رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد على أهمية الرفق فى التعليم



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن عملية التّعليم تعانى من أزمات، وتصادفها عقبات، ربما يرجع السبب في كثير منها إلى إهمال الرِّفق.
وحينما نعيد إلى الأذهان قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الرِّفْقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ من شيءٍ إلا شانَهُ))[1]، ونستذكر سيرته العطرة في الدعوة والتعليم، ندرك أهمية الرِّفق في هذا المجال، ونجزم بأنه لا إصلاح لواقعنا التعليمي بدونه.
إن الرِّفق مطلوب من المعلِّمين تجاه المتعلِّمين، كما هو مطلوب من المتعلِّمين تجاه معلِّميهم، وفي السُّنَّة الشريفة إرشادات قيّمة في باب الرِّفق لكلٍّ من المعلِّم والمتعلِّم، يتحقَّق بالالتزام بها الفلاح والنجاح، وتؤتي عملية التعليم ثمارها المرجوّة بإذن الله تعالى، ومن ذلك:
• المبادرة إلى التعليم بأسلوب حسن:
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً توضَّأ فترك موضع ظُفُرٍ على قدمِه، فأبصره النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: (( اِرْجِعْ فأَحْسِنْ وُضوءَك ))، فرجَع، ثم صلَّى. أخرجه مسلم [2].
قال النووي: (فيه: تعليم الجاهل والرِّفق به) [3].
• حرص المعلِّم على إفادة المتعلِّم وإن أساء:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في مجلسٍ يُحَدِّث القومَ جاءه أعرابيٌّ فقال: متى السَّاعة؟ فمضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُحدِّثُ، فقال بعضُ القوم: سمع ما قال، فكَرِه ما قال، وقال بعضُهم: بل لم يسمع. حتَّى إذا قضى حديثَه قال: (( أين - أُرَاهُ - السَّائلُ عن السَّاعة؟ )). قال: ها أنا يا رسول الله. قال: ((فإذا ضُيِّعَت الأمانةُ فانتظِرِ السَّاعةَ )). قال: كيف إضاعتُها؟ قال: (( إِذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غير أهله فانتظر السَّاعةَ )) رواه البخاري [4].
وبوَّب له البخاري بقوله: (باب من سُئِل علماً وهو مشتغل في حديثه، فأتمَّ الحديثَ ثم أجاب السائل).
قال ابن حجر: (( مُحَصِّلُه التنبيهُ على أدب العالم والمتعلِّم:
أما العالم: فلِمَا تضمَّنَه مِن تَرْكِ زَجْرِ السائل، بل أدَّبه بالإعراض عنه أولاً، حتى استوفى ما كان فيه، ثم رجع إلى جوابه فرفَق به؛ لأنه من الأعراب وهم جُفاة، وفيه: العناية بجواب سؤال السائل، ولو لم يكن السؤال متعيِّناً ولا الجواب.
وأما المتعلِّم: فلِما تضمَّنه من أدب السائل أن لا يسألَ العالِمَ وهو مشتغلٌ بغيره؛ لأن حقَّ الأول مقدَّم )) [5].
• التدرُّج في التعليم، ومراعاة حال المبتدئ بالاقتصار على تعليمه المُهِمّات، مع الاختصار وحسن العرض:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجدَ، فدخل رجلٌ فصلَّى، فسلَّم على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فردَّ، وقال: (( ارجِع فصلِّ، فإنك لم تُصَلِّ )). فرجع يُصلِّي كما صلَّى، ثم جاء فسلَّمَ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: (( ارجِعْ فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ )) ثلاثاً. فقال: والذي بعثَكَ بالحق ما أُحْسِنُ غيرَه، فعَلِّمْني. فقال: (( إذا قُمْتَ إلى الصَّلاة فكبِّرْ، ثم اقرأ ما تيسَّر معكَ من القرآن، ثم اركع حتى تَطْمَئِنَّ راكعاً، ثم ارفَع حتى تَعْتدِلَ قائماً، ثم اسجُد حتى تَطْمَئِنَّ ساجداً، ثم ارفع حتى تَطْمَئِنَّ جالساً، وافعَلْ ذلك في صلاتِك كلِّها )) رواه البخاري ومسلم [6].
قال النووي: (( فيه: الرِّفق بالمتعلِّم والجاهل، وملاطفتُه، وإيضاحُ المسألة، وتلخيصُ المقاصد، والاقتصارُ في حقِّه على المهمِّ، دون المكمِّلات التي لا يحتمل حالُه حفظَها والقيامَ بها)) [7].
• تحيُّن أوقات النشاط للتَّعليم:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنا بالموعظة في الأيام، كراهةَ السَّآمَةِ علينا. رواه البخاري ومسلم [8].
