رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن ديناميكية البعد المكانى



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الرئيس التنفيذي لجامعة بيرشام الدولية بأسبانيا
مما لاشك فيه أن البعد المكاني يحتل المرتبة الثانية في الحياة الإنسانية وأحداثها، وكان للآيات القرآنية، عناية خاصة بهذا البعد، حيث ينقلك القرآن بين مختلف الأمكنة وكأنها مكان واحد، كما ينقلك بين مختلف الأزمنة وكأنها زمان واحد، ومن ثم فهو يتحرك ضمن الأحداث الماضية والمستقبلية والأماكن المختلفة في شتى بقاع الأرض وفي جميع أجرام الكون في آن واحد، كما لو كانت الأحداث جميعا تجري أمامك على خشبة المسرح، فهو ينقل لك الزمان والمكان ليجعلهما وحدة واحدة ضمن ديناميكية عجيبة لم تجتمع لكتاب غير القرآن الكريم، ونستطيع أن نلمس في هذا المبحث من الحقائق ما يلي:
أولا: ما جاء ذكره من الأجرام العلوية
الأجرام العلوية النيرة التي يراها الإنسان آية من آيات الله سبحانه، وقد ذكر الله تعالى من أجرام السماء: الشمس والقمر، قال تعالى: ﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ [الرحمن: 5]، وذكر الطارق وهو النجم الذي يطرق بالليل، قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴾ [الطارق: 1-3]، وذكر الشعرى وهي نجم كان يعبده قوم من العرب، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ﴾، [النجم: 49]. كما ذكر النجوم عامة قال تعالى: ﴿ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِه ﴾ [الأعراف: من الآية54]. وذكر الكواكب، قال تعالى: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴾ [الصافات: 6]. وذكر البروج وهي: [القصور، الواحد منها برج، وبه سمي بروج النجوم لمنازلها المختصة بها] [1]، قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾ [البروج: 1].
ثانيا: المذكور من البلاد والبقاع والأمكنة والجبال
اقتضت حكمة الله عز وجل أن يذكر أسماء بعض البلاد والبقاع والأمكنة والجبال في كتابه العزيز، وسنوجز ذكرها:
1- مكة، وتسمى أيضا: بكة، وأم القرى، والبلد الأمين، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ [الفتح: من الآية 24]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 96]. وقال تعالى: ﴿ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ [الأنعام: من الآية 92]. قال تعالى: ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾ [التين: 3].
2- المدينة، وكانت تسمى بيثرب، قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ [التوبة: من الآية 120]. وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ﴾ [الأحزاب: من الآية 13].
3- بدر، وهي قرية قرب المدينة، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [آل عمران: 123].
4- أحد، قال تعالى: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ﴾ [آل عمران: من الآية 153]. وفي قراءة شاذة: [عن أحد].
5- حنين: قرية قرب الطائف، قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾ [التوبة: من الآية 25].
6- جمع: مزدلفة، قال تعالى: ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ﴾ [العاديات: 5]، والمشعر الحرام وهو جبل بها، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: من الآية 198].
7- ونقع: قيل هو اسم لما بين عرفات إلى مزدلفة، قال تعالى: ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ﴾ [العاديات: 4].
8- مصر، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ [يوسف: 99].
9- بابل، بلد بسواد العراق. قال تعالى: ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾ [البقرة: من الآية 102].
10- الأيكة: بلد قوم شعيب. قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ﴾ [الحجر: 78].
11- مدين، قال تعالى: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ [لأعراف: من الآية 85].
12- الحجر: منازل ثمود ناحية الشام عند وادي القرى. قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الحجر: 80].
13- الأحقاف: جبال الرمل بين عمان وحضرموت. قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ ﴾ [الأحقاف: من الآية 21].
14- طور سيناء: الجبل الذي نودي به موسى. قال تعالى: ﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ﴾ [المؤمنون: 20].
15- الجودي: جبل بالجزيرة. قال تعالى: ﴿ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِي ﴾ [هود: من الآية 44].
16- طوى: اسم الوادي. قال تعالى: ﴿ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ﴾ [طـه: 12].
17- الكهف: هو البيت المنقور في الجبل. قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ﴾ [الكهف: 9].
18- الرقيم: واد بين عقبان وأيلة دون فلسطين كما قال ابن عباس.
19- العرم: اسم الوادي، قال تعالى: ﴿ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ﴾ [سـبأ: من الآية16].
