندرية، ولم يمهلة الأجل ليرى مدينته التي أتمها من بعده بطليموس الأول، وجعلها عروس البحر الأبيض المتوسط وزينة
الدنيا من حيث المباني، كما أضحت قبلة العالم الهيلانستيكي من حيث العلوم والمعارف في عصره وفي عصر أخلافه.
وقد وضع تصميمها المهندس دینوكراتیس، DieneCrates المقدوني على شكل مستطيل كما كان متبعا في تصميم المدن الهيلانية .
 وتميزت الإسكندرية عن سائر مدن مصر حتى أصبحت
تعرف باسم المدينة ، وذلك على غرار مدينة طيبة في عهد الفراعنة فكانت تعرف باسم «نو» أي المدينة .
 فعلى بعد نحو  أربعين ميلا من نقراطيس في الاتجاه الشمالي الغربي، وعلى مسافة بضعة أميال غربي فرع النيل الكانوبي ، اختار الإسكندر تلك البقعة التي شيدت عليها مدينة الأسكندرية ، وهي تقع على ذلك الشريط من اليابسة الذي يفصل البحر عن بحيرة مريوط .
 ويبدو أن الأسكندر قد اختار هذه البقعة لجفافها وارتفاعها عن مستوى الدلتا وبعدها عن رواسب فرع النيل الكانوبي ، وسهولة وصول مياه الشرب إليها ، ولقرب جزيرة فاروس منها و بحيرة مريوط ...
وقد قدر الأسكندر أنه بمد جسر من الجزيرة إلى الشاطيء يمكن توفير مرفأين في هذا المكان ، يستخدم أيها تبعا لاتجاه هبوب الريح ، وأن البحيرة يمكن استخدامها مرفأ للمراكب الآتية من داخل البلاد عن طريق النيل ..
ولعل وجه الشبه بين موقع جزيرة فاروس تجاه شاطىء الدلتا وموقع صور على جزيرة تجاه الشاطىء الأسيوى هو الذي لفت نظر الأسكندر إلى ما يتوافر لموقع الإسكندرية من مميزات فقرر على الفور إنشاءها دون تدبیر سابق .. 
 ذلك بدلیل ماترويه المصادر القديمة عن عدم توافر كمية كافية من الجير لتعيين مواقع أسوار المدينة والاستعانة بالدقيق المخصص لشونة الجنود لإتمام التخطيط مما اعتبر فألا سعيدا ينم عما ستعيشه المدينة من الرخاء والرفاهية . 
كانت مدينة صور قد تحطمت منذ فترة قصيرة و كانت أكبر ميناء في شرق البحر الأبيض المتوسط ، فأراد الإسكندر أن يجعل من الإسكندرية ثغرا مقدونيا يخلف صور في العالم التجاری ، ولا سيما أنه لم يكن لمصر ميناء جدير بأهميتها وغناها على شواطىء البحر الأبيض المتوسط وذلك بالرغم من أن علاقاتها بعالم بحر إيجه كانت في ازدياد مطرد منذ قرون . 
وقد كانت مصر بالنسبة للإمبراطورية المقدونية مستودعا للحبوب و المنتجات الزراعية و الغذاء ؛ ولعل هدف الإسكندر لم يكن اقتصاديا فحسب بل كان حربيا أيضا ، بأن يجعل من الإسكندرية قاعدة بحرية تدعم سيطرته على بحر إيجة وشرق البحر الأبيض المتوسط .
ويبدو أن الإسكندرية كانت أول ميناء لمصر على مياه البحر الأبيض المتوسط العميقة ، لأن پلوزیون كانت تقع على فرع النيل البيلوزي على مسافة أربعة كيلو مترات تقريبا من البحر ، و كانت نقراطيس تبعد كثيرا عن البحر ، أما كانوب ، التي كانت تعتبر ميناءها ، فلا يبعد أنها لم تكن أكثر من مأوی عند مصب النيل . ( أنظر خريطة مصر في عصر البطالمة بالتعليقات )
وبينما احتفظت پلوزیون  بمكانتها باعتبارها مفتاح مصر من ناحية الشرق فإن نقراطيس فقدت أهميتها تبعا لازدياد أهمية الإسكندرية التي جذبت إليها انظار الشرق والغرب معا وأصبحت تلعب دورا كبيرا في حياة مصر الإقتصادية ليس باعتبارها عاصمتها فقط بل أيضا باعتبارها ميناءها الأولى . 