قال المباركفوري: (( المقصود بيان رِفْق النبي صلى الله عليه وسلم بالأمَّة وشفَقَتِه عليهم؛ ليأخذوا منه بنشاطٍ وحِرْصٍ، لا عن ضَجَرٍ وملَلٍ )) [9].
• حثُّ المعلم المتعلِّم بأسلوب رفيق:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النَّاس يَنْتابُون يوم الجمُعة من منازلِهم والعوالِي، فيأتُون فِي الغُبَار، يُصِيبُهم الغُبارُ والعَرَقُ، فيخرجُ منهم العَرَقُ، فأتَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إنسانٌ منهم - وهو عندي - فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( لو أنَّكُم تَطَهَّرْتُم لِيْومِكُم هذا )) أخرجه البخاري [10].
قال ابن حجر: (( وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً: رفق العالم بالمتعلّم...)) [11].
• التعليم الناجح هو الذي لا تعنيف فيه ولا تجريح:
عن معاويةَ بن الحكَمِ السُّلَميِّ قال: بَيْنا أنا أُصلِّي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذْ عطَس رجلٌ من القوم فقلتُ: يرحمك الله. فرماني القومُ بأبصارهم، فقلتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاه! ما شأنكم تنظرون إليَّ؟!. فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذِهم، فلما رأيتُهم يُصَمِّتُونني، لكنّي سكتُّ [12].
فلما صلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمّي، ما رأيْتُ مُعَلِّماً قبله ولا بعده أحسنَ تعليماً منه، فوالله ما كَهَرَني [13] ولا ضربَني ولا شتمني، قال: (( إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يَصلُحُ فيها شَيءٌ مِنْ كلامِ النَّاسِ، إنَّما هو التَّسبيحُ والتَّكبيرُ وقراءةُ القرآن )). أو كما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم... الحديث رواه مسلم [14].
قال النووي: (( فيه: بيانُ ما كان عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من عظيم الخُلُق الذي شهد الله تعالى له به، ورِفْقِه بالجاهل، ورأفتِه بأمَّتِه، وشفقتِه عليهم، وفيه: التخلُّق بخلُقِه صلى الله عليه وسلم في الرِّفْق بالجاهل، وحُسْنِ تعليمِه، واللُّطْفِ به، وتقريبِ الصواب إلى فهمه )) [15].
• تنبيه المخطئ على خطئه من غير تشهير به:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بيوت أزواجِ النَّبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادةِ النَّبي صلى الله عليه وسلم... وفيه: فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( أنتم الَّذين قلتم كذا وكذا... )) الحديث [16].
قال ابن حجر: (( قوله: (( فجاء إليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم )) في رواية مسلم: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وقال: (( ما بال أقوام قالوا كذا ))، ويجمع بأنه منعَ من ذلك عموماً جهراً مع عدم تعيينهم، وخصوصاً فيما بينه وبينهم رفقاً بهم وستراً لهم )) [17].
• الصَّبر على إلحاح الطّالب وكثرة أسئلته:
عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: سألتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: أيُّ العمل أَفْضَلُ؟، قال: (( إيمانٌ بالله، وجهادٌ في سبيله )). قلتُ: فأيُّ الرِّقابِ أَفْضَلُ؟ قال: (( أغلاها ثمناً، وأَنْفَسُها عند أَهْلِها )). قلتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟. قال: (( تُعِينُ صانعاً، أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ [18] )). قال: فإن لم أَفْعَلْ؟ قال: (( تَدَعُ النَّاسَ من الشَّرِّ، فإنَّها صدقةٌ تَصَدَّقُ بها على نفسك )) أخرجه البخاري ومسلم [19].
قال ابن حجر: (( وفي الحديث: حُسْنُ المراجعة في السؤال، وصبرُ المفتي والمعلِّمِ على التلميذ، ورِفْقُه به )) [20].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند النَّبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجلٌ، فقال: يا رسول الله هلَكْتُ. قال: ((مالك؟ )) قال: وقَعْتُ على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هل تجد رقبةً تُعْتِقُها؟ )). قال: لا. قال: (( فهل تستطيعُ أن تصومَ شهرين متتابعَيْن؟ )). قال: لا. فقال: (( فهل تجِدُ إطعامَ ستِّين مسكيناً؟ )) قال: لا. قال: فمكثَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.
فبينا نحن على ذلك أُتِي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعَرَقٍ فيها تمرٌ - والعَرَقُ: المِكْتَل - قال: (( أين السَّائل؟ )). فقال: أنا. قال: (( خُذْها فتصدَّقْ به )) فقال الرجل: أَعَلَى أفقرَ مِنِّي يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتَيْها - يريدُ الحرَّتين - أهلُ بيتٍ أفقرُ من أهل بيتي، فضحِكَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى بدَتْ أنيابُه، ثم قال: (( أَطْعِمْه أهلك )) رواه البخاري ومسلم [21].