20- حرد: اسم القرية كما ذكر السدي، قال تعالى: ﴿ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾ [القلم: 25].
21- ق: اسم جبل محيط بالأرض[2]، قال تعالى: ﴿ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴾ [قّ: 1].
22- الجرز: اسم أرض. قال تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾ [الكهف: 8].
23- الطاغية: قيل اسم البقعة التي أهلكت بها ثمود. قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ﴾ [الحاقة: 5] [3].
24- وفيه أيضا من المواضع دون تحديد: مطلع الشمس، قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً ﴾ [الكهف: 90].
25- وفيه أيضا ذكر لمغرب الشمس، قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ [الكهف: من الآية 86].
26- وذكر أيضا: بين السدين، قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ [الكهف: 93].
27- وذكر أيضا: مجمع البحرين: قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ﴾ [الكهف: 60].
28- وذكر المسجد الأقصى وما حوله، قال تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1].
29- وذكر الغار الذي يقع في جبل ثور بمكة، قال تعالى: ﴿ إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: من الآية 40].
30- وذكر عرفات في قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: من الآية 198].
31- ذكر الصفا والمرة في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: من الآية 158].
وهذه الأماكن المذكورة منها لما هو في داخل جزيرة العرب ومنها ما هو في خارجها، ومنها ما هو موقع قبلة أو معركة أو عذاب أو قوم أو بلد، ومنها ما هو محدد كالكهف أو غير محدد كمطلع الشمس ومغربها، وهكذا فلا نكاد نجد شيئا من الأماكن إلا وله ذكر في القرآن، فكأنه قد ذكرها جميعا.
ثالثا: ما تكرر ذكره من الأماكن
من الأماكن ما ذكر أكثر من مرة في القرآن الكريم، وذلك مما تقتضيه أغراض القرآن أو سياق الموضوع الذي يتناوله، فمن ذلك على سبيل المثال: السماء [120] مرة، السماوات بالجمع: [190] مرة، الأرض: [461] مرة، الشمس: [33] مرة، القمر: [27] مرة، نجم [13]، كوكب [5] مرات، بحر ومشتقاتها [41] مرة، نهر ومشتقاتها [54] مرة، ساحل: مرة واحدة، شاطئ: مرة واحدة، جبال [39] مرة، واد [10] مرات، بلد ومشتقاتها: [19] مرة، قرية ومشتقاتها: [56] مرة، مدينة: [14] مرة، مدائن [3] مرات، مدين [10] مرات، مصر [5] مرات، مكة مرة واحدة، بكة مرة واحدة، ومن أسماء المغيبات: جنة ومشتقاتها [150] مرة، جهنم [77] مرة، النار [145] مرة] [4].
رابعا: ما نسب في القرآن إلى الأماكن
وقعت النسبة إلى المكان في القرآن خمسة مرات، وقد ذكرها السيوطي فقال: [وفيه من المنسوب إلى الأماكن: الأمي: قيل إنه نسبة إلى أم القرى، وعبقري: قيل إنه منسوب إلى عبقر، موضع للجن ينسب إليه كل نادر، والسامري: قيل منسوب إلى أرض يقال لها سامرون، والعربي: قيل منسوب إلى عربة، وهي باحة دار إسماعيل عليه السلام][5].
خامسا: ما أقسم الله به من الأماكن
نظرا لشرف المكان وأهميته فقد أقسم الله به، فمن ذلك قسمه بالشمس وهي جرم والضحى وهو زمن ناتج من فعلها، قال تعالى: [﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾] [الشمس: 1]، ثم قسمه بالقمر، قال تعالى: ﴿ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ﴾ [الشمس: 2]، ثم قسمه بالسماء وذاته العلية التي بنت السماء، قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾ [الشمس: 5]، ثم قسمه بالأرض وذاته التي مهدتها، قال تعالى: ﴿ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴾ [الشمس: 6]. كما أقسم ببعض النجوم، من ذلك الطارق الذي يطلع ليلا، قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾ [الطارق: 1]، وقسمه بالنجم الذي ينقض ويهوي، قال تعالى: ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾ [النجم: 1]، كما أقسم قسما عظيما بمواقع النجوم في السماء، قال تعالى: [﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾] [الواقعة: 75-76]، كما أقسم ببيت المقدس وما حوله من شجر التين والزيتون، قال تعالى: [وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ] [التين: 1]، وأقسم بطور سيناء، قال تعالى: ﴿ وَطُورِ سِينِينَ ﴾ [التين: 2]. وأقسم بمكة، قال تعالى: ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾ [التين: 3]، وقال: ﴿ لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾ [البلد: 1].
