رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن أبناء العلماء



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لا شك فيه أن كثيرٌ من أبناء الدعاة لا يكونون مثلَ آبائهم في عِلمهم وعَملهم، بل نرى حالات تكون على النقيض مما عليه الأب الداعية. وقد تفشى هذا الأمر حتى ضرب العامة له مثلا (تخلف النار الرماد).
لذا كان لا بد من رصد هذه الظاهرة وتحليلها وتقديم الحلول الممكنة لعلاجها، وهو ما سوف نحاوله -إن شاء الله تعالى وبحوله وقوته- في هذه الدراسة المختصرة.
سبب المشكلة:
غالبا -بل دائما- ما تكون شخصيةُ الداعية إلى الله قويةً ومؤثرة، ولهذه القوة -فيما يتعلق بالأسرة وهو موضوع البحث- جانب إيجابي وآخر سلبي.
أما الجانب الإيجابي فيتمثل في القدرة على التأثير في الأبناء وجميع من بالبيت.
وأما الجانب السلبي فيبرز في طغيان هذا التأثير على شخصية الأبناء المتكونة، بقصد أو بغير قصد.
وتكون النتيجة أن لا يجد الابنُ لنفسه مكانًا بجوار أبيه، أو تأخذه هيبةُ أبيه بعيدًا عن مواجهته أو حتى التفاهم معه، وغالبا ما يُؤثر السلامة وينقاد لما يمليه عليه الأب. ليكون الحقُ والواجبُ هو رأي الأب وتصرفاته.
هي حالة من السيطرة على سلوك (أفعال) الأبناء دون الالتفات كثيرا لمعالجة المفاهيم والتصورات، هي حالة من فرض شخصية الأب كأب وليس كداعية، وهي حالة من الغفلة عن مشاعر الأبناء وشخصيتهم المتكونة، وهي حالة من الإحساس بالتملك والأحقية في الانفراد بالقرار، أو هي حالة من الانشغال بأمور الدعوة وعدم وجود مساحة لممارسة الدعوة داخل البيت!
وينتج عن ذلك مشاكل أبرزها:
1. سلبية الابن في التفكير ومواجهة المشاكل.
2. الانفصال والتمرد والانشقاق في أقرب فرصة يراها الابنُ مواتية ويرى نفسه قادرًا عليها، بحثا عن ذاته التي فقد الإحساسَ بها مع أبيه. وغالبا ما يأخذ اتجاهٌ معاكس أو مباعد عن اتجاه الأب الداعية.
3. ويتبع هذا تكلم عوام الناس عن نتاج بيوت الدعاة. وكيف أنهم يخفقون أحيانا في تربية أبنائهم.
ولتفادي هذه السلبيات طريقان:
الأول: ضبط المفاهيم لا ضبط السلوك (الأفعال).
الثاني: الموازنة بين الواجبات.
- الموارنة بين مقتضيات الدعوة وحق الزوجة والأبناء.
- الموازنة بين مقتضيات الدعوة وحق الطفولة.
- الموازنة بين آثار الدعوة في بيت الداعية.
ضبط المفاهيم لا ضبط السلوك:
عند التأمل نجد أن السبب الرئيس في هذه السلبيات هو أن الداعية -وكذا كل الشخصيات القوية- تتعامل مع السلوك لا مع المفاهيم والتصورات، تضبط السلوك بالأمر والنهي، والثواب والعقاب، فيبدو للناشئة أن الأمرَ أمرُ الأب، وأن الطاعة واجبة لأن الأمر من الأب، ولذا ما إن يجد الطفل فرصة للاستقلال إلا ويتمرد، وغالبا ما يسير في اتجاه معاكس أو مباعد لما عليه أبوه، أو يظل هادئا تحت أبيه قد ألِفَ الأمر والنهي، فلا يتحرك إلا بأمر أو نهي فيخرج للناس حين يشب مهزوزًا أو مهزومًا أو ضعيفًا لا يحرك ساكنا أو على غير درجة أبيه على الأقل.
ولذا وجب على الأب -الداعية وكل أب- أن يستمد قوته ووجوب طاعة ولده له من الإسلام، فالأب يطاع لأن الله أمر بطاعة الأبوين، وهذا يُفعل لأن الله أمر به، وهذا يُترك لأن الله نهى عنه. وقد جعل الله للأبوين مزية {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} [العنكبوت: من الآية 8]، {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً} [الأحقاف: 15]، {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [النساء: 36]، {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 23- 24]، {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14].