قال ابن حجر: (( وفيه: الرِّفْق بالمتعلِّم، والتَّلَطُّف في التعليم، والتَّأَلُّف على الدِّين... )) [22].
• معالجة الأخطاء برفق وأسلوب حسن:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام أعرابيٌّ فبال في المسجد فتناولَه النَّاسُ، فقال لهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( دَعُوه وَهَرِيقُوا على بوله سَجْلاً من ماء - أو: ذَنُوباً من ماء - فإنما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرين، ولم تُبْعَثوا مُعَسِّرين )) رواه البخاري [23].
• التلطُّف من المتعلِّم في السؤال، والاهتمام من المعلِّم بإجابته.
عن أبي رِفاعةَ العَدَويِّ قال: انتهَيْتُ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطُب، قال: فقلتُ: يا رسول الله، رجلٌ غريبٌ جاء يسألُ عن دينه، لا يدري ما دينُه، قال: فأقبلَ عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إليَّ، فأُتي بكرسيٍّ حَسِبْتُ قوائمَه حديداً، قال: فقعدَ عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وجعلَ يُعلِّمُني مما علَّمه الله، ثم أتى خطبتَه فأتمَّ آخرَها. رواه مسلم [24].
قال النووي: (( فيه: استحبابُ تَلطُّفِ السائل في عبارته وسؤالِه العالم، وفيه: تواضعُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ورِفْقُه بالمسلمين، وشفقتُه عليهم، وخفضُ جناحِه لهم)) [25].
• عدم إرهاق المعلِّم بالإلحاح وكثرة الأسئلة:
عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله قَالَ: سَأَلْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى الله؟ قَالَ: (( الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا )). قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: (( ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ )). قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )) قَالَ: حَدَّثَني بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِى. رواه البخاري ومسلم [26].
قال النووي: (( فيه: رِفْقُ المتعلِّم بالمعلِّم، ومراعاةُ مصالحه، والشَّفقةُ عليه؛ لقوله: فما تركتُ أستزيده إلا إرعاءً عليه [27] )) [28].
وقال ابن حجر: (( فيه: السؤالُ عن مسائلَ شتّى في وقتٍ واحد، والرِّفْقُ بالعالِم، والتوقُّفُ عن الإكثار عليه خشيةَ مَلالِه، وما كان عليه الصحابةُ من تعظيمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم والشَّفقةِ عليه، وما كان هو عليه من إرشادِ المسترشدين ولو شَقَّ عليه)) [29].
• الرِّفق في النصيحة:
عن تَمِيمٍ الداري رضي الله عنه، أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((الدِّينُ النصيحةُ )) الحديث، رواه مسلم [30].
والنصيحة: هي الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهي عما فيه الفساد [31].
وهذا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي حازت هذه الأمة بسببه الخيرية، قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110] [32]، واستحقَّت أمة أخرى اللّعن على لسان الأنبياء بسبب تقصيرها فيه، فقال سبحانه: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 78، 79] [33].
وقد دلَّ حديث: (( الدين النصيحة )) على ضرورة الإخلاص حال القيام بهذا الواجب، ففي اللغة: الناصح: الخالص من كل شيء [34].
وبناء عليه ينبغي أن يخلص الناصح في أمره ونهيه، وأن يتحرَّكَ من منطلق الحرص على هداية الآخرين، ومحبة إيصال الخير لهم، ورغبة انتشالهم من الموبقات، وهذا لا يتأتّى إلا إذا كان الناصح متخلِّقاً بأخلاق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي قال الله تعالى فيه: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128] [35].
وليبتعد الناصح عن الغلظة والمخاشنة، لما يترتَّب على ذلك من النُّفرة وعدم الإفادة من النصيحة، وربما ولّدت الكراهية وأغلقت الباب تماماً دون المنصوح، يقول الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159] [36].
وخير دليل على ضرورة الرِّفق في النصيحة قولُ الله تعالى لموسى وهارون على نبينا وعليهما الصلاة والسلام حين أرسلهما لدعوة فرعون: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 44] [37] علماً بأنه لا جحود كجحود فرعون؟ ولا عناد يصل إلى عناده؟ ولا معصية تداني كفره؟
قال الإمام النووي: (( وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق؛ ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب، فقد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه )) [38].
وقال أيضاً: (( وأما نصيحة عامة المسلمين - وهم من عدا ولاة الأمر - فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكفُّ الأذى عنهم، فيعلِّمُهم ما يجهلونه من دينهم، ويُعِينُهم عليه بالقول والفعل، وسترُ عوراتهم، وسدُّ خَلاتهم، ودفعُ المضارِّ عنهم، وجلبُ المنافع لهم، وأمرُهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفقٍ وإخلاص، والشفقةُ عليهم... )) [39].
ولما قال الضَّحّاكُ بن قيس عامَ حجَّ معاويةُ بنُ أبي سفيان رضي الله عنه متمتِّعاً: لا يفعل ذلك إلا مَن جهل أمرَ الله عزَّ وجل، أجابه سعدُ بن أبي وقاص رضي الله عنه: بئس ما قلتَ يا ابن أخي. فقال الضّحّاك: فإنَّ عمر ابن الخطّاب قد نهى عن ذلك. فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه. أخرجه مالك [40].
قال ابن عبد البر: (( وفي إنكار سعدٍ على الضَّحاك قولَه دليلٌ على أن العالم يلزمه إنكارُ ما سمعه من كلِّ قولٍ يضاف به إلى العلم ما ليس بعلم إنكاراً فيه رفقٌ وتؤدة )) [41].
وجاء في رسالة سفيان الثوري إلى عبّاد بن عبّاد: ((... فإن استطعت أن تأمر بخيرٍ في رفقٍ، فإن قُبِل منكَ حمدتَ الله عزَّ وجلَّ، وإن رُدَّ عليك أقبلْتَ على نفسك، فإنَّ لك فيها شغلاً)) [42].
________________________________________
[1] تقدم تخريجه ص 51.
[2] مسلم: كتاب الطهارة – باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة 1: 215 حديث 31 (243).
[3] (( شرح صحيح مسلم )) للنووي 3: 132.
[4] البخاري: كتاب العلم – باب من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه... (59).
[5] (( فتح الباري )) 1: 171.
[6] البخاري: كتاب الأذان – باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها... (757)، ومسلم: كتاب الصلاة – باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة...1: 298 حديث 45 (397).
[7] (( شرح صحيح مسلم )) 4: 108.
[8] البخاري: كتاب العلم – باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوّلهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا (68)، ومسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم – باب الاقتصاد في الموعظة 4: 2172 حديث 82 (2821).
[9] (( تحفة الأحوذي )) 8: 121.
[10] البخاري: الجمعة – باب من أين تؤتى الجمعة (902).
[11] (( فتح الباري )) 2: 449.
[12] المعنى: فلما رأيتهم يسكتونني غضبتُ وتغيرتُ لكني صمتُّ.
[13] الكَهْر: الانتهار. (( النهاية )) 4: 212.
[14] مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة – باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته 1: 381 حديث 33 (537).
[15] (( شرح صحيح مسلم )) 5: 20.
[16] البخاري: كتاب النكاح – باب الترغيب في النكاح (5063)، ومسلم: كتاب النكاح – باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه... 2: 1020 حديث 5 (1401).
[17] (( فتح الباري )) 9: 7.
[18] الأخرق: هو الذي ليس بصانع، ولا يحسن العمل. (( فتح الباري )) 5: 177-178.
[19] البخاري: كتاب العتق – باب أي الرقاب أفضل (2518)، ومسلم: كتاب الإيمان – باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال 1: 89 حديث 136 (84).
[20] (( فتح الباري )) 5: 178.
[21] البخاري: كتاب الصوم – باب إذا جامع في رمضان... (1936)، ومسلم: كتاب الصيام – باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم... 2: 781 (1111).
[22] (( فتح الباري )) 4: 204.
[23] البخاري: كتاب الوضوء – باب صبِّ الماء على البول في المسجد (220).
[24] مسلم: كتاب الجمعة – باب حديث التعليم في الخطبة 2: 597 (876).
[25] البخاري: كتاب الوضوء – باب صبِّ الماء على البول في المسجد (220).
[26] البخاري: كتاب مواقيت الصلاة – باب فضل الصلاة لوقتها (527)، ومسلم: كتاب الإيمان – باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال 1: 90 حديث 139 (85).
[27] جاءت هذه الجملة في إحدى روايات الحديث عند مسلم: 1: 89 حديث 137 (85) ومعنى (إرعاء): إبقاء ورفقاً. (( النهاية )) 2: 236.
[28] (( شرح صحيح مسلم )) 2: 79.
[29] (( فتح الباري )) 2: 14.
[30] مسلم: كتاب الإيمان – باب بيان أن الدين النصيحة 1: 74 حديث 95 (55)
[31] (( التعريفات )) للجرجاني ص 309.
[32] الآية رقم 110 من سورة آل عمران.
[33] الآيتان رقم 78 - 79 من سورة المائدة
[34] (( المعجم الوسيط )) مادة (ن ص ح).
[35] الآية رقم 128من سورة التوبة.
[36] الآية رقم 159 من سورة آل عمران.
[37] الآية رقم 44 من سورة طه.
[38] (( شرح صحيح مسلم )) 2: 24.
[39] (( شرح صحيح مسلم )) 2: 39.
[40] (( الموطأ )) 1: 344 (60).
[41] (( الاستذكار )) 4: 94.
[42] (( الجرح والتعديل )) 1: 87.

اكتب تعليق

أحدث أقدم