وأقسم قسما جامعا بما تمتد إليه عين الإنسان من مكان وما يحتويه ذلك المكان، قال تعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لا تُبْصِرُونَ ﴾ [الحاقة: 38-39]. والقسم بالمكان دليل على حرمته وأهميته وشرفه، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس للعباد إلا أن يقسموا به وحده لأنه خالق الحدث والزمان والمكان وهو السميع العليم.
سادسا: ما ورد فيه من أسماء الأماكن الأخروية:
تقتضي عملية التربية الإيمانية ذكر الترغيب والترهيب بشكل متكرر في القرآن الكريم ولكن بأساليب مختلفة حتى لا يقع السأم لدى القارئ، وهذا من مزايا القرآن الكريم وحيويته، فذكر الجنة يولد دافعية في نفس المؤمن من أجل العمل والتشمير لها، وذكر النار يولد إحجاما ورهبة تحجز المرء عن فعل المعاصي والآثام، فتجد المؤمن بين رغبة ورهبة، وأمل وخوف، في عملية لا تنتهي مادام مصاحبا للقرآن الكريم، ومن أجل خلق هذه الحيوية في نفس المؤمن ورعايتها عند التلاوة؛ وردت في القرآن الكريم كثير من الأسماء الأخروية التي تشمل الجنة أو النار، وقد جمعها السيوطي فقال: [وفيه من الأسماء الأخروية: الفردوس، وهو أعلى مكان في الجنة، وعليون، قيل هو أعلى مكان في الجنة، وقيل: اسم لما دون فيه أعمال صالحي الثقلين. والكوثر، وهو نهر في الجنة. وسلسبيل وتسنيم: عينان في الجنة. وسجين: اسم لمكان أرواح الكفار. وصَعود: جبل في جهنم، كما أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعا. وموبق، وغي، وويل، والسعير، وسائل، وسُحق: أودية في جهنم][6]. وقد فات السيوطي ذكر الأعراف، وهو [سور بين الجنة والنار] [7].
سابعا: استيعاب القرآن للبعد المكاني:
من مزايا القرآن الكريم أنه استوعب جميع الأمكنة التي خلقها الله تعالى، فمنها ما جاء مصرحا به، ومنها ما يدخل ضمن غيره على وجه الإجمال، فلفظ الجبال يعم جميع الجبال عندما تكون [أل] فيها للجنسية، ولفظ البحر يشمل كل بحر، ولفظ الأنهار كذلك، ومن ثم فما من مكان إلا وله ذكر بالتفصيل أو إشارة على وجه الإجمال، فمن ذلك:
1- ذكر كثير من الأماكن التي تتعلق بمكة المكرمة.
2- ذكر كثير من الأماكن التي تتعلق بالكافرين في الجزيرة العربية.
3- ذكر كثير من الأماكن التي تتعلق بالأقوام الكافرين والأنبياء والمرسلين خارج الجزيرة العربية، وبخاصة فلسطين ومصر والشام والعراق.
4- ذكر كثير من الأماكن التي تتعلق بالكرة الأرضية مثل مشرق الشمس ومغربها.
5- ذكر أماكن في الأرض مثل الكهف، ولم يحدد موقعه.
6- ربط بين بعض هذه الأماكن كالسماوات والأرض، والشرق والغرب، كما ربط بين بعض المساجد كما في سورة الإسراء.
7- ذكر كثير من الأماكن الأخروية في دار النعيم ودار الجحيم.
8- أقسم الله تعالى ببعض الأمكنة تنبيها على حرمتها وشرفها.
9- بين أن الأماكن تسجد لله بما فيها من العاقل وغيره، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [النحل: 49]، وقال أيضا: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ [الحج: 18].
10- بين وحدة الزمان والمكان في عملية السجود، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ [الرعد: 15].
ثامنا: حركة المكان والزمان:
تبدو الحركة الكونية في القرآن متميزة عن ما سواها مما قد يرد في أساليب البيان المنثور والمنظوم، وهذا أحد دلائل إعجاز الكتاب الحكيم، ويبدو ذلك خلال تنقله في الحديث بين أماكن متباعدة في وقت واحد، مما يحرك ذهن الإنسان نحو شتى بقاع المعمورة، وأجرام الكون وعالم الغيب كالجنة والنار، فكأنه موجود في كل مكان.