فقد كانت تستقبل من الخارج ما تحتاج إليه البلاد فتوزعه عليها ، ويأتي إليها من كل أنحاء البلاد ما يزيد على حاجتها فتصدره إلى مختلف الأسواق الخارجية ؛ ولم تكن الإسكندرية مركزا تجاريا ممتازة فحسب بل كانت أيضا مركزا صناعيا هاما .
وسرعان ماغدت الإسكندرية أكبر مدينة أغريقية في العالم تفوق في اتساعها أكبر المدن القديمة : أثينا و كورنثا وسيراكوز  وقد غدت كذلك في طليعة عواصم الحضارة الإغريقية و استمتعت بمكان الصدارة في حلبة هذه الحضارة طوال القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد ، فلا عجب أن خلعت اسمها على حضارة هذين القرنين .
ويبدو مما يرويه استرابون أنه كانت تقوم في البقعة التي شيدت الإسكندرية عليها قرية تدعى راكوتيس Rhakotis
إذ يحدثنا بأن ملوك مصر السابقين كانوا قانعين بمنتجات بلادهم ولا يريدون استيراد شيء من الخارج ، و يكرهون
الأجانب وخاصة الأغريق لما عرف عنهم من الجشع في اغتصاب البلاد الأجنبية.
ولذلك أقاموا في هذه البقعة حامية عسكرية لصد الأجانب عن دخول البلاد وأنزلوا مساء جنودهم في القرية التي كانت تعرف بإسم راکوتیس، وأصبحت جزءا من مدينة الإسكندرية وراء أحواض الميناء . 
ونقرأ في « قصة الإسكندرية » التي تعزى إلى كاليستينيس أن البقعة التي شيدت الإسكندرية عليها كان يقوم عليها قديما عشرة قري مصرية كانت راكوتيس أكبرها .
وتدل الأبحاث الجيولوجية الحديثة على أن شاطىء الإسكندرية كان في ما قبل التاريخ يتألف من سلسلة من الجزائر الصغيرة ، تقع عند مدخل الخليج الذي أصبح فيما بعد بحيرة مريوط ، لكن ارتفاع سطح البحر بالتدريج وتراكم رمال
الصحراء أديا على تعاقب الأجيال إلى ربط هذه الجزر بعضها ببعض وتحول الخليج إلى بحيرة . 
و بمضى الزمن طرأت تغییرات أخرى على أرض الإسكندرية ، فإن مستوى المدينة القديمة قد انخفض عما كان عليه في عصر البطالمة والرومان مسافة تتراوح بين متر ومتر ونصف أو أكثر من ذلك . 
ويبدو أن هذا الانخفاض قد حدث بالتدريج ، إما نتيجة لهزات زلزالية عنيفة أو نتيجة لإحدى الظواهر الجيولوجية أولارتفاع
مستوى البحر ..
 ويجب أن يلاحظ أيضا أن مستوى المدينة القديمة أوطأ من مستوى المدينة الحديثة ببضعة أمتار لا بسبب هذا الهبوط فحسب بل بسبب مخلفات العصور المختلفة التي كونت طبقات فوق طبقات، إذ أنه لكي نصل إلى مستوى المدينة في العصر الروماني يجب أن نحفر في باطن الأرض ستة أو سبعة أمتار .
 ولذلك لا بد من أن اطلال المدينة البطلمية تقع على عمق أبعد من ذلك ، ومن ثم يرجح أن المياه تغمر كل طبقات ذلك العصر مما جعل مهمة علماء الآثار في إعطائنا صورة كاملة
لمدينة الإسكندرية القديمة مهمة عسيرة .
وقد كان يظن أن فاروس لم تكن وقت مجيء الإسكندرية أكثر من مأوى لبعض صیادی السمك المصريين ، وأن الإسكندر وخلفاءه من أفراد أسرة البطالمة هم الذين أنشأوا في هذا المكان ميناء عظيما . 
لكن أبحاث جاستون چونديه Gaston Jondlet أثارت مشكلة هامة ، فإنه کشف في قاع البحر ، عند المكان الذي كان يعرف قديما باسم جزيرة فاروس ، عن بقايا أرصفة ومنشآت بحرية ضخمة. أما جوندیه فإنه يميل إلى الاعتقاد بأن رمسيس الثاني هو الذي أنشأ الميناء المندثر ، ليحمي مصر من طغيان شعوب البحر ، ويقول :
 " إن مواد البناء ضخمة ، كما هي الحال في أبنية الفراعنة ، ولا بد من أن نقلها وإنشاءها كان أصعب من إقامة الأحجار التي تتألف منها الأهرامات الكبيرة " . 