وكونه داعية يعطيه مزية أخرى؛ إذ إن الشرع قد جعل لأهل العلم فضلا بين الناس {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: من الآية 11] {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9].
ثم هو بشر يخطئ ويصيب، والمرء بجملته، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث.
- ويجب على الأب (الداعية وغير الداعية) أن يراعي مراحل النمو النفسي لدى الطفل، وأن لا يصادر على شخصية ولده، بل يكون هناك نوعُ مشاورة في البيت بين الأب وأبنائه وكذا زوجته.
مشاورة لأن الشرع أمر بها، ومشاورة تظل خياراتها مقيدة بالشريعة، مشاورة يتم بموجبها اتخاذ القرار الذي يلتزم به الجميع الأب والأبناء. مشاورة حتى ولو لم يكن من ورائها إلا إعطاء الحرية في إبداء الرأي وتدريب الأبناء على المشاركة في حل المشاكل والجرأة على إبداء آرائهم.
وفي هذا الإطار.. إطار التعامل مع القوة الضابطة للسلوك -وهي القلب- من خلال غرس المفاهيم والتصورات الصحيحة يجعل الأب (الداعية) ابنه يفهم أنه الامتداد الطبيعي له، وأن أي ميزة قد يراها الابن في أبيه هي ميزة له؛ ليتحقق التوافق بغير ذوبان لشخصية الابن في شخصية أبيه، وبغير طغيان شخص الأب (الداعية) على شخصية ابنه المتكونة.
الثاني: الموازنة بين الواجبات:
الموازنة بين مقتضيات الدعوة وحق الزوجة والأبناء:
حِمْلُ الدعوة ثقيل، ولا ينفك عن الداعية، فالناس ومشاكلهم، والمخالفون ومناوشتهم، ومسائل العلم وقد تعززت وأبت إلا على جَلِدٍ صبور، والزوجة والأولاد، والسعي على الرزق.... إلخ.
والداعية إنسان قد يجنح حينا إلى هذا أو ذاك، وغالبا ما يرفع عن البيت ويحل في الدعوة وبين مسائل العمل خوفًا من أن يكون المكث بين الأولاد وبجوار الزوجة ركونًا إلى الدنيا الدانية وانشغالا بما يظن أنه لا ينفع، أو أنه دون الأولى. وهذا تصور خاطئ، فقد رأينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يداعب الصغير[1] ويجلس للزوجة يسمع حديثها[2]، ويدعو ويجاهد ويتنسك. والأمر يسير لمن أسلم أمره لله وطرح نفسه بين يدي مولاه، يرجو منه العون والسداد والقبول والرشاد.
والمقصود أن:
أمر الأبناء -وكذا الزوجة- واجب من الواجبات، وعلى الداعية الموازنة بينه وبين غيره من الواجبات. وإن كان ثم انشغال أو تقصير فعليه أن يبين لهم ما الذي شغله، ويشركهم معه في همِّه أو يزيح ما على صدورهم من انصراف أبيهم عنهم، فيتلو عليهم أن الاهتمام بأمر المسلمين واجب شرعي ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))[3]، وهي لهم عاجلا أو آجلا؛ عاجلا بأن الله يعين من كان في عون عباده، وعاجلا وآجلا ببركه تصيبهم وأبناءهم في أرزاقهم {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً} [الكهف: 82]، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96].
ويجملُ أن يفسر الأب لأبنائه هذه الحقيقة الشرعية القدرية بصورة عملية، فإذا أكرمه الله في أمر فسَّر ذلك لأبنائه بأن ذلك كان بعد عونٍ قدَّمه لأحد إخوانه إذْ إن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه والله لا يخلف الميعاد.
هكذا يكون الكل تحت مظلة الشريعة، وتكون الشريعة هي الضابط للعلاقة بين أفراد الأسرة، وهذا مريح للجميع، ويسل سخيمة الصدور فلا تنتفخ وتضيق فتذهب تنفس عن نفسها هنا أو هناك.
