رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن فلسفة العلم



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أنَّ الإسلام دين العلم والمعرفة، وليس من شيء أدل على ذلك من كون أوَّل ما نزل من كتاب الله تعالى على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: ١ - ٥].
وقد دعا الله تعالى في آيات كثيرة من كتابه إلى التعقُّل والتفكُّر، والتدبُّر والتأمُّل، ونعَى على أولئك الذين يُعطِّلون عقولهم، فلا يُعْمِلونها فيما خُلقت له، فقال تعالى: ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
فالإنسان مأمور بأن يزيل عن نفسه صِفةَ الجهل التي وُلد عليها؛ وذلك بأن يسلك طريقَ العلم والمعرفة، مستخدمًا جوارحه التي أَنعم الله بها عليه، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78].
وقد حثَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أفرادَ أمَّته على طلب العلم والسير في طريقه، وأخبرهم بأنَّه جهاد في سَبيل الله تعالى، وأنَّ طالب العلم بمنزلة المجاهد حتى يرجِع إلى بيته، فقال صلى الله عليه وسلم: ((مَن خرَج في طلب العلم، كان في سبيل الله حتى يرجِع))[1].
وإنَّ من مظاهر التَّشريف والتكريم لطالب العلم أن تَحتفي به ملائكة الرَّحمن عليهم السلام؛ فقد قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الملائكة لتَضعُ أجنحتَها لطالب العلم رضًا بما يطلُب))[2]، ثم يكون طلب العلم بعد ذلك سببًا من أسباب النجاة والفوز عند الله، قال صلى الله عليه وسلم: ((مَن سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنَّة))[3].
وقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بفَضل العلم على العبادة؛ وذلك لأنَّ أثر العلم يتعدَّى إلى الغير، أمَّا العبادة فهي خاصَّة بصاحبها، فقال صلى الله عليه وسلم مخاطبًا أحد صحابته: ((لأَن تغدو فتعلِّم آيةً من كتاب الله خيرٌ لك من أن تُصلِّي مائة ركعةٍ، ولأن تغدو فتعلِّم بابًا من العلم عُمل به أو لم يُعمل خيرٌ لك من أن تُصلِّي ألف ركعةٍ))[4].
ونقصد بالعلم هنا: كل علم يَنفع الإنسان في دينه ودنياه، ويتعدَّى نفعه إلى مجتمعه، سواء كان ذلك علمَ دين أم علم دنيا، ممَّا ينفع المسلمين ويحتاجون إليه؛ كالطبِّ والهندسة، والفلَك والصناعات، وغيرها من العلوم النافعة للمجتمع.
إلا أنَّه لا بدَّ من التفريق بين العلوم التي تُصَحِّح للإنسان عقيدتَه وعباداته وأخلاقه، التي تنجيه عند ربه، وبين العلوم التطبيقيَّة أو النظرية التي يحتاج إليها المجتمع.
أمَّا الأولى: فهي فَرض عين على كلِّ مسلم، فلا يجوز له أن يجهلها؛ لأنه سيحاسب يوم القيامة على الجهل والتقصير في تعلُّمها؛ فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يُرِد الله به خيرًا يُفقِّهه في الدِّين))[5].
وأمَّا الثانية: فهي علوم كفائية، تجب على عموم أفراد المجتمع المسلم، فإذا ما قام بها بعض المسلمين سقط الإثم عن بقيتهم، أمَّا إن أهملوها وقصَّروا في تعلُّمها فهم آثِمون جميعًا، حتى يقوم بتعلُّمها وإتقانها بعض أفراد المجتمع المسلم، ويدخل فيها كل ما يحتاج إليه المسلمون في حياتهم ومعاشهم؛ ليَستغنوا بذلك عن الحاجة إلى أعدائهم[6].
وقد رفع الله تعالى شأنَ العلماء وأَعلى قدرهم في الدنيا والآخرة، ولم يسوِّ بينهم وبين غيرهم؛ فقال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: 11]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9].
وجعل شهادةَ أهل العلم مقرونة بشهادته تعالى وشهادة الملائكة عليهم السلام، فقال عزَّ من قائل: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [آل عمران: 18]، وأثنى عليهم بأنَّهم الفاهمون المتعقِّلون للأمثال التي ذكرها في كتابه، فقال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 43]، وأنَّهم المرجِع والمآل لأفراد المجتمع المسلم في أمور دينهم ودنياهم، للسؤال عنها وبيان حُكمها، قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43؛ الأنبياء: 7].
كما جاءت الأحاديث النبويَّة لتبيِّن مكانة العلماء ومنزلتهم؛ من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فَضلُ العالِم على العابد كفَضلي على أَدناكم))، ثُمَّ قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله وملائكتَه، وأهل السَّموات والأرضين، حتى النَّملة في جُحرها وحتى الحُوت - ليُصلُّون على مُعلِّم النَّاس الخير))[7]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا حسد إلَّا في اثنتين: رجُل آتاه الله مالًا فسُلِّط على هلَكَته في الحقِّ، ورجُل آتاه الله الحكمةَ فهو يقضي بها ويُعلِّمها))[8].
