رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن أزمة الذات وضياع الإحسان



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
بعيدًا عن ذلك الجدل العقيم حول دور "الإنسان الفرد" و"الإنسان المجتمع" في العملية الحضارية، فإننا نؤمن إيمانًا لا يخالجه شك بأنَّ "الإنسان الفرد" هو الأصل الأصيل لكل عملية صناعة حضارة في التاريخ، ثم يأتي بعده "الإنسان المجتمع".
وبالتالي فإن ما يصيب الإنسان المسلم من أمراض حضارية تؤثر بطريقة جوهرية على المستوى الذي تستطيع به هذه الحضارة أن تستجيب للتحدِّيات البيئية أو البشرية.
إن الإنسان - بكل المقاييس - هو أساس العملية الحضارية، وإن حضارتنا الإسلامية ليست نشازًا في هذا المجال، بل لعلها من أكثر الحضارات اهتمامًا بدور الإنسان في التاريخ.
ولهذا فهي - ابتداءً - لا تعفيه من أي مسؤولية تحت أي شعار، كما أنها لا تجعل المسؤولية الجماعية بديلاً عن المسؤولية الفردية، بل ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾(المدثر:38)، ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾(مريم:93-95).
وهذا الإنسان كما هو معروف كائن معقَّد، مزوَّد - من خلال تركبيه العضوي والنفسي والروحي المتكامل - بكل الإمكانيات والطاقات التي تؤهِّله للسير في طريق التاريخ الحضاري صعودًا وهبوطًَا: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾(التين:4-5)، ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾(الإسراء:70).
الذات الإنسانية
ولأن هذا الإنسان في النظرة الإسلامية كائن متكامل في بنائه، وهو ذو طاقات متعددة، لكنها متشابكة ومتكاملة، وهو كذلك لا يتحرك إلا بدوافع متعددة توازي طاقاته كلها؛ لأنه كذلك، فنحن نَقترح بأن نُطلق عليه اسم "الذات" أو "الذات الإنسانية"، هذه "الذات" هي هذا المضمون الكلي أو الكائن المتشابك الذي يضم في أحشائه وبدون تشطير "النفس" و"الجسم" و"العقل" و"الروح".
إن هذه "الذات" هي التي أطلق سَراحها في التاريخ بعد أن هبَطت من الجنة، وهي بكِيانها ذلك قد نِيط بها أن تصنع "حضارة" متكاملة مثل تكامُلها، متوازنة مثل توازُنها، منسجمة مثل انسجامها؛ ذلك لأنها تصنع حضارة لذاتها، حضارة إنسانية، وبالتالي فلا بد أن تُشبع عن طريق هذه الحضارة كلَّ طاقاتها.
وفي التاريخ تتابع الأنبياء وكلهم يقدِّم الحضارة الإنسانية الملائمة المنسجمة مع الفطرة التي فطَر الله الناس عليها، مركِّزين على الجوانب التي اهتزَّ رصيدها، حتى يعود التوازن والانسجام بين كل الجوانب.
وعندما جاء الإسلام سار على الدرب، فكان هو أيضًا ﴿ فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾(الروم:30)، ونجح هذا الدين العظيم في مناهجه التاريخية، فقدم إنسانًا متكاملاً، وقدَّم من خلاله حضارة متكاملة أبدَعت في شتى الجوانب - روحية، أو عقلية، أو مادية - والأهم أنه قدَّم هذه الحضارة المتعددة الجوانب على نسَقٍ "توحيدي"، يَفرض نزعته "التوحيدية" على كل صورة إبداعية من إبداعات هذه الحضارة؛ فنية، أو علمية، أو روحية.
إن الأصول الروحية والمادية التي قامت عليها هذا الحضارة، ظلت ماثلة في كِيان المجتمع الإسلامي في إبَّان عصره الأول والوسيط، ولا تزال ماثلة في عصره الحديث بدرجة متفاوتة، لكنها موجودة وكاملة على مستوى التنظير على الأقل.
وأيضًا - وبنفس المستوى - ظل الإنسان المسلم هو المترجم الحقيقي - في مجال التنظير والتطبيق - لمنهج هذه الحضارة، وظل العمود الفقري الذي تعتمد عليه الحضارة الإسلامية وهي تقوم بدورها في التاريخ.
