رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن قصة اليهود مع عبد الله بن سلام



بقلم \ المفكرالعربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
ورئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
كان حبرًا عالمًا، اسمه: الحصين بن سلام، قال وهو يروي قصة إسلامه: لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له - نترقب - فكنت مسرًّا لذلك صامتًا عليه، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلما نزل بقُباء في بني عمرو بن عوف، أقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة ابنة الحارث تحتي جالسة، فلما سمعتُ الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبَّرْت، فقالت لي عمتي حين سمعت تكبيري: خيَّبك الله، والله لو كنتَ سمعت بموسى بن عمران قادمًا ما زدتَ، قال: فقلت لها: أي عمة، هو والله أخو موسى بن عمران، وعلى دِينه، بُعِث بما بعث به، قال: فقالت: أي ابن أخي، أهو النبي الذي كنا نخبَرُ أنه يبعث مع نفس الساعة؟ قال: فقلت لها: نعم، قال: فذاك إذًا، قال: ثم خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمتُ، ثم رجعتُ إلى أهل بيتي، فأمرتُهم فأسلموا، قال: وكتمتُ إسلامي من يهود، ثم جئتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يا رسول الله، إن يهودَ قومٌ بهت، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك، وتغيبني عنهم، ثم تسألهم عني حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلَموا بإسلامي؛ فإنهم إن علِموا به بهتوني وعابوني، فأدخلني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بعض بيوته، ودخلوا عليه فكلَّموه وسألوه، ثم قال لهم: ((أي رجلٍ الحصين بن سلام فيكم؟))، قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وحبرُنا وعالمنا، قال: فلمَّا فرغوا من قولهم، خرجت عليهم فقلت لهم: يا معشر يهود، اتقوا اللهَ، واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلَمون أنه لَرسول الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة باسمِه وصفته، فإني أشهَد أنه رسول الله، وأُومن به وأصدِّقُه وأعرِفه، قالوا: كذبتَ، ثم وقعوا بي، فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم أخبِرْك يا رسول الله أنهم قوم بهتٌ، أهل غدر وكذب وفجور، قال: وأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلَمَتْ عمتي خالدة، فحسُن إسلامها"[1].
وهكذا نجدهم غيَّروا كلمة الحق قبل أن ينفضُّوا من مجلسهم.
ومن تبديلهم لكلمةِ الحق ما ذكَر الله عنهم، وأخبر ما فعلوه من تبديل الكلام، فقال: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾ [البقرة: 58، 59]، فتلاعَبوا وقالوا: حنطة في شعيرة، وفي رواية البخاري: كانوا يزحَفون على أستاههم، فقالوا: حبة في شعرة، وهذا بدل دخولهم كما أمَرهم الله أن يدخُلوا سجَّدًا؛ أي: راكعين، وهم يقولون: حطة، بمعنى: احطُطْ عنا خطايانا، أو بمعنى طلب المغفرة لِما ارتكبوه من مخالفات بعد خروجِهم مع موسى عليه السلام من مصرَ.
ومن أمانة الكلمة عدم كتمان العلم:
ولقد اشتهر اليهود بكَتْم العلم، فكشَف أمرَهم مَن يعلم السر وأخفى، فقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴾ [النساء: 51]، وهؤلاء المَعنيُّون بهذه الآية أحبار يهود، أمثال حيي بن أخطب وجماعته، الذين وفدوا على قريش ليحرِّضوهم ضد النبي صلى الله عليه وسلم، فسألتهم قريش: أديننا خير أم دين محمد؟ فكان جواب هؤلاء الأحبار وفتياهم بمنتهى الكذب والمذلة، حيث قالوا: دينُكم خير من دينه، وأنتم أهدى منهم، وهم يعلمون أن قريشًا وثنيَّة تعبد الجبت والطاغوت، فكانت هذه الفتوى الضالة من أجل تجييش قريش وتهييجها ضد المسلمين، وكانت غزوة الخندق.
وقد ذكَر الله تعالى كِتمانهم للعلم في سورٍ كثيرة في القرآن الكريم؛ فقال تعالى: ﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 42]، وقال أيضًا: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 71]، وقال أيضًا: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ [آل عمران: 187]؛ لذلك استحقُّوا اللعنةَ على كتمانِهم العِلم، وعدم الوفاء بكلمة الحق؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ [البقرة: 159].
وفي الحديثِ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن سُئِل عن عِلم فكتَمه، ألجَمه اللهُ بلجام من نار يوم القيامة))[2]، وهو حَسن.
________________________________________
[1] سيرة النبي لابن هشام 138، ج2.
[2] رواه أبو داود ص321، ج3.

اكتب تعليق

أحدث أقدم