الموازنة بين مقتضيات الدعوة وحق الطفولة:
كلنا نريد أن يكون أبناؤنا نموذجا كاملا للشخصية المسلمة، نريدهم علماء عاملين.. دعاة.. مجاهدين..، نريدهم تجسيدًا للمفاهيم الإسلامية بين الناس. ويشتد بعض الدعاة في سبيل تحقيق هذا الأمر على أبنائه، وخاصة إذا كان الداعية يعاني الاستضعاف وقلة استجابة الناس لدعوته، فتجده يركز على أبنائه باعتبارهم في حالة استجابة طبيعية كأبناء؛ فيسعى الأب -وبكل قوته- في جعل أبنائه نموذجًا كاملاً لقضايا الدعوة، دون اعتبار للمرحلة الزمنية التي يمر بها الأبناء.. ويعمد إلى تلقينهم المصطلحات العلمية، ويربيهم التربية القاسية أملا في التنشئة القوية..
ويحدث بسبب هذا السلوك من الأب خطأ تربوي فادح، وهو عدم الموازنة بين مقتضيات الدعوة وحق الطفولة؛ إذ إنه يجب مراعاة السن في تأصيل منهج الدعوة عند الأبناء.
وأبناء الدعاة لهم سمات خاصة، أهمها أن العمر العقلي لأبناء الدعاة يكون سابقا للعمر الزمني بموجب الخبرة المكتسبة من الحياة داخل بيت الدعاة، والعمر العقلي السابق للعمر الزمني لأبناء الدعاة يتطلب مستوى خاصًّا من التعامل ليس كغيره من القرناء.
وغالبا ما يتعرض أبناء الدعاة لنوع من التعامل يكتنفه الاحترام والمحبة من الإخوة (طلبة العلم) المحيطين ببيت الداعية، وهؤلاء يؤثرون بشكل أو آخر في أبناء الداعية، أو يمكن الاستفادة منهم في التأثير في الأبناء على أن يوجهوا إلى مراعاة المستوى المطلوب من الطفل حين التعامل معه.
في الحديث عن ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا، فقال: ((يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف))[4].
ولعل أول كلمات الحديث "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك" وآخر الكلمات "رفعت الأقلام وجفت الصحف" تدل علي المستوى الذي يمكن أن نتعامل به مع الأبناء.
وفي إطار التربية الفكرية للأبناء يجب الإقرارُ بأن الأب يحب أن يرى الناسُ ابنَه متميزًا؛ وفي الحديث عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِىَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِى مَا هي؟)) فَوَقَعَ النَّاسُ في شَجَرِ الْبَادِيَةِ، وَوَقَعَ في نفسي أَنَّهَا النَّخْلَةُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((هي النَّخْلَة)) .
قَالَ عَبْدُاللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ في نفسي، فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لي كَذَا وَكَذَا[5].
ولكن يجب الانتباه في ذلك إلى خطر الرياء. والحد الفاصل بين الرياء والمباهاة بالابن من ناحية وبين الفرح بما عليه الابن من الخير من ناحية أخرى هو الإخلاص، وذلك بأن نفرح بما يحبه الله في الابن، ونفرح لأن الله منَّ على ذريتنا بهذه الشمائل التي يحبها.
ومن أهم المفاهيم التي تساعد في استقلالية شخصية الابن وسيره على درب أبيه الداعية مفهومُ المفاصلة النفسية.. الشعورية مع المجتمع بعاداته التي لا يرضى عنها الإسلام.
وترسيخ مفهوم المفاصلة وعدم الرضى بما شذ من عادات الناس أمر ضروري؛ إذ كيف يكون الابن -أو المرء عمومًا- مُصلحًا وهو لا يرى خطأ ما عليه الناس من عادات وتقاليد جاهلية، وكيف يكون المرء مصلحًا وهو راض بما يفعله الناس ومتلبس به؟!
وأنسب أسلوب لغرس هذا المفهوم هو دمج الابن في مجتمع (الإخوة.. الملتزمين.. المطاوعة) وخاصة الذين يحبونه، تبعا لحب أبيه الداعية، ووجود الابن بين الملتزمين بشكل طبيعى لا تكلف فيه يجعل الابن يوازن بين أخلاق المتدينين وأخلاق غيرهم ممن يخالطهم من الناس، والموازنة تلقائيا تكون في صالح المتدينين وتُثَبِّت مفهوم المفاصلة عند الناشئة والنكير على ما عليه الناس من أخطاء، وخاصة إذا صاحَبَ كلَّ موقف شرحٌ علمي من الكتاب والسنة، واستئناس ببعض ما كان عليه سلفنا الصالح رضوان الله عليهم.
وهنا يجب التنبه لعدم ذكر الإخوة أمامه بسوء، وأن يخفي عنه أي تصرف غير مرضي قد يصدر عن أحد الإخوة.
