رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه السلوك الأخلاقى



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن أي مذهب أخلاقي يستندعلى فكرة الإلزام، فهو القاعدة الأساسية والمدار الذي يدور حوله كل نظام أخلاقي، ذلك أنه إذا لم يعد هناك إلزام، فلن تكون هناك مسؤولية، وإذا عدمت المسؤولية فلا يمكن أن تعود العدالة، وحينئذ تعم الفوضى، ويفسد النظام، وكيف نتصور قاعدة أخلاقية بدون إلزام.
ولقد أحسن الفيلسوف (كانْت) صنعاً حين كشف عن مصدر الإلزام الأخلاقي في تلك الملكة العليا في النفس الإنسانية التي توجه مستقلة عن الشهوة وعن العالم الخارجي معاً.
ونظرة (كانت) هذه، لا تعد من المسلمات فحسب، بل إنها لتتفق تماماً فيما نرى مع النظرية المستخلصة من القرآن.
مصدر الإلزام الأخلاقي القوة الباطنة، وهي لا تقتصر على نصحه وهدايته وحسب، بل إنها توجه إليه أوامر بأن يفعل أو، لا يفعل، فنحن عندما نقصر في واجباتنا نحس أننا قد هبطنا إلى مستوى غير خليق بنا، ونعترف ضمناً بأننا مخلوق نبيل قد زل، ولا يزال القرآن يوقظ فينا هذا الشعور بكرامتنا الأصلية).
(فالمسؤولية إذاً، صفة يستمدها الإنسان من فطرته قبل أن يتلقاها من الخارج)[2]
أقول: إن فكرة الإلزام والالتزام، ظهرت أول ما ظهرت في المعسكر الشيوعي، وهي فكرة تصب في الأدب الشيوعي، فكل أديب يعبر عن العقيدة الشيوعية تعبيراً نابعاً من إيمانه بها، وقد اندفعت طبقة البروليتاريا- الطبقة الكادحة- رافعة صوتها معبرة عن التزامها بهذا المبدأ.
بقيت الطبقات غير الشيوعية فماذا تفعل تجاه الشيوعية التي لا تؤمن بها، وقد سيطرت على مقدرات الحكم في البلاد؟ لقد ألزمتهم الشيوعية على أن يعبر عنها بفنهم الأدبي و سائر الفنون الجميلة كالتصوير والنحت والرسم والأدب والشعر، وقد رأى خروتشوف رئيس الاتحاد السوفييتي السابق صورة في معرض لرسام شيوعي لم يدع في هذه الرسمة إلى الفن الشيوعي فقال: (مَن هذا الحمار الذي رسم هذه الرسمة؟).
فالإلزام غير الالتزام، الإلزام: أمر يرد على النفس من خارجها وهو أمر فيه إكراه.
أما الالتزام: فهو أمر ينبع من داخل النفس، وهو أمر محبب للإنسان الذي يلتزم أخلاقياً بما يراه مناسباً.
أما مصطلح (المسؤولية الأخلاقية) فإن الدكتور مقداد يلجن يجعله رديفاً للالتزام، وهو يحدد معناه، بما يلي[3]:
(أن يتحمل الشخص نتيجة اختياراته العملية من الناحية الإيجابية والسلبية أمام الله في الدرجة الأولى، وأما ضميره بالدرجة الثانية وأمام المجتمع في الدرجة الثالثة).
غاية الأخلاق:
ويعقد الدكتور مقداد فصلاً لهذا الموضوع يتساءل فيه[4]:
(إذا كانت للأخلاق غاية، فما هذه الغاية؟ إنها السعادة).
ولكن ما حقيقة السعادة؟
لقد اختلف الدارسون في تحديد السعادة من حيث ماهيتها، والطريق المؤدي إليها، وسنقتصر القول على الاتجاهات الآتية.
أ. الاتجاه الروحي:
يرى هذا الاتجاه أن الروح حقيقة الإنسان وجوهره، وأما الجسم؛ فما هو إلا أداة تستعملها الروح، ولهذا، فإن حقيقة سعادة الإنسان سعادة روحية، وهي لا تتم إلا بالاهتمام بها، وتحقيق متطلباتها وتطهيرها وتزكيتها من العلائق المادية والنوازع الشريرة، وبذلك تصبح مالكة الجسم تسيره حسب مشيئتها وتتحرر من قيود الجسم وأغلاله ومتطلباته، ولذلك لا ينبغي الاهتمام بالجسم لأن الاهتمام به يقوي النوازع المادية فتتسلط المادة على الروح فتشفى.
ومن جهة أخرى فإن الروح هي الحقيقة الباقية بعد فناء الجسد، فالاهتمام بها يعد اهتماماً بالسعادة الحقيقية الدائمة في عالم الخلود.