والعلم المقصود بالثَّناء هنا، هو ذلك العلم النَّافع، الذي يُورِث صاحبه خشيةً لله تعالى وقُرْبًا منه، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، كما يُورِثه إيمانًا وتصديقًا بما جاء من عند الله، قال تعالى: ﴿ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ [النساء: 162]، وهذا هو العلم الذي أُمِر المسلم بطلبه والاستزادة منه، والدعاء من أجله، قال تعالى مخاطبًا نبيَّه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114].
أمَّا العلم الذي يزيد الإنسان قسوة وجحودًا وبُعدًا عن طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا شك أنه سيكون يوم القيامة وَبالًا وحسرة وندامةً على صاحبه، وهذا ما كان يَستعيذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففي الحديث: "أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوَّذُ من أربعٍ؛ من علمٍ لا ينفعُ، ومن قلبٍ لا يَخشعُ، ودُعاءٍ لا يُسمع، ونفسٍ لا تشبعُ"[9].
وإن من مظاهر عدم الانتفاع بالعلم، أن يُورث صاحبه غرورًا وإعجابًا بالنَّفس، فيظن أنَّ ما عنده من العلم ليس موجودًا عند أحد من خلق الله، ناسيًا قول الله تعالى: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 76].
أو أن يفتقد النيَّة الصالحة من طلب العلم، فيكون منتهى قصده إحراز المناصِب والألقاب والرُّتب، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: ((مَن تعلَّم علمًا ممَّا يُبتغى به وجه الله عزَّ وجل؛ لا يتعلَّمُه إلَّا ليُصيب به عرضًا من الدُّنيا لم يجِد عَرف[10] الجنَّة يوم القيامة))[11].
أو أن يَكتم ما أُمر بتبليغه ونشره من العلم النافع، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((مَن سُئل عن علمٍ عَلِمَه ثُمَّ كَتمه، أُلجِم[12] يوم القيامة بلِجامٍ من نارٍ))[13].
ولا ينبغي لمسلم أن يَسمح لنفسه بأن يفعل أو يقول شيئًا بغير علم؛ لأنَّ الله سيسأله عن ذلك يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36].
ونخلص مما سبق، إلى أن ديننا هو دين العلم، وأنَّ على أمَّة الإسلام أن تكون السبَّاقة والرائدة في كلِّ ميادين العلم والمعرفة، وأنَّ الإسلام بتعاليمه وقِيَمه لم يكن في يوم من الأيام مانعًا من تطوُّر أتباعه وارتقائهم بين الأمم، كما لم يكن سببًا في انتشار مظاهر الكسل والتواني بينهم، بل كان بحقٍّ مشْعَل نهضة الأمة عبر التاريخ، ومُحَرِّك هِمَمها إلى السبق والرِّيادة والتميز في كل مجالات الحياة، وإنَّ الضعف والوَهن الذي أصاب أمَّتنا اليوم، لا ينبغي أن يَثنيها عن استعادة دورها الحضاري، وأمجادِ تاريخها الزاهر، لتأخذ مكانها الصحيح بين الأمم، بعد أن برهنَت الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى على تقدُّمها وإثرائها لكلِّ الحضارات في زمانها.
________________________________________
[1] أخرجه الترمذي في العلم، برقم (2647)، وقال: حديث حسن، والطبراني في الصغير (1/ 234)، برقم (380).
[2] أخرجه الترمذي في الدعوات، برقم (3535)، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في الطهارة، برقم (158).
[3] أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة، برقم (2699)، وأبو داود في الصلاة، برقم (1455)، والترمذي في العلم، برقم (2646).
[4] أخرجه ابن ماجه في المقدمة، برقم (219)، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (1/ 54)، وقال: إسناده حسن.
[5] أخرجه البخاري في العلم، برقم (71)، ومسلم في الزكاة، برقم (1037).
[6] وواقع الأمة اليوم أن مجموع أفرادها آثِمون؛ فهم يَأكلون ما لا يَزرعون، ويلبسون ما لا ينسجون، ويَستعملون ما لا يصنعون، ويَحتمون بما لا ينتجون؛ ولذلك أصبح قرارهم رهينة بيَدِ أعدائهم، بل إن مصيرهم ووجودهم أصبح على المحكِّ والاختبار!
[7] أخرجه الترمذي في العلم (2685)، والدارمي في المقدمة، برقم (289).
[8] أخرجه البخاري في العلم، برقم (73)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، برقم (816).
[9] أخرجه أبو داود في العلم، برقم (3658)، والترمذي في العلم، برقم (2649)، وقال: حديث حسن، وابن ماجه في المقدمة، برقم (261).
[10] عَرْف الجنَّة: ريحها الطيبة، والعرف: الريح، انظر: النهاية في غريب الحديث (5/ 302).
[11] أخرجه أحمد في المسند (2/ 338)، برقم (8438)، وأبو داود في العلم، برقم (3664)، وابن ماجه في المقدمة، برقم (252)، وابن حبان في صحيحه (1/ 279)، برقم (78)، والحاكم في المستدرك (1/ 160)، برقم (288)، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[12] اللجام: حديدة يشد بها فم الدابة فيسهل قيادها.
[13] أخرجه أبو داود في العلم، برقم (3658)، والترمذي في العلم، برقم (2649)، وقال: حديث حسن، وابن ماجه في المقدمة، برقم (261).

اكتب تعليق

أحدث أقدم