كما يجب التنبيه على أن حل مشاكل الإخوة في بيت الداعية قد يعطي انطباعًا بأن هذا هو الوضع الطبيعي للإخوة؛ لذا يجب الحرصُ على أن يرى الابنُ نماذجَ وأمثلة صحيحة وطبيعية وبلا مشاكل حتى لا يفقد الأبناءُ ثقتهم في حياة المتدينين.
ومن الحكمة في تحقيق المفاصلة تحديد علاقة الابن بأصدقائه الذين يعايشهم في المجتمع..
فالمفاصلة لا تعني قطع كل صلات الابن بالمجتمع، بل لابد أن يكون له أصدقاء، والصواب أن يكون أبناء الإخوة الآخرين هم أول أصدقائه؛ لأنهم يعيشون الظروف نفسها؛ أما بالنسبة لغير أبناء الإخوة فيجب دخول الأب كطرف ثالث مع الأبناء وأصدقائهم لضبط ما قد يتسرب إليه من مفاهيم خاطئة تورث سلوكا لا يرضي الله..
مع مراعاة أن اختيار الابن للأصدقاء أول مظاهر الإحساس بالذات عند الابن؛ فيجب مراعاة ذلك في معالجة المسألة بإقرار حق الابن في اختيار أصدقائه بعد توضيح أهمية التزام الشرع في اختيار الأصدقاء، ومتابعة تلك العلاقة، واعتبار واقع المجتمع الذي يعيشه الأبناء من حيث التأثر به ومن حيث التعامل معه..
فيجب متابعة الابن لمعالجة أي أثر يحدثه المجتمع فيه، والانتباه لخطر إهمال هذه المتابعة. وهي متابعة وسطٌ بين المراقبة اللصيقة التي تورث النفرة والبغض من ناحية وبين الإهمال والترك بالكلية من ناحية أخرى.
ومن الخطأ منع الأب الداعية ابنَه من الاحتكاك بالمجتمع، حتى لا يعيش في أبراج صنعها لنفسه بخياله، وحتى لا يصطدم بواقع الحياة الذي يجب أن يعيشه.
والقاعدة في معالجة مشكلة احتكاك الأبناء بالمجتمع هي التكوين الفكري والوجداني قبل الخروج إلى المجتمع ومواجهته، أو التصدي لمشاكل المجتمع التي تتولد عند الطفل من خلال غرس المفاهيم والتصورات الإسلامية الصحيحة عند الطفل، حال حدوث هذه المشاكل أو بعدها.
وفي إطار إعداد الابن لمواجهة المجتمع تناقش مشكلة التسمية، فقد يتعلق الأب الداعية بشخصية أو كلمة قرآنية فينشأ في نفسه رغبة في تسمية أبنائه بمسميات تغذي هذا التعلق مثل أن يتعلق بشخص سيدنا يونس -عليه السلام- فيسمي ابنه "ذا النون" مما يكون سببًا في معاناة الولد مع قرنائه وهم يحاولون فهم اسم زميلهم، في الوقت الذي كان من الممكن أن يسميه "يونس" وهذا المثل المضروب، ومعاناة الابن منه حادث في الواقع فعلا.
والرسول -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا مراعاة الآثار الواقعية المترتبة على التسمية؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ جُوَيْرِيَةُ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم اسْمَهَا- جُوَيْرِيَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَرَّةَ)[6].
والقاعدة في موضوع التسمية هي محاولة الاقتراب من التسميات القرآنية والسلفية، ولكن بدرجة فيها اعتبار رد فعل المحيطين بالابن لتنتشر هذه التسمية بصورة سهلة وآمنة.
الموازنة بين آثار الدعوة في بيت الداعية:
من فضل الله علينا أن جعَل الأبَ عند الابن أعظمَ الناس، لتسهل عملية التربية وغرس القيم السوية عند الأبناء.
عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ. وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ، قَالَ: مَا أَنَا إِلاَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وبعض الآباء (من الدعاة) ابتلاه الله بالشهرة وكثرة الأتباع، وأن يرى ثمرة دعوته وهو حي.
وبعض الآباء (من الدعاة) ابتلاه الله بالشدة من تسلط الظالمين عليه بتضيق في الرزق أو مداهمة البيت والحبس والاعتقال كما في البلاد التي تعاني غربة الإسلام فيها.
