الاستاذ الدكتور إبراهيم محمد مرجونة يكتب ...... أحن إلى قلمي.

 


مقال: أحن إلى قلمي.

بقلم : أ.د إبراهيم محمد مرجونة

أستاذ التاريخ والحضارة الاسلامية

احن إلى قلمي ذكريات قضيتها مع هذا القلم لكم حلمت وتخيلت وسهرت منتظرًا القلم الحبر فهو بمثابة بداية لمرحلة الكبار ويعني التخلص من القلم الرصاص والممحاة التي نستخدمها لمسح الأخطاء وغير مسموح باستخدام القلم الجاف الا بعد الوصول للصف الرابع وفي ذلك دلالة أننا مازلنا صغار .

يا الله أما آن لهذا الليل إن ينجلي ونصل للصف الرابع وننال شرف امتلاك القلم الجاف وليس الامتلاك فحسب بل السماح باستخدامه.

تبدأ الحكاية مع طفولتنا ، فقد كُنّا نكتب بالقلم الرصاص، الذي يسمحُ بالمحو بالأستيكة، دون اللجوء إلى «الشطب» الذي يُشوِّه الصفحات. أخطاؤنا الكتابية كانت كثيرة ، وصعوبة الكلمات صاحبها عثرات كتابية  لذا منع  «القلم الحبر» لصغرنا على تحمل مسئولية ما نكتب لأنه يشترط أن يكون المكتوب صحيح، و كان مسموحًا بالقلم الجاف فقط «للكبار»، الذين تجاوزونا ووصلوا إلى «الصفّ الرابع». كُنّا نحن الصغار ننظرُ إلى أولئك «الكبار» نظرة إجلال وإكبارٍ ، إذْ نعلمُ أن في حقائبهم المدرسية يسكنُ «قلمٌ» واثقُ الخُطوةِ يمشى على السطور ملكًا، دون «عكاز الممحاة»، التي تُلازمُ أمثالنا، ممن تتعثّرُ أصابعُهم فيما يخطّون الحروفَ والكلمات.

لهذا كنتُ أنظرُ إلى طلاب  الصف الرابع، باعتبارهم إلهًة إغريقيًّة أبطال الأساطير والحكايات المعجزة ، فهم يمسكون القلم الحبر ويكتبُون  الواجب، دون وجود ممحاة (أستيكه )إلى جوارهم .

ادخرت و قررتُ امتلاك وشراء «قلم حبر». ادّخرتُ من مصروفي، واشتريت قلمًا، ما زلتُ أذكرُ تفاصيل شكله حتى الآن. كان من البلاستيك ويدعى (فرنساوي) أصلي نعم أصلي يعني لا يمكن فكه واستخراج أنبوبة الحبر لونه أبيض بمقدمة زرقاء وغطاء أزرق، يا الله القلب يرقص فرحًا جاء القلم الحبر، كان مدهشًا بالنسبة لى، اشتريتُه بخمس وعشرين قرشًا، وهو مبلغٌ ضخم يساوى مصروفي في عدّة أيام، حرمتُ نفسى خلالها  من ملذّات الحياة. عدتُ إلى البيت أحملُه كمَن يحملُ كنزًا نفيسًا يساوى ثروات العالم.

وشعرتُ بأنني أعيشُ لحظة مفصلية في تاريخي، فحياتي بعد حيازتي القلم تختلفُ جذريًّا عمّا قبلها.

اليومَ سأكتبُ كما يكتبُ الكبارُ، دون أن أمحو. اليومَ صارت كتاباتى «خالدة»، ليس بوسع أحد محوها بممحاة، كتبت ونفشت ونحت لسنوات ما بين نجاحات وانجازات وعثرات واخفاقات ودون القلم بكل جسارة ورصد ووثق وشهد ظنًا مني بعدم قدرة أي أحد على المحو.

وتغير العالم من حوالنا وتنوعت الأقلام ولم نعد نميز بين نوعية الأقلام واختلط الحابل بالنابل وصار الشكل الخارجي يخفي زيف القلم غير الأصلي وظهر الهاتف وتطور سريعًا فلم يعد هاتفي مجرد أداة تواصل مع الأصدقاء أو البوم للصور، لقد أصبح هاتفي هو قلمي ودفتري والمهد الأول لكثير من الأفكار والمقالات والنصوص التي أسجلها في لحظتها الأولى خشية فقدها، لكن شيء مني قد فُقد، شيء مني يحن إلى شيء آخر أثناء الكتابة، والحنين قد لا يكفي للعودة إلى ما تركناه خلفنا، نعم ما زلت أكتب بنفس الشعور الصادق الذي لا يمكن أن أتجاوزه في تلك اللحظة، ولكن ما مضى كان أجمل، فالكتابة غدت مؤطّرة بإطار إلكتروني جامد، وغدا كل شيء قابل لأن يختفي بمجرد لمسة خاطئة على المفتاح الخطأ أثناء الكتابة.

 أعترف أني فقدت بعض مكونات الخلطة السحرية التي تضيف للكتابة نكهتها ومذاقها وإحساسي بها، فقدت شعوري بملمس الورق، وصوت موسيقى القلم ورائحة الحبر وتدفقه على بياض الورق، فقدت جمال الحرف وأنا أخطه رسماً بالقلم على ورقة بيضاء أو مسطّرة، وإن كان خطي ليس جيدًا بالقدر الكافي بين الخطوط، لكنه يحاول جاهدًا أن يكون مساره الصحيح.

 ومع ذلك، كم عاودني الحنين لأن يكون مقالي اليوم مكتوباً بخط القلم، ولكن ها أنا أخطه لكم من خلال لوحة المفاتيح في جهازي الصغير عبر شاشة مسائية مضاءة لتقرأونه ربما من خلال شاشة مشابهة.

 ورغم عناء الرحلة فعندما زارنا المشيب تبين ان القلم والورقة والفكرة وكذلك الهاتف ولوحة المفاتيح برغم ما عليها من تحفظات ليسوا قادرين على العبور فالبعض يستطيع أن يسطو ويطفو على كل ذلك بل ويمحو ما سطر غيره سواء أكان ورقيًا أو الكترونيًا.

 ويأتي بكلماته وعباراته وتقدم على غيرها رغم رداءتها وزيفها وعجزها، والادهى والأمر أنه استأجر القوي غير الأمين ليحمل القلم ويخط نيابة عنه ليضمن له أن يكون منمازًا ممتازًا ثم ينتقل إلى مرحلة التسويق ويحتفي به  الجميع ويجعلوه أنموذجًا.

فهل يا ترى تحقق الحلم لمن يمتلك القلم والورقة والفكرة و صار من الكبار أم أنه تاه وسط الزحام؟ وضاع حلم الطفولة ولم ينظر أحد للكتابات المخلدة وقيمتها أو جودتها لا ينشغل بها أحد

فصرت احن إلى قلمي الرصاص والممحاه (الأستيكة ) لعلي أمسح وأمحو وأغير واتغير لمواكبة متغيرات العصر؟!!!

 

 

 

 

اكتب تعليق

أحدث أقدم