إن هذا الإنسان المسلم أو بالتعبير الذي أحسن استخدامَه الشاعر المفكر المسلم محمد إقبال: "الذات التي حملت أمانة تجسيد الحضارة الإسلامية في كل جزيئات فكره وسلوكه"، كان حقًّا خليفة الله في الأرض، يحمل إلى البشرية الأمانة التي حملها الإنسان، وكان هذا الإنسان النموذج الحضاري الذي تتحقَّق فيه الشروط الكاملة للقيام بالدور الحضاري.
وهي في رأي محمد إقبال ثمانية شروط:
1- الإرشاد على خطى قيادة ملهَمة (النبوة).
2- وعلى اعتبار روحي (التوحيد).
3- وعلى دستور (القرآن).
4- وعلى مركز محسوس: (الحرم).
5- وعلى هدف واضح تقرِّه الجماعة.
6- وتكون له السيادة على قوى الطبيعة.
7- وأن تطور ذاته في اتجاه الذات الكلية الجامعة.
8- وأن يحتفظ للأمومة بحقها، (ولعله يقصد دور المرأة عمومًا وذكر الأمومة؛ لأنها أشرف أدوار المرأة).
ومن الضروري لهذه الذات أن تتصادَم بالعوامل الخارجية (التحدي)؛ حتى تظهر قوتها وحيويَّتها، وعبقريَّتها وقدرتها على المقاومة والنمو، وفي قصيدته "دور الإنسان في التاريخ" يبرز "إقبال" هذا الدور الخطير عبر محاورته "الداخلية".
التي يحاور فيها الإنسان خالقه وخالق الكون:
أنت خلقت الليل... وأنا صنَعت المصباح.
أنت خلَقت الصَّلصال... وأنا صنعت الكوب.
أنت خلقت الصحاري والجبال والغابات...
وأنا صنعت البساتين والحدائق والأرائك...
أنا الذي صنعت المرآة من الحجر...
وأنا الذي حولت السمَّ إلى شرابٍ نافع...
هذه هي "الذات المسلمة" التي صنَعت الحضارة الإسلامية، والتي أدَّت دور خليفة الله في الأرض.
الهبوط التاريخي
حين أصبح الإسلام "جباية" لا "هداية"، سقَطت إرادة المسلم الاجتماعية، وحين استأثر "بيت المال" أسرة أو جماعة، سقَطت إرادة المسلم الاقتصادية، وتنازَع المسلمون فيما بينهم، فسقَطت عوامل كثيرة من عوامل شعورهم الواحد، وقبل كل ذلك كانت الذات المسلمة تَفقد أجزاءً من ذاتها، فتتفاعل مع عوامل الهدم الخارجية، وكانت أزمتها الكبرى في داخلها، فلم تستطع مقاومة "التحدِّيات الجديدة"...
وبين الحين والحين كانت تلك الذات المسلمة تَثور على عوامل ضَعفها؛ لتعود نقيَّة فتيَّة كما حدَث أيام عمر بن عبدالعزيز، وأيام المرابطين والموحدين والسلاجقة، وفي بعض دول الهند الإسلامية، وأيام صلاح الدين، وفي أيام المماليك، ومع كثيرٍ من خلفاء آل عثمان، وفي العصر الحديث...
إغفال دور السنة
وكان من أخطر ما وقَع من تشقيقٍ وتمزيقٍ في حضارتنا الإسلامية الحديثة، أن دور "السنة" - وهي النموذج الحي الذي قدَّمه الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً، أو فعلاً، أو تقريرًا - قد أُغفِل في العصر الحديث وفي كثير من عصور التدهور.
وبما أنَّ السنة مكمِّلة للقرآن وشارحة له، بل هي الدليل العملي على إمكانية تطبيق مبادئه، والعملُ بها هو عملٌ على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدُّمه، كما أنَّ هدمها هدمٌ للهيكل الذي قام عليه صرْح الإسلام، وبالتالي فإن الذين يقولون بترْك السنة يُشبهون رجلاً يريد أن يدخل قصرًا، ولكنه لا يريد أن يستعمل المفتاح الأصلي الذي يستطيع به وحده أن يفتح الباب.