فمن منَّ الله عليه بكثرة الأتباع وبثمرة في حياته قد يكون لهذا أثر سلبي عند الطفل، إذ إنه يركن إلى نجاح أبيه، ويحسب أن الأب قام بما يجب ولم يعد الابن بحاجة إلى أن يرث علم أبيه ويسير بين الناس بسيرة أبيه.
أو يكون هذا الشعور من الداعية نفسه يحسب أن ما قام به يكفي عن أبنائه. وهنا لا بد من الالتفات للأبناء وغرس المسئولية في صدورهم، وأن المسئولية أمام الله فردية لا يغني فيها أب عن ابن؛ قال الله {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38].
والأبناء في بيت من ابتلاه الله بالشدة والضيق وربما الحبس والتعذيب، قد يرون الأب -وهو قدوتهم، وهو رمز سامق في أعينهم- يُهان ويؤخذ من بيته ليلا، فيؤدي ذلك إلى إحباطٍ في نفس الطفل قد ينتج عنه سلبية مقيتة أو محاولة تفادي الوقوع في مثل ما وقع فيه الأبُ بالابتعاد عن طريق الدعوة إلى الله، وقد يؤدي إلى أثر سلبي في اتجاه معاكس بأن يولد رغبة في الانتقام عند الطفل.
وهنا لا بد من الموازنة. لا بد من التفسيرات المنطقية -ويكون من الأم أو الأب- لحال الأب حين يغيب عن البيت، فيقال: إنه في سبيل الله وتطلق الكلمة على جملتها؛ إذ الطفل صغيرًا لا يفهم المعاني المجردة أو تفسر له بأنه في رحلةٍ لطلب الأجر من الله. وحين يهان أمام أطفاله فيقال: إن هذا من تبعات الدعوة إلى الله {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [ لقمان: 17].
والمطلوب هو السيطرة على مشاعر الطفل بحيث لا يجمح إلى انتقام ولا يجنح إلى سلبية وانهزام ومن ثَمَّ إلى خروج عن الصراط المستقيم أو ابتعاد عنه.
فلا تشكو الأم أمام أطفالها -أو الأب الداعية- ضيقَ الرزق وأنهم يعيشون على الصدقة، ويمدون أيديهم للناس؛ لأن المعاناة التي يسمعها من أمه سيكون لها وقع كبير على نفسيته باعتباره طفلا صغيرا لا يتحمل بسهولة أن يرى أمه تبكي.. أو تقبل صدقة فيشعر بمهانة آخِذِ الصدقة ومن يعيش عليها..
فقد تعطي الشكاية للابن مسوغًا للسلبية والانسحاب من طريق الدعوة إلى الله أو الحقد والجموح.
وغالبا ما يكون اتجاه التربية بعد أي محنة شديدة هو اتجاه الآباء إلي الابتعاد بالأبناء عن مشاكل الدعوة وأخطارها، مكتفين بعملهم ظنا منهم أن ما كان منهم سيرفع عن أبنائهم واجب الدعوة إلى دين الله، وهو اتجاه خاطئ وجزاؤه عند الله أن يحرم الآباء من قرة أعينهم بأبنائهم الذين بخلوا بهم على الدعوة.
والمطلوب من الأب -أو الأم عند غيابه- تعزيز معنى الاستعلاء بالإيمان عند الطفل، وتعزيز معنى استقلالية المسئولية، وأن مسئولية الأطفال ليست تابعة لآبائهم، ولكنها مسئولية مستقلة سيسأل عنها وحده أمام الله مما يجعله قادرًا علي مواجهة مثل هذه المواقف الخطيرة مثلما كان من فاطمة رضي الله عنها.
عن عبد الله قال: بينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ساجد وحوله ناس؛ إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسلى جزور، فقذفه على ظهر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يرفع رأسه، فجاءت فاطمة فأخذته من ظهره ودعت على من صنع ذلك[7].
وعلى أهل الداعية أن يخففوا من وطأة الاستضعاف بسرد بطولات الأب مع أبنائهم، فيجب أن يكون السرد واقعيًّا ومناسبًا للمرحلة التي يعيشها الابن حتى يستفيد منها الابن ولا يختل تصوره عن الواقع.
والأحاديث مع الأبناء عن بطولات الإخوة بصورة غير واقعية وقبل الوقت المناسب يجعل هذه البطولات في إحساس الابن مجرد خيالات ذهنية قد تدخله في حالة مرضية..
