الاستاذ الدكتور ابراهيم مرجونة يكتب..التغافل والتجاهل


 التغافل والتجاهل. 
بقلم ا.د إبراهيم محمد مرجونة
أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية
كلية الآداب بدمنهور
الإنسان اجتماعي بطبعه، يألف ويؤلف، ومع كم تلك العلاقات التي قد تكون بعضها هبة من الله ونعمة، والتي يعد بعضها درسا وابتلاء وأذى، كلا بحسب طبيعته وتربيته، فقد خلق الله الناس من ماءٍ وطين، بعضهم غلب ماؤه طينَه فصار نهرا، وبعضهم غلب طينُه ماءَه فصار حجراً، والتي يكون الشخص حينها في حيرة من أمره كيف يتعامل مع تلك العلاقات، سواء كانت ذات قرابة أم لا، فكان هناك التغافل والتجاهل.
قيل إن الإمام ابن حنبل سُئل: «أين نجد العافية؟» فقال: «تسعة أعشار العافية في التغافل عن الزلات»، ثم قال: «بل هي العافية كلها».
التغافل فن من فنون الحياة التي كنت أتمنى أن تعلمه المدارس كمهارة حياتية مفيدة للفرد والأسرة والمجتمع. فالمتغافل يا أصدقائي إنسان مرتاح ومريح لمن حوله، يرى الخطأ فيحسبه بسرعة كمبيوترية في دماغه ليتوصل لنتيجة أن المعادلة لا تسوى كل مرة وأن من الحكمة ترك هذه الزلة أو تلك تمر مرور الكرام وهو كأنه لم ير شيئاً. ولكن هذا التغافل فن لا يتقنه الكثيرون، فهو فن صعب ومعقد، يحتاج إلى ضبط النفس وحساب للعواقب، ولذا فهو ليس بمهارة سهلة بل تحتاج إلى تدريب وتطوير لتصل للشكل المطلوب، فبعض الناس يولدون بمزاج متأنٍ، فيكون التجاهل موافقا لطبيعتهم. أما أصحاب الأمزجة النارية فهم في حاجة ماسة لكورسات مكثفة في فن التجاهل.
والتجاهل فن يقوم على حساب دقيق  فهو في ظاهره يمكن أن يبدو غباء أو غفلة، ولكنه في الحقيقة حكمة وصبر وذكاء وتخطيط، فليست كل هفوة تحتاج إلى تدخل، وليست كل زلة أيضا يمكن التغاضي عنها، ولذا فإن التغافل كما قلت يتوجب أن يضاف لكورس يسمى مهارات الحياة؛ ندرسه لطلابنا في المدارس مثله مثل إعداد الطعام أو الخياطة أو «الدي آي واي» وهو يشمل النجارة وتركيب الأثاث ودهن الحيطان وغيرها من الأعمال التي يحتاجها الإنسان كمهارات ليكون مستقلاً وعملياً.
فالأب والأم المتغافلان عن الهفوات الصغيرة يكسبان أبناءهما على المدى الطويل أكثر من هؤلاء الذين لا يتركون شاردة ولا واردة إلا ويعاقبون عليها. وهذا ينطبق على العلاقات العائلية .
والعلاقات الإنسانية كافة تحتاج إلى حتمية التغافل و التجاهل حسب مقتضيات الأمر. 
والسؤال هل هناك فرق بين التغافل والتجاهل أم هما سيان؟ ومن خلال بحثي وجدت أن هناك من يخلط بينهما، ويعطيهما نفس المعنى، وهناك من يفرق بينهما، والذي لاحظته أن الفرق بينهما بسيط ودقيق، وهو أن:
التغافل: رسالة ودّ واحترام.
وأما التجاهل: فهو دلالة إهمال وازدراء.
فالتغافل لغة: تظاهر بالغفلة أو تعمَّدَها.
أما التجاهل: إِظْهَارُهُ عَدَمَ مَعْرِفَتِهِ وَهُوَ يَعْرِفُهُ.
وكلاهما يعد من وسائل التواصل مع البشر، وهما فن لابد من الإلمام به، فالتغافل: وسيلة لتنبيه الشخص أنني حريص على دوام علاقتي معه، وأنه يعني لي.
وقد قيل في التغافل: هو أن تغض الطرف عن الهفوات، وألا تحصي السيئات، وأن تترفع عن الصغائر، ولا تُركِّز على اصطياد السلبيات، فهو فن راق لا يتقنه إلا محترفو السعادة، وقد قالت العرب قديما:
لَيْسَ الْغَبِيُّ بِسَيِّدٍ فِي قَوْمِهِ ... لكِنَّ سَيِّدَ قَوْمِهِ المُتَغَابِي (أَيْ المُتَغَافِل).
أما التجاهل: فهو انتقام راق وصدقة على فقراء الأدب.
وقد قيل: إن التغافل يكون من شخص لشخص محب، أو ذي قرابة، كأن يرتكب خطأ فنتغافل عن ذلك كأنه لم يفعله.
وأن التجاهل يكون مع من نصادفهم في حياتنا العابرة، ممن أساء وأخطأ، فنتجاهله كأنه لا يعني لنا هذا الشخص شيئا.
والحقيقة أن كلاهما يستعمل كل بحسب حالته، كيف؟
بداية يجب أن نعلم أن التغافل يكون في حالة كان الخطأ الصادر عن هذا الشخص وخاصة من كانت له صلة قرابة معنا:
- أن يكون الخطأ نادرا (فالنادر لا حكم له)، وهنا نتغافل.
- أن يكون فيما يمكن احتماله.
- أن يكون فيما لا يمكننا تغييره.
أما فيما لو كان ذلك الخطأ متكررا، ولا يمكن احتماله، ونعلم أن هذا الشخص قادر على التغيير، هنا قبل أن نبدأ المرحلة الثانية وهي (التجاهل) فإن هناك مرحلة بينهما وهي: (البوح والتصريح) بمدى انزعاجنا من ذلك الشيء، فالتغافل يعطيك فرصة لتتأكد من الدافع وراء تصرفهم معك، لا نخجل من ذلك، فقد يكون الشخص غير متعمد، أو لا يعلم أن فعله ذلك يزعجنا، فإن انتهى، فبها ونعمت، وإلا كان التجاهل، فالتجاهل يمكن أن ينقذك من كلام أو تصرفات تؤدي إلى فشل علاقة، أو تمادي في الكلام، وعليه يكون التجاهل أفضل حل في ذلك الوقت.
وأخيرًا يقول العم صلاح جاهين في الرباعيات:
في ناس بنشوفها بالألوان وناس جواها مش بيبان
وناس اسود وناس محتاجه بس امان
واكتر ناس تآمنهم ما بيجي الجرح منهم
وناس انت بعيد عنهم بتنسي معاهم الاحزان.

اكتب تعليق

أحدث أقدم