فمن مشاهد حركته بين مظاهر الكون وأجرامه قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ [الرعد: 15]، هنا استخدم [من] وهي للعقلاء، فكل عاقل يسجد لله هو وظله إن شاء طوعا أو كرها مرتين في الغدو وهو أول النهار والآصال عند الغروب، وفي سياق آخر يستخدم الأداة [ما] المخصصة لغير العاقل، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [النحل: 49]، وفي سياق آخر يستخدم من ثم يعطف عليها غير العاقل والعاقل، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾] [الحج: 18]، فلنا أن نتصور هذا الكون وأجرامه وما فيه من مخلوقات حية تسجد جميعا لله ضمن مشهد متكرر لا ينتهي، ومع هذا السجود المتواصل والمتكرر في الغدو والآصال في كل موقع من مواقع الكون يبدو الكون وكأنه معبد كبير يسبح لله بكل ما فيه، وهي صورة فيها من القداسة والحركة والانسجام والحركة ما يشبع خيال المؤمن ويجعل روحه ترفرف شوقا نحو خالقها الكبير سبحانه وتعالى.
ومن مشاهد ربط حركة الإنسان في هذا الكون بين مكانين متباعدين في وقت قياسي رحلة الإسراء، والربط بينهما في آية واحدة، قال تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1].
ومن مظاهر الربط بين أماكن العبادة والزمان وحركة الإنسان قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ [البقرة: 198].
ومن مظاهر الربط بين الأجرام المتباعدة ذكر السماء مع الأرض في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [البقرة: 33]. ومن ذلك ذكر الشمس مع القمر، قال تعالى: ﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ [الرحمن: 5]. ومن ذلك ذكر السماء مع الأرض في سياق القسم، قال تعالى: ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ [الذريات: 23]، وقد يقسم الله بالسماء والأرض كل على حدة، كما في قوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا، وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴾ [الشمس: 5-6].
ومن مظاهر الربط بين أجزاء الأرض نفسها الربط بين المشرق والمغرب، قال تعالى: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً ﴾ [المزمل: 9]. وهما مشرقان ومغربان بالنسبة للصيف والشتاء أو لمن هم شمال خط الاستواء وجنوبه، أو بالنسبة لمداري الجدي والسرطان، قال تعالى: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ﴾ [الرحمن: 17]. وهي مشارق ومغارب مختلفة باعتبار تغير موقع الشروق ووقته من يوم لآخر، أو من بلد لآخر، فهي تشرق على عدد من البلدان معا وتغرب على عدد آخر معا، ومن ثم فهنالك مشارق كثيرة للأرض ومثلها مغارب، ولذا قال تعالى: ﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ﴾ [الصافات: 5]، وقال أيضا: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ﴾ [المعارج: 40]. وهذا الربط بين أقطار الأرض وأجزائها لا يتهيأ لأحد؛ فالأرض بكل أجزائها وحدة واحدة أمام الله، والبشر كنفس واحدة، ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم مبعوث للعالمين، لذا قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ [الفرقان: 1].
وخلاصة القول هنا إن مراعاة البعد المكاني في القرآن الكريم أمر قائم في كتاب الله تعالى، والتحامه مع البعد الزماني يجعل المؤمن وكأنه قائم في كل مكان وزمان، وهذا بحد ذاته أعظم الأدلة على صلاحية هذا القرآن لكل زمان ومكان.
________________________________________
[1] المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، تحقيق محمد سيد كيلاني، مادة [برج].
[2] انظر: عجائب المخلوقات، للقزويني، [1/276]، دار الفكر، بيروت.
[3] انظر: الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، [2/182-1183].
[4] انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وضعه محمد فؤاد عبد الباقي، المواد: [سمو، أرض، شمس، قمر، نجم، كوب، بحر، نهر، شطأ، سحل، جبل، واد، قرى، مدن، مكة، بكة، جنن، جحم، نار].
[5] الإتقان في علوم القرآن، [2/1183].
[6] معترك الأقران في إعجاز القرآن، صححه أحمد شمس الدين [1/385-386].
[7] المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، تحقيق محمد سيد كيلاني، مادة [عرف].

اكتب تعليق

أحدث أقدم