وهناك اتجاه روحي آخر في فلسفة الهنود البراهمة، وخاصة البوذية التي تطورت من البراهمة على يد واحد من زهادهم، ترى هذه الفلسفة، أن السعادة الكاملة تتم عن طريق التخلص من هذه الحياة، التي هي مصدر الآلام والأحزان والشقاء والكآبة والتعاسة، والانتقال إلى عالم الإله أو، إفناء الذات في الله، أو الالتحاق بعالم النرفانا والسبيل إليه هو محاربة الأهواء والرغبات المادية وترك اللذائذ والمتع الدنيوية وتجنب الرذائل والآثام والقبائح مثل الكذب وشهادة الزور والزنى وإراقة الدماء وقتل البقر بصفة خاصة ثم التحلي بالفضائل مثل الجود والعفو والاستقامة والطهارة والصدق وعبادة الله.
وإن الانتقال من دار الشقاء إلى دار السعادة يتم عن طريق التناسخ، وهو من أهم مبادئ هذه الفلسفة.
ب- الاتجاه العقلي:
ويرى هذا الاتجاه أن السعادة هي الشعور الغالب بالسرور الدائم في جميع الظروف، وهذا الشعور يأتي نتيجة إخضاع السلوك لحكم العقل، واتباع قوانينه والتمسك بالفضائل التي يأمر بها، وقد ذهب إلى هذا الاتجاه، أرسطو والرواقيون في العصور القديمة، وديكارت وكانْتُ في العصور الحديثة.
فالسعادة الحقيقية عند أرسطو تحصل نتيجة الحصول على جميع الخيرات التامة، فهو بذلك يجمع بين الخيرات الخارجية الحسية من المال والنعم الأخرى، والخيرات الداخلية النفسية من الحكمة والمعرفة والفضيلة، إلا أنه يفضل الخيرات العقلية والنفسية على الخيرات الخارجية، أي أنه يرجح الخيرات المعنوية على الخيرات المادية.
وقد تبنى أحمد بن مسكويه رأي أرسطو في السعادة، وذهب الفارابي إلى قريب من هذا الاتجاه إذ عرَّف السعادة بأنها (اتجاه عقل الإنسان مع العقل الفعال) ويكون ذلك عن طريق التحلي بالفضائل الأخلاقية والابتعاد عن الشرور والرذائل.
ج- الاتجاه المادي:
يرى أصحاب هذا الاتجاه، أن السعادة هي التي يشعر بها الإنسان نتيجة إشباع دوافعه الطبيعية وغرائزه الحسية.
وقد تطور هذا الاتجاه وأخذ صوراً مختلفة على هيئة مذاهب خاصة، منها مذهب القورينائية أتباع (أرستبوس) تلميذ سقراط، وقد فسروا السعادة التي نشدها سقراط باللذة الحسية، واهتموا باللذات العاجلة بدلاً من الآجلة، ونشدوا إشباع الدوافع في حينها وأوصوا بعدم تأخيرها لأنه يؤدي إلى الشعور بالحرمان والكآبة، وهذا شقاء نفسي وبهذا يجب المسارعة في طلب اللذات ولا حياء ولا خجل في طلب اللذات في أي صورة كانت.
ومنها مذهب الأبيقورية أتباع أبيقور.
ومنها مذهب المنفعة التطوري الذي يمثله هربرت سبنسر، ولسلي ستيفن، ويرى هذا المذهب أن الحياة السعيدة تكون في التوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع.
ثانياً: اتجاه الإسلام في غاية الأخلاق:
وتكمن حقيقة السعادة في هذه الحياة بالإحساس الدائم للمرء بالبهجة:بخيرية الذات، وخيرية الحياة، وخيرية المصير.
تكمن خيرية الذات في صحة العقيدة.
وخيرية الحياة في السلامة من الأمراض.
أما العنصر الثالث، فإن تحقيقه يتوقف على تحقيق العنصرين السابقين).
أما الشيخ عبد الرحمن حبنكه فقد كتب تحت عنوان: الغاية من السلوك الأخلاقي[5]:
(لدى دراستنا النصوص الإسلامية، والتدبر في المفاهيم العامة المقتبسة منها، نلاحظ أن الغاية من التزام فضائل الأخلاق، والابتعاد عن رذائلها تنقسم إلى عنصرين:
العنصر الأول: اكتساب مرضاة الله تعالى.
العنصر الثاني: تحقيق أقساط من السعادة المستطاعة التحقيق في ظروف الحياة الدنيا).
وتوافق الدكتورة إيمان الشيخ حبنكة فتقول تحت عنوان: الغاية من السلوك الأخلاقي ما يلي[6]:
1- اكتساب مرضاة الله تعالى، وابتغاء ثوابه في كل عمل وفي كل حركة وسكون.
2- تحقيق أقساط من السعادة المستطاعة التحقيق في ظروف الحياة الدنيا).
وما أكثر المذاهب الفلسفية بحثاً عن السعادة التي هي غاية السلوك الأخلاقي.
إن موضوع السعادة؛ من الموضوعات الإنسانية الكبرى، وقد رأينا فلاسفة منذ سقراط وأرسطو وأفلاطون يبحثون عنها، إلى العصر الحديث، فلاسفة مسلمون وغير مسلمين، غاية الأخلاق السعادة. نعم.ولكن السؤال: أين تكمن السعادة؟ أين تجدها؟...
قزم يظن السعادة في العملقة.
وعائل يظن السعادة في الغنى.
ودميم يظن أن السعادة في الجمال.
ووضيع يظن أن السعادة في الجاه.
وآخر يظن السعادة في الجنس أو في كأس...
أما الشاعر المسلم فأين وجد السعادة؟
يجيب عن هذا السؤال الشاعر الدكتور عدنان علي النحوي في قصيدته التالي:
مع الهجير[7]
حنّ الجمالُ إلى الجمال
وتواثبت صور الدلال
رباه! كم درجت خطا
ي على المروج على التلال
ولكم هُرعت إلى الجنا
ن وربوة وندى الطلال
ولكم هربت من الهجي
ر أغيب في برد الظلال
ولممت من بين الجدا
ول همستي وصدى خيالي
وجمعت من بين الحصى
زُهر الجواهر واللآلي
وقطفت من حلو الثما
ر هجعت في فيء الدوالي
وركضت أمعن في الحقو
ل وبين زاهرة التلال
ونزلت ودياناً وسا
بقت الخطا قمم الجبال
أجري وأوهامي وأح
لامي تلفت بالسؤال
وأظل ألهث خلفها
شوقاً إلى دنيا الجمال
دنيا الحقيقة من يفتح
ها مضمخة الجلال
وأمد من كفيّ أب
حث عن رؤى بين الليالي
وأمزق الدرب الطوي
ل خطا مشتتة الأمالي
وأسير والأيام تر
كض والمنى تجري حيالي
وتغيب أشباح وتط
وى بين أجفاني الليالي
وتفر أحلامي وتُف
لت من يدي تلك اللآلي
وأكاد أمسك بالطيو
ف فتختفي وأرى خيالي
يا حسرتاه فكم جري
ت وراء كاذبة النوال
وأصب من عرقي وأد
فع لهفتي بخطى عجال
كم قيل لي دنيا الحقيق
ة في المروج مع الظلال
ومع الجِنان مع الورو
د مع الشواهق والعوالي
ومع الرغاب الماجنا
ت مع الهوى واهاً لحالي
ونظرت في كفيّ فا
رغتين والدنيا حيالي
وأكاد أجمعها فول
ت كالطيوف إلى زوال
قد لوثوا طهر الجما
ل وروعوا خفر الغزال
داسوا على حلو الورو
دعلى الجِنان على اللآلي
سحقوا الأزاهير التي
رويتها بدمي ومالي
سرقوا الجواهر والكنو
ز وكل حالية وغالي
جفت فروعك يا جِنا
ن وأجدبت خضر التلال
وتساقطت دنيا الخريف
على التراب على الرمال
وكأنها وهم السرا
ب كأنها ومض الخيال
ورجعت في حمى الهجيـ
ر وبين أطياف وجال
ويكاد يقتلني الظما
وتكاد تطرحني رحالي
قدماي ترتجفان منهكـ
تين من طول ارتحالي
وتكاد تغلبني الشكا
ة من الضياع من الملال
ورميت يا رباه آ
مالي على وهن الكلال
وتركت خلفي كل أحـ
لامي وأشباح الضلال
وتركت أوهام السرا
ب ركام أيامي الخوالي
ورجعت أبحث في الحقيـ
قة في الطهارة في الجمال
فوجدتها في النفس في الأ
عماق في شرف الفعال
في رفة الإيمان في الأن
داء في عقبى مآل
"
________________________________________
[1] دستور الأخلاق في القرآن. النظرية الأخلاقية مقارنة بالنظريات الأخرى. د. محمد عبدالله دراز ص 22.
[2] الأخلاق في الإسلام د. إيمان عبدالمؤمن سعد الدين ص123.
[3] في كتابه علم الأخلاق الإسلامية ط2 ص 252.
[4] علم الأخلاق الإسلامية د. مقداد يلجن ص 58.
[5] الثقافة الإسلامية عبدالرحمن حبنكه ومحمد الغزالي ص 193.
[6] الأخلاق في الإسلام د. إيمان عبدالمؤمن سعد الدين ص42.
[7] من ديوانه: جراح على الدرب.

اكتب تعليق

أحدث أقدم