وقد اهتم الكتاب القدماء بتفاصيل قصة تعيين مواقع أسوار المدينة أكثر من اهتمامهم باعطائنا معلومات دقيقة عن مقاییس الأسوار وأبعادها وشكلها ومواقعها . وقد انفرد تاکيتوس « Tacitus » من بين المؤرخين القدماء بأن عزا إنشاء الأسوار إلى بطلميوس الأول .
ولا سبيل إلى الشك في أن أسوار الإسكندرية كانت أعلى من أسوار أي مدينة إغريقية أخرى ، فيما عدا سیراكوز وأثينا ، وقد أثبتت الحوادث أنها كانت متينة على الدوام ، فقد فشل أمامها أنطيوخوس الرابع ملك سوريا في عامی 198 و 170 ق.م. وقضى دقلديانوس ثمانية أشهر للاستيلاء عليها في عام 296- 295 ق.م  . 
ويكاد ينحصر كل ما نعرفه عن هذه الأسوار في العهد الإغريق فيما يلى :
 أولا : أنه كان يحيط بالإسكندرية منذ تأسيسها أسوار يبلغ أقصى  طولها حوالي 15 كم.
ثانيا : حصنت هذه الأسوار بإقامة أبراج عليها في مسافات متقاربة .
ثالثا : كانت هذه الأسوار تنبع من الناحية الشمالية الشرقية مجرى الشاطىء حتى رأس لوخیاس «lochias »، ثم تتجه نحو القناة المتفرعة من الفرع الكانوبي  .
ويحدثنا استرابون بأن المدينة كانت تبلغ (30 ستاديا) Stadion .. في الطول و 8 ستاديا في العرض.. أما استفان البيزنطى فيروى أن طول المدينة كان 34 ستادیا و عرضها 8 
(هذا ويعادل ال Stadion نحو 181 مترا أو 600 قدما ؛ 
وهذا يعني أن الإسكندرية كان طولها أكثر بقليل من 6 كم و عرضها أقل بقليل من 1.5 كم )
وقد كان يحتفل بعيد تأسيس الإسكندرية في الخامس والعشرين من طوبة Tybi مما يدعو إلى الإعتقاد بأن حفل التأسيس أقيم حوالي 30 يناير عام 331 ق.م في عهد الإسكندر . 
وأهم طابع لتخطيط الإسكندرية هو شوارعها التي تجرى في خطوط مستقيمة من الشمال إلى الجنوب ، ومن الشرق إلى الغرب ، حتى لتشبه لوحة الشطرنج . وقد شبة الأقدمون شكل رقعة المدينة بشكل عباءة الحرب المقدونية ، وكانت كجزء من دائرة يبلغ طوله ضعف عرضه تقريبا .
وإذا كان كلیومینیس النقراطيسي هو أول من بدأ في إقامة منشئات الإسكندرية وكان كل البطالمة تقريبا قد أسهموا في تجميل هذه المدينة ، فلا سبيل إلى الشك في أنه كان لبطليموس الأول والثاني أكبر نصيب في ذلك.
 ويبدو أنها في عهد بطلميوس الثاني كانت قد استكملت أهم مظاهرها التي اشتهرت بها في عهد الإغريق والرومان.
وكان بها شارعان رئيسيان يزيد عرض كل منهما على ثلاثين ياردة ، وتقوم على جانبهما دهاليز أعمدة كانت تضاء ليلا. 
وكان أحد الشارعين الرئيسيين يمتد من باب کانوب ( أبوقير ) في الشمال الشرقي إلى باب الغرب في الجنوب الغربي . 
أما الآخر فكان يجري من باب الشمس عند بحيرة مربوط في الجنوب الشرقي إلى باب القمر عند  شرقي الجسر الذي بربط الشاطىء بجزيرة فاروس . 
وقد كان هذا الشارع يتقاطع عند وسطه تقريبا فيما يظن مع الشارع الأول فيتألف في ذلك المكان میدان كبير  Mason Pedion .
 وكانت بقية الشوارع بوجه عام تجرى موازية لهذين الشارعين الرئيسيين . وكان كثير من هذه الشوارع يسمح لسير العجلات ،وذلك على نقيض الشوارع الضيقة التي كانت توجد عادة في المدن الأغريقية القديمة .