بالإضافة إلى هذا، فإنه في هذه الأيام التي زاد فيها نفوذ المدنية الغربية في البلاد الإسلامية، فإن ترْك نموذج الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي هو "أسوة" حضارتنا وإمامها، إنما يعني التخلي عن حضارتنا الإسلامية، وقَبولَ النماذج التي تقدمها هذه الحضارة الغربية، ولعل هذا ما يسعى إليه المتجرئون على سُنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولكن إذا كنا نحن مسلمين حقًّا، نعتقد أن نبيَّنا أحسن قائد عرَفه البشر، وأنه - بطبيعة الحال - كان يعرف أمر الدين بناحيتيه الروحية والاجتماعية، فإن علينا أن نَلتزم بهذه السنة، ولا سيما وأن مصادرها الصحيحة قد ثبتَت بطريقة نقدية تاريخية علميَّة تَفوق أي مصادر تاريخية في الأرض، والشك فيها يَستوجب الشك في التاريخ البشري كله، بل إن ثبوتها يفوق - أمام مجيء المنهج التاريخي النقدي - ثبوت ما عداها من كُتب الأديان الأخرى.
وبصفة عامة، فإن هناك عدة أسباب تُوجب إقامة السنة في حياتنا، وإحياءَها في مجتمعاتنا، باعتبارها أقصر طريق لإحياء حضارتنا الإسلامية، وأبرز هذه الأسباب:
• إن السنة تقوم بتمرين المسلم بطريق منظمة على أن يحيا دائمًا في حال من الوعي الداخلي واليقظة الشديدة وضبْط النفس؛ لأن الأعمال والعادات التي تقع عفوًا لساعة، تقوم في طريق التقدم الروحي للإنسان، وكأنها حجارة عثرة في طريق الجياد المتسابقة.
• إن الرجل الذي جاء بالسنة ليس هاديًا من الهداة، وإنما هو وحده "الهادي"، فاتِّباعه اتباعٌ للإسلام عينه، واطِّراح سنته اطِّراحٌ لحقيقة الإسلام.
• إن تطبيق السنة تَنفض عنا رُوح الاستسلام والتبرير في قَبول الصياغة الغربية للحياة، وبالتزامنا بها واتخاذنا إياها الكلمة الفصلَ، نستطيع بسهولة أن نَعرف البواعث والآفات التي ترد علينا من المدنية الغربية.
ثم إننا نكون - في ذات الوقت - قد طبَّقنا القرآن نفسه، ألم يكن خلُقه - صلى الله عليه وسلم - القرآن؛ كما ورَد في الأثر؟ وألَم يأمرنا القرآن نفسه بطاعته: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر:7)؟
فهل لدينا الصلاحية لكي نَقبل نصف الإسلام ونَرفض نصفه الآخر، أو نُؤمن ببعض آيات القرآن ونكفر ببعض؟!
المسلم يفقد دوره الكوني
عندما فقَد المسلم صِلته بروح الإسلام وبحياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذهَب يهبِط في سُلَّم الحضارة، فكان أن فقَد قدرته على الالتزام والانضباط، وكانت هذه هي الفرصة السانحة؛ لكي تنتشر بين أفراده ألوان من "التواكُلية" و"السذاجة" و"القدرية"، والبعد عن استيعاب سنن الله الكونية وسُنن الله في الاجتماع البشري، وقوانينه في التقدم والتخلف.
إن المسلم الذي ارتبَط في مرحلة نُضجه الحضاري بالصلوات الخمس في مواقيتها المرتبطة بالحركة الكونية، وعرَف "مواقيت الصلاة" سلوكًا دينيًّا، ونظامًا دنيويًّا، وتعبَّد بقول القرآن: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾(النساء:103)، كما أدَّى الزكاة مع حلول "الحول"، وأيضًا: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾(الأنعام:141)، هذا المسلم الذي ارتبط بالكون والزمان هذا الارتباط الالتزامي الكريمَ، ونهاه دينه عن أن يسبَّ الدهر، بل علَّمه القرآن أن لهذا الكون "غائية" مرتبطة بـ"سببية" قوية: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار ﴾(آل عمران:190-191)، وعندما يخرج الإسلام بالعبادة عن إطار الشعائر المحددة، ويوسِّع آفاقها، بحيث يجعلها سُنة كونية عامة: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾(الذاريات:56)، فإنه إنما يقصد ربْط المسلم بالحركة الكونية العامة في كل حركاته وأنشطته؛ لكي يؤدي الأمانة التي حمَلها تُجاه الكون كله.