والصواب أن يكون ذكر هذه البطولات في وقت يستطيع فيه الطفل استيعابها؛ لتكون حساباته لها بواقعية، ويتكون عنده الدافع إلى ممارستها بنفس الواقعية التي أحس بها واستوعب هذه البطولات ابتداءً.
وفي إطار معايشة الأبناء للمحن تأتي مشكلة زواج بنات الداعية:
فعندما تكبر ابنة أحد الدعاة وخاصة من ابتلاه الله بالتضييق في المعيشة؛ فإن هذا التضييق سيجعل زواجها صعبًا؛ لأن الناس ستخاف من خطبتها والزواج منها حتى لا يصيبهم مكروه بسبب أبيها..
عندئذ تكون هذه الفتاة في حاجة إلى الإحساس المستمر بقيمة الدعوة التي كانت موضوعًا لهذا الخطر الذي أصبح مانعًا أو مؤخرًا لزواجها..
وفي إطار معالجة هذه المشكلة يجب أن يكون تفكير الدعاة الآباء متجهًا في تزويج أبنائهم وبناتهم إلى معالجة هذه المشكلة بأن يكون الاختيار من مجال الدعوة بين الأبناء والبنات، ولكن بشرط ألا يتم الزواج لمجرد علاقة شخصية بين الآباء في مجال الدعوة، وإنما يجب أن يكون الاختيار طبيعيًّا والقبول متحققا من الناحية النفسية والقلبية حتى يصير الزواج صحيحًا يؤتي ثماره المرجوة.
وختاما: قضية تربوية جامعة:
الحقيقة أن كل الموضوعات في هذا المجال يمكن تحديد أساس عام لمناقشتها؛ وهو تربية الأبناء على حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا الأساس ليس أساسًا عاطفيًّا بل تربويا وموضوعيا..
هذا الحب سيجعل الابن يدرك أن اتجاه أبيه في الحياة هو اتجاه سيد الخلق، وأن اتجاه الأب الداعية له جذوره العظيمة وليس اتجاهًا غامضًا هامشيًّا..
وعندما يكون الانتماء لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكون العز الذي لا ذل فيه، والعزيمة التي لا يشوبها وهن ولا ضعف ولا استكانة... في كل احتمالات وظروف الدعوة الصعبة.
وعندما يرى أباه يؤذى أمامه يتذكر ما حصل من الأذى لأفضل الخلق -صلى الله عليه وسلم- فيتحمل نتائج هذا الموقف باطمئنان..
وعندما يطمئن إلى الاقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يكون لأي إنسان أي أثر على شخصيته ؛ فيتجاوز الابن خطر البحث عن قدوة إنسانية له بعيدًا عن شرع الله.
وعندما يمتلئ قلب الابن بحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تتأصل نظرتُه إلى الناس، فيحب من يحب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويكره من لا يوقر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بل ويسعى في محاربة من يؤذي الرسول -صلى الله عليه وسلم- و يعادي شرعه ودينه مثلما كان في غزوة بدر:
عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ في الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَظَرْتُ عَنْ يميني وشمالي فَإِذَا أَنَا بِغُلاَمَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ: يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَابْنَ آخي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- والذي نفسي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لاَ يُفَارِقُ سوادي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا! فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الآخَرُ فَقَالَ لِى مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِى جَهْلٍ يَجُولُ فِى النَّاسِ، قُلْتُ: أَلاَ إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الذي سألتماني. فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلاَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهُ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ: ((أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟)) قَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ. فَقَالَ: ((هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟)) قَالاَ: لاَ. فَنَظَرَ في السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: ((كِلاَكُمَا قَتَلَهُ))، سَلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوح. وَكَانَا مُعَاذَ ابْنَ عَفْرَاءَ وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ.
وبذلك نعلم أن حب أبناء الدعاة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضية تربوية جامعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] عند البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ.. كَانَ فَطِيمًا.. فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَآهُ قَالَ: ((أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟)) قَالَ: فَكَانَ يَلْعَبُ بِه. والنغير: تصغير نغر، وهو طائر يشبه العصفور، أحمر المنقار.
[2] من ذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الصحيحين ((جلس إحدى عشرة امراة فتعاهدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا...)) الحديث، وهو المعروف بحديث أم زرع. وهو حديث طويل. البخاري (5189)، ومسلم (4481).
[3] رواه مسلم.
[4] رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[5] رواه البخاري في صحيحه.
[6] رواه مسلم في صحيحه.
[7] رواه البخاري

اكتب تعليق

أحدث أقدم