ويبدوأنه عندما توفيت أرسينوي فيلادلفوس كان من بين ما فعله بطليموس الثاني لتخليد ذكراها أنه أعاد تسمية شوارع الإسكندرية أو على الأقل ما يمر منها في الحي الملكي وأطلق عليها اسم أرسينوى، إذ تحفظ وثيقة بردية أسماء عدد من
شوارع الإسكندرية يحمل كل منها اسم أرسينوى ، لكنه لتمييز بعضها عن بعض.أضيف إلى إسم أرسينوي في كل حالة لقب إحدى الآهات الإغريقية التي شبهت بها .
فقد أضيف إلى إسم أرسينوى الألقاب التالية باسيليا  Basileia  وكذلك تليا Teleia ..
 وكانت قوانين المدينة تقضي بأن يترك بين كل بيت وما يجاوره مسافة قدم واحد على الأقل ، إلا إذا تم الإتفاق على عكس ذلك بين الجارين ، الذين كان يحق لهما إذا شاءا بناء جدار مشترك بين بينهما ..
وقد ربط جزيرة فاروس بشاطىء المدينة جسر أطلق عليه أسم الهبتاستادیون Heptastdion لأن طوله كان ٧ ستاديا أي حوالي 1300 متر ؛ فنشأ بذلك  ذلك ميناءان أحدهما إلى الشرق و يدعى  « الميناء الكبير »  Megas Limen والآخر إلى الغرب ويدعى « إينوستوس»  Enostos  . 
ويظن أن هذا الاسم إما مأخوذ من اسم ملك سولي في قبرص، زوج ابنة بطليموس الأول ، أو لأن معنى هذا الاسم بالإغريقية « العودة السالمة ». 
وكان هذان الميناءان يتصلان بواسطة ممرين في جسر الهيبتاستاديون عند طرفيه . 
وقد خصص لاستعمال الملوك ميناء خاص يسمى «ميناء الملوك» ويقع على الشاطىء الجنوبي للميناء الكبير تجاه جزيرة أنتيرودوس  Antirrhoulos  ، الواقعة في الجنوب الشرقي داخل الميناء الكبير .
 وكان يمتد من رأس لوخیاس ، الذي يؤلف الجانب الشرقي للميناء الكبير ، لسان يحمي هذا الميناء من التيارات والرياح الشمالية . ولا يفصل هذا اللسان عن الصخرة التي تقوم عليها المنارة شرقی جزیره فاروس إلا مدخل ضيق إلى الميناء الكبير .
وكان يقوم على رأس لوخياس ( منطقة السلسلة الحديثة ) معبد وجانب من القصور الملكية ، وكانت تمتد حتى تجاه جزيرة أنتيرودوس حيث كان يوجد المسرح ، ويليه معبد بوسیدون على نتوء داخل الميناء الكبير ، وقد أضاف أنطونيوس إلى هذا النتوء جسرا شید عند طرفه مسكنا منعزلا عرف باسم التيمونیوم Timonium .
و بعد ذلك كان يوجد معبد قیصر  Cesareum  الذي بدأت
كليوباترة السابعة بناءه وأتمه الرومان بعد الفتح والسوق والأرصفة والمستودعات .
إن الأرصفة وما يجاورها من المستودعات « Apostascis » کانت تكون قسما خاصا « Exhairesis » تفصله أسوار عن المدينة ، وكانت البضائع تنقل إلى هذا القسم دون فرض مكوس عليها . أما البضائع التي كانت تنقل من هناك إلى المدينة فقد كانت تجبي عنها الكوس المقررة  . 
والرأي السائد هو أن الترسانة الملكية كانت تقع داخل الميناء الكبير ، وإن كنا لا نستطيع قبول هذا الرأي ، لأنه في خلال « حرب الإسكندرية » جر الإسكندريون من هذه الترسانة مراكب قديمة كانت متروكة هناك ، فلو كانت الترسانة تقع في تلك المنطقة حقا، لتعذر على الإسكندريين عمل ذلك لأننا نعرف أن قيصر كان يسيطر على الميناء الكبير طوال هذه الحرب . ولذلك لا بد من أن الترسانة كانت خارج نطاق الميناء
الكبير ، ورجح أنها كانت في ميناء إيونوستوس ، ولا سيما أن استرابون يشير إلى وجود ترسانة هنالك . ولعلها كانت توجد بالقرب من الحوض الداخلي في هذا الميناء ، الذي كان يعرف باسم الصندوق « Kihotos ».