ولعلنا الآن نستطيع أن نُدرك معنى الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾(الفرقان:62)، فإن التفسير الدقيق لتعاقب الزمان - كما يتجلى في أنفسنا - يؤدي بنا إلى فكرة عن الحقيقة القصوى، هي أنها "ديمومة بحتة"، يتداخل فيها الفكر والوجود والغاية لتؤلف جميعًا وَحدة متكاملة.
لكن المسلم في مراحل انزلاقه، قد انفكَّ ارتباطه بالسُّنن الكونية والاجتماعية، وسَرعان ما وجَد أشباه فلاسفة يقدمون له التبريرات المطلوبة لفكِّ ارتباطه بالحركة الكونية، وللسير اعتباطًا على أرض التاريخ، فهو يتحرك دون وعي مُسبق، وهو يتحرك غريزيًّا، وهو لا يعرف لحياته أهدافًا، وهو مقطوع الصلة بالكون وما تَستتبعه هذه الصلة من آفاق "معرفية" وآفاق "جمالية"، وحركة "إيجابية"، وسباق بنَّاء مع تعاقُب الليل والنهار ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ ﴾.
أجَل، إن السببية روح التاريخ، وإلا فماذا وراء هذه الحركة المكرورة في الكون - شمس وقمر، وليل ونهار: ﴿ لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾(يس:40)؟ هل هي قصة عبَثية؟!
وما في الكون موجود - بنموذجه - في المجتمع البشري، فماذا يمكن أن يكون وراء آلاف المعارك البشرية وصور تدمير المدن، وقيام أُمم وسقوط أخرى...
لا بد لهذه الأحداث المكرورة من أسباب وغايات، ولقد قدَّم القرآن للإنسان المسلم أسبابًا هنا وغايات هناك، ارتبَط بها المسلم يوم حدَّد لنفسه دورًا في هذه الحركة، يوم ساح المسلم في الأرض يَحمل راية التغيير الإنسانية الشاملة: "الله ابتعَثنا لنُخرج مَن شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده"؛ كما قال رِبعي بن عامر أمام رستم، بينما كان رستم قائدًا للفرس، وكان ربعي كأنه عاري الجسم حافي القَدمين، لكنه كان "الإنسان الأعلى" الذي جاء لإحداث الانسجام بين الحركة الكونية والحركة البشرية.
وفي مراحل الانزلاق فقدَ المسلم هذا الدور الكوني، بل لقد فقَد الإحساس بالسنن الكونية، وإن الزمان ليتحرَّك أمامه في تغييره ونظام انسجامه، فيبدو له وكأنه يتحرك في "شاشة مرئية" أمامه، أو كأن الزمان مجرد "تمثيلية" مكتوبة بلغة أجنبية لا يعرفها المسلم الحديث، فلا يَعنيه منها إلا الصور البَلهاء التي تَجعله يَبتسم كالمبتسمين دون وعي، وقد يبكي أيضًا دون وعي بالأسباب التي تُبكيه.
وضاعت روح المسلم
يقول أبو الحسن الندوي:
"إنكم ترون في المتاحف كل نوع من السباع والأنعام، والطيور الجميلة والعصافير، ففيها الأسود والذئاب والأفيال، وفيها كل طائر جارح، وكل سبع مُخيف؛ ولكنها جثة هامدة لا حَراك فيها، وأجماد ميتة مَحشوَّة بالليف والقطن، ليس فيها رَمقٌ من حياة، وقوة تَهجُم بها وتصول (...).
