رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الحياة الأسرية



بقلم \ المفكر العربى الدكتورخالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لا شك فيه أن من حقوق الزوج على زوجته قرارها في بيته، وعدم خروجها منه لغير ضرورة أو حاجة إلا بإذن صريح أو ضمني منه، وله مقابل ذلك أن ينفق عليها قدر كفايتها وحسب جهده وطاقته• قال تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم}(النساء: 34)• يقول العلامة ابن قدامة: >المرأة محبوسة على الزوج - أي مقصورة عليه- يمنعها من التصرف والاكتساب، فلا بد أن ينفق عليها<(المغني 348/11)• وهذا منتهى العدل والضمان الحقيقي لحق المرأة المسلمة، فليس نفقة الزوج عليها من باب التفضل منه والمنة عليها، وإنما هو من فضل الله الذي منحه إياه، وكتبه لها مقابل معاشرتها له بالمعروف، والقيام على إسعاده وراحته، وبهذا الانسجام في القيام بهذه الحقوق تعيش الأسرة المسلمة حياة سعيدة رغيدة•
ومسألة الذمة المالية للزوجة مسألة كثر فيها الكلام، وباتت مسألة شائكة تسبب كثيراً من المشاكل وتقع كأي مسألة بين إفراط وتفريط، فهناك صنف من الأزواج ينظر الى زوجته على أنها بقرة حلوب تدر مبالغ من الأموال الى خزانتها العامة، دون أن يكون للزوجة أدنى حق في مالها التي اكتسبته يداها ومن تعبها وعرقها، وينتظرها كل شهر ليأخذ منها راتبها دون شفقة أو رحمة، وإلا فالويل ثم الويل لها•
وهناك صنف من النساء يخرج يومياً ما لا يقل عن عشرة ساعات، وتقصر في خدمة زوجها وبالتالي في الرعاية المستحقة لأبنائها وتعود وقد ملئت حقيبتها بمال كثير نظير هذا العمل، ولا ترى لزوجها ولا لأولادها أي حق في مالها الخاص، بل يجب على الزوج النفقة عليها وعلى أولادها بلا أي تقصير، بل أحياناً يتعدى الأمر ذلك وتكلفه مالا يطيق، فيعيش مهموماً فقيراً ورفيق الدرب يكنز أمواله•
وبداية لابد أن نؤكد أنه ليس للرجل أي حق في مال المرأة الذي ورثته، أو وصل إليها بصورة لا تضر بالبيت أو الأولاد كالتجارة تمارسها في بيتها، أو إيجار عقارات• أما راتبها من العمل فمسألة أخرى اختلف فيها الفقهاء: فمنهم من قاسها على الأصل السابق بما لا يجعل للرجل فيه حقاً، ومنهم من رأى فيها مسألة مستحدثة تستقطع فيها المرأة جزءاً من الوقت المخصص أصلاً لرعاية البيت، لتقوم بأداء هذا العمل الخارجي مما يترتب عليها حقاً ما نظير خروجها هذا، وذلك بمساهمتها المادية في نفقات الأسرة•
ويبقى عمل المرأة مرهون دائما بموافقة الزوج، فلا يجوز للزوجة أن تخرج من بيتها لتعمل دون إذن زوجها، لأن خروجها للعمل بدون إذنه فك للمؤسسة الاجتماعية، وانسلاخ من كون الرجل هو القيم والمسؤول عن الأسرة، ولكن هذا لا يعني أن يكون راتبها له، فموافقته لها بالخروج هي في مقام الهبة منه، إلا أن تكون موافقة مشروطة، والشرط في العقد لا يتم الا بموافقة الطرفين، بمعنى لو أن الرجل وافق على خروج المرأة بشرط أن تخرج ربع راتبها للأسرة، فوافقت، فهذا شأنها في الدفع، وهو شأنه أيضاً في الإذن، ولكن الأحب الى قلبي ألا يشترط الرجل على زوجته أن تدفع شيئاً من راتبها، وأن تخرج الزوجة جزءا من راتبها دون طلب زوجها، فإن هذا مما يجعل القلوب مؤتلفة، والأسرة تعيش في سكينة•
ومن الناحية الأخلاقية يجب أن نتحدث في الحياة الزوجية بلغة أخرى مختلفة• فالحياة الزوجية عبارة عن كيان قد تشكل من التقاء طرفيه، بحيث تخلى كل طرف برضاه عن جزء من ذاته، وهو يوافق على الدخول في هذا الكيان ويحتفظ بجزء آخر ىعطي له خصوصيته، ولكنه من المؤكد أنه في النهاية قد أصبح شيئاً جديداً بعد امتزاجه في هذا الكيان، فلم يعد الزوج هو الزوج ولم تعد الزوجة هي الزوجة، ولكن أصبحا هما هذا الكيان الجديد الذي يقوم أساساً على الرضا والتراضي• ولذلك فيظل الرضا والتراضي هو العنوان الأساسي لهذا الكيان، ولكل ما يجري فيه من أحداث ومسؤوليات وواجبات• وعلى ذلك فحديث الزوج بلغة: أين حقي من الراتب مقابل تقصير الزوجة؟ يكون سؤال ضد طبيعة هذا الكيان الزوجي، لأننا سنسأل في المقابل ونقول لهذا الزوج: هل إذا أعطت الزوجة راتبها أصبحت من وجهة نظرك غير مقصرة؟ وهل تقديم الراتب هو الذي يجبر تقصيرها؟ هذه نقطة أساسية للانطلاق منها في فهم قضية راتب الزوجة من حق من•
وبناء على هذا فمن الضروري أن يتم تفاهم الزوج مع زوجته حول راتبها بطريقة عادلة تتفق مع ظروف الحياة وعرف المجتمع وتحقق رضا الطرفين، وفي الغالب فإن الرجل الكريم القادر لا يطلب من زوجته مالاً ينفق منه على البيت، وكذلك فإن المرأة الكريمة القادرة لا تنتظر تنبيهاً من أحد يدفعها أن تسهم في نفقات الأسرة، لأن هذا الكيان المشترك الذي يتكون من الأب والأم والأطفال - صغروا أم كبروا - مسؤولية مشتركة، تقوم فيها المرأة بالدور الأكبر في الرعاية والتربية، وتساعد ببعض المال بحسب الظروف والأحوال•
إن الأسرة ليست مؤسسة اقتصادية فقط - وإن كان الاقتصاد هو أحد دعاماتها - ولكنها مؤسسة اجتماعية تربوية، والعلاقات فيها ليست علاقات أخذ وعطاء مادي بل هو أخذ وعطاء معنوي، كما أن الأسرة هي الأساس الأول لبناء الإنسان، ليس البناء المادي فقط بل كل الجوانب الشخصية الاجتماعية الأخلاقية الاقتصادية السياسية• ولما كانت هذه الأسرة مؤسسة ذات قطبين لكل فيها دوره الذي لا غنى له عن الثاني، فمن الخطأ أن ننظر للحياة الأسرية على أنها شركة تجارية توزع فيها المناصب بحسب من يملك أكثر من الآخر، فكل ما يحصل عليه أي فرد في العائلة يصب لمصلحة الأسرة ونفعها• والنظر إلى دخل الفرد في الأسرة نظرة تنافسية أمر خطير للغاية يؤدي إلى تفككها وخرابها•

اكتب تعليق

أحدث أقدم