وقد كان حي القصور الملكية « Broucheion » يطل على الميناء الكبير ويمتد فيما بين البحر وشارع كانوب ويشغل ربع مساحة المدينة أو ثلثها تقريبا ، ويكون الجانب الأكبر مما يعرف باسم المدينة الجديدة « Neapolis » في الجزء الشمالى الشرقي من الإسكندرية ، حيث كانت تقوم أروع معالم العاصمة ، فقد كانت توجد في هذا الحي القصور والحدائق الملكية وحدائق الحيوان التي زينت بنافورات
رائعة ، ودار العلم « Mouseion » ويظن أنه كان يتصل بها هيكل هوميروس - الذي شيده فليباتور -- والمكتبة .
 وكانت توجد في هذا الحي كذلك دار القمناء Dekasterion
، والجيمنازیوم ، وكان مقر الحياة الإجتماعية لمواطني الإسكندرية المتمتعين بحقوق المواطنة ، وكان بناء رائعا له بهو أعمدة تمتد مسافة تزيد على ستاديون ( ويظن أنه كان يوجد شمال شرقي الحي الذي يعرف اليوم باسم كوم الدكة ) .
 وكان يوجد هناك أيما البانيون ( Pancion ) وهو تل صناعي أقيم اجلالا للآله  "بان" ، تشرف قمته على المدينة بأكملها وتحيط به حديقة ( يظن أنه تل كوم الدكة ).
وكانت توجد كذلك في هذه المنطقة السيما ( Semna ) وهي المعبد الجنائزي الذي دفن فيه الإسكندر داخل تابوت من الذهب . ومضى الزمن شيدت حول هذا المعبد معابد جنائزية أخرى للبطالة المؤلمين ، فإن بطلميوس الثاني بدأ هذا العمل بتشييد معبد لأبويه ومعبد آخر ، فيا يظن ، لزوجه أرسينوس وليكون مثواه
أما مضمار سباق الخيل Hippodromos  و میدان الألعاب Stadium فكانا يقعان في أطراف المدينة ، أولها في الناحية الشرقية وثانيهما في الناحية الجنوبية الغربية ، في حي راكوتيس الذي أقيم على تل فيه معبد السيرابيوم ، حيث يوجد الآن العامود المعروف خطأ باسم ( عامود بومی ) .
-------------------
🔹️ الفنار  أو منارة الإسكندرية 
وشرقي جزيرة فاروس وعلى مقربة منها ، حيث توجد الأن قلعة قايد بك ، كانت توجد جزرة صغيرة أقيمت عليها منارة الإسكندرية المشهورة ، التي كانت تعتبر إحدى عجائب العالم القديم .
 وإذا كان المهندس سوستراتوس من کنیدوس قد بدأ في بنائها في عهد بطلميوس الأول ، فإنه أتمها في بداية عصر بطلميوس الثاني ، حوالي عام 280 - 279 ق.م. 
ولسوء الحظ أن معالم هذا البناء العضهم قد اندثرت تماما في خلال القرن الرابع عشر ، لكن تيرش Thiersch  حاول أن يصور لنا ما كانت عليه هذه المنارة بعد أن استعرض في كتابه كل ما يتعلق بها من مراجع العصور القديمة والعصور الوسطى ، وكذلك كل ما يتصل بكافة المنارات التي بنيت بعدها ويرجح أنها تأثرت بها.
 وقد توصل تيرش إلى نتائج تثير الإعجاب إذ يبين أنها شديدة القرب من الحقيقة رغم اعتماده في الوصول إليها
على معلومات غير مستمدة من وصف أشخاص رأوا المنارة بأنفسهم.
 ولحسن الحظ اهتدى حديثا إلى مصدر لم يكن معروفا لتيرش ، ويمتاز هذا المصدر على كل ما اعتمد عليه هذا العالم بأنه وصف دقیق واضح للمنارة قبل اندثارها .
أما هذا المصدر فهو كتاب وضعه معماری مسلم من ملقا  Malaga  باسبانيا ، يدعى أبو الحجاج يوسف بن محمد البلوي المالكي الأندلسي المعروف بابن الشيخ ، كان يعيش بين 1132م ؛ 1207م ونزل بالإسكندرية عامی 1195م ؛ 1199م ، حيث وقف نفسه على البحث في الأدب ودراسة الآثار ..
 ولما كانت لديه كفاية تؤهله لدراسة المباني دراسة دقيقة ، فإن الباحثين يعلقون أهمية كبيرة على ما أدلى به من معلومات عن منارة الإسكندرية التي زارها ودون مقاييسها في مذكرات ، استخدمها عند عودته إلى ملقا بعد عام 1966 في وضع كتاب أطلق عليه "كتاب ألف باء" لتعليم ابنه عبد الرحمن ،
 وقد نشر هذا الكتاب في القاهرة في عام  1870 م . وفي الجزء الثاني من هذا الكتاب (ص 537 و 538 ) نجد
وصفا مفصلا لمنارة الإسكندرية ، إستخدمه بعض الباحثين الأسبان  في إعطائنا صورة جديدة لشكل المنارة ، لعلها أدني إلى الحقيقة من كل ما عرفناه عنها حتى الآن، وذلك بفضل مقاييس ( ابن الشيخ ) وأمانة وصفه ودقة ملاحظته ، ولا سيما أنه كان بناء قادرا  وراوية دقيقا  .
ويستخلص من هذه الدراسة أنه كان يربط جزيرة فاروس بالصخرة التي قامت عليها المنارة جسر مائل مرتفع رويدا رويدا من الجزيرة إلى صخرة المنارة ، و يقوم على ستة عشر قوسا ، ويبلغ طوله مائة باع (98 متر ) تقريبا . 
وقد أقيم حول القسم الأول من المنارة ، لحمايتها من طغيان البحر ، سور إرتفاعه 12 ذراعا و سمكه عند قمته 12 ذراعا ، لكن هذا السمك كان يزداد كلما هبط السور إلى قاعدته . 
ويبدو أنه كان يحيط بكل جوانب السور ، من الخارج ، إفريز لا نعرف عرضه . 
وفي الوسط داخل السور أقيمت المنارة نفسها، وكانت تتألف من ثلاثة أقسام يعلوها المصباح .
وكان القسم الأول رباعي ، والثاني ثماني ، والثالث أسطواني الشكل ، وقاعدة القسمين الأول والثاني أكثر اتساعا من قمتهما , ويبلغ طول كل حائط ، عند القاعدة ، 45 باعا  (30.6 متر ) في القسم الأول ، وعشرة أبوع ( 6.8 متر ) في القسم الثاني . 
ومعنى ذلك أن محيط قاعدة القسم الأول قدره 180 باع
( 112 مترا ) يزید 100 باع ( 68 مترا) على محيط قاعدة القسم الثاني وقدره 80 باعا ( 54.4 مترا ) .
ويبلغ إرتفاع القسم الأول 29 قامه (81.3 متر ) ثم يعلو ذلك ، حول الممشي الذي يعمل بالقسم الثاني و يبلغ عرضه 15 شبرا ( 3.275 متر )، حائط الستار طوله قامة واحدة ( 2.3 مترا )، وعرضه 9-7  أشبار( 1.5 - 2 متر ) ،
 ويبلغ إرتفاع القسم الثاني 15 قامة ( 43.5 مترا ) ، أي حوالي نصف ارتفاع القسم الأول، ثم يعلو ذلك الستار من القسم الثالث ممشی عرضه تسعة أشبار و نصف  (2.11 مترا ) .
 و يبلغ محيط القسم الثالث الأسطواني أربعين باعا (27.12 مترا ) ، أي أنه نصف محيط  القسم الثاني ، وارتفاعه أربع قامات (9.2 مترا ) ، أي ربع ارتفاع القسم الثاني تقريبا .
 وبعد الفتح العربي ، أقيم وسط سطح القسم الثالث ، مكان المصباح القديم ، جامع صغير كالقبة ، إرتفاعه ثلاث قامات (٩ر٦ متر) و وأمامه ستارة سمكها شبران ( 45 سنتيمترا ) ، و بينها و بين المسجد ممشی عرضه خمسة أشبار (112 سنتيمترا ) ، 
ويتضح من كل ذلك أن ارتفاع المنارة كان يبلغ 53 قامة
(120.9 مترا ) إبتداء من قاعدة القسم الأول ، هذا فيما عدا أساس البناء الذي يقدر بست قامات (13.6مترا ) ، فيكون ارتفاع البناء بأكمله 59  قامة (135.7 مترا).

اكتب تعليق

أحدث أقدم