إن الصورة لا تستطيع أن تسدَّ مكان الحقيقة وتنوب عنها، ولا يمكنها أن تُمثل دور الحقيقة في الحياة، وتأتي بما تأتي به من عمل ونشاطٍ، ولا يمكن أن تُقاوم الحقيقة وتُكافحها، فإذا وقَع صراع بينهما انهارَت الصورة (...)، والصورة - ولو كانت مهيبة هائلة - تتغلب عليها الحقيقة، ولو كانت ضعيفة متواضعة؛ لأن الحقيقة الحقيرة أقدرُ وأقوى من الصورة العظيمة المهيبة، وإن الطفل يقدر أن يسقط الأسد الميت المحشو بالليف والقطن بيده الضعيفة الناحلة؛ لأن الولد يحمل حقيقة - ولو حقيقة صغيرة - والأسد ليس إلا صورة ولو كانت صورة مهيبة (...)؛ ولذلك نرى بأعيننا أن "صورة الإسلام" أصبحت لا تغلب على "الحقائق" المادية الحقيرة، ونحن نحتاج اليوم إلى حقيقة الإسلام والإيمان للظفر على الحقائق المبثوثة في العالم".
نعم، إن أكبر مهمة دينية في هذا العصر وأعظم خدمة وأجلَّها للأمة الإسلامية، هو دعوة السواد الأعظم للأمة وأغلبيتها الساحقة - إلى الانتقال من صورة الإسلام إلى حقيقة الإسلام، لكننا نعتقد أن هذه الدعوة تحتاج إلى "برنامج" يسمح للمسلم بأن يتجاوز تلك العَقبات التي تَحجز بينه وبين أن يتمثَّل الحقيقة الإسلامية.
وهذا البرنامج لا بد له أن يتَّكئ على دعامتين أساسيتين:
• دعامة تفريغ المسلم من الجاهليات التي اندمَجت في لحمه ودمه، واتجاهه في التفكير، بل في عواطفه ومشاعره، وأصبحت وكأنها بعضه الذي لا ينفصل عنه إلا بعملية تفريغٍ.
• ودعامة ملء هذا المسلم بالإسلام الصحيح الحي الذي يَملأ عليه دنياه ويَصوغ له حياته، ويغني كل طاقاته عن البدائل المطروحة في ساحة الأفكار والفنون والآداب، والتصورات الأخلاقية والكونية والجمالية.
وليس من شكٍّ أن المسلم في العصر الحديث يقف على مُفترق طرق؛ حيث تتخايَل أمام عينه وقلبه آراءٌ وتيَّارات ذات مضامين خلاَّبة، وذات بريق ساحرٍ، وأنه لن يستطيع طويلاً أن يظلَّ هكذا مائلاً هناك تارة، ومائلاً هنا تارة أخرى، كما أنه لا يستطيع أن يظل هكذا مسلمًا بلا إسلام، أو شكلاً بلا مضمون؛ "لقد انقضى نومه السحري الذي دام أجيالاً، فيجب أن ينهض أو يموت"، "وإن المشكلة التي تواجه المسلم اليوم هي مشكلة مسافر وصَل إلى مُفترق الطرق، إنه يستطيع أن يظلَّ واقفًا مكانه، ولكن هذا يعني أنه سيموت جوعًا، وهو يستطيع أن يختار الطريق التي تَحمل فوقها هذا العنوان "نحو المدنية الغربية"، ولكنه حينئذ يجب أن يودِّع ماضيه إلى الأبد، أو أنه يستطيع أن يختار الطريق التي كتب عليها "إلى حقيقة الإسلام"، لكنه في هذه الحال لا بد أن يعود إلى روح الإسلام الحية الفاعلة الإيجابية، وأن يَترك للإسلام فرصة الاستيلاء على كِيانه كله، وإلا فإنه لا زال واقفًا في منتصف الطريق.
وإن نقطة الإعجاز في الحضارة الإسلامية أنها استطاعت - مع طبيعتها هذه - أن تمشي في التاريخ، وأن تقدِّم صورًا من الإبداع الحضاري المادي، لا تقل عن أي حضارة أخرى سبَقتها، أما عطاؤها في "الإنسانيات"، فهو فريد في الحضارات كلها.
ولا تزال هذه الحضارة وستظل قادرة على أن تعطي، ولعل ما يجري على الساحة العالمية الآن من بوادر الانبعاث، أكبرُ دليل على القدرة الذاتية لهذه الحضارة الفريدة في التاريخ.
المصادر:
(1) دارسات في الحضارة الإسلامية؛ للدكتور أحمد إبراهيم الشريف، طبعة مصر.
(2) الإسلام على مفترق الطرق؛ لمحمد أسد.
(2) تجديد الفكر الديني؛ لمحمد إقبال.

اكتب تعليق

أحدث أقدم