رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن محاسبة النفس



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الإنسان مِنَّا يحتاجُ بصفةٍ دوريةٍ إلى محاسبةِ نفسِهِ، ومراجعةِ حساباتِهِ؛ ليعلمَ أنَّ كلَّ نَفَسٍ مِن أنفاسِ حياتِه جوهرةٌ نفيسةٌ يُمكنُ أنْ يشترِي بهَا نجاتَهُ في الآخرةِ، ولذا قال سيدُنَا عُمَرُ: «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا؛ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾»(محاسبة النفس لابن أبي الدنيا)، فالذي ضيَّعَ مرحلةً معينةً مِن شبابهِ فيمَا لا طائلَ منه عليه أنْ يستدرَكَ ما بقيَ مِن زمانِه قبلَ أنْ يطويَهُ الموتُ، فيندمَ على ما فرّطَ في حقِّ اللهِ وحقِّ نفسهِ وأهلهِ «ولاتَ ساعةَ مندمٍ»، وبقي وقتُ العرضِ والحسابِ، وليتفكرْ حين يقفُ الإنسانُ أمامَ ربِّه فيسألهُ عن عمرِه، كيف قضاهُ؟ وفيمَ استغلَّهُ؟ وبأيِّ شيءٍ ملأَهُ ؟ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:«لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ» (الترمذي وحسنه) .
لا شكَّ أنَّ محاسبةَ العبدِ لنفسهِ تُعرِّفهُ بنعمِ ربِّه– عزّ وجلَّ- عليه فيشكرَهُ، ويستخدمهَا فيمَا يرضيه، ويحذرَ أسبابَ زوالِهَا قال ربُّنَا: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾، وهذا أدعًى أنْ يتزودَ الإنسانُ في دنياهُ بمَا ينفعُه في آخرتِه، وقد نبَّهَ ربُّنَا عبادَهُ إلى النظرِ بعينِ البصيرةِ لِمَا بعدَ الموتِ، وأنَّ ما يقدمونَهُ سيجدونَهُ عندَهُ في الآخرةِ فقالَ:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» (الحاكم وصححه ووافقه الذهبي)، وقد عدَّ ربُّنَا – عزَّ وجلَّ- محاسبةَ النفسِ مِن صفاتِ عبادِه المتقين فقالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ألَا فليوقنْ العبدُ أنَّ اللهَ مطلعٌ على سرِّه وعلانيتِهِ، وأنَّ أعمالَهُ محصاةٌ إمَّا لهُ أو عليهِ، وأنَّ جوارحَهُ ستشهدُ يومَ القيامةِ بمَا كان منه، وأنَّه محاسبٌ على القليلِ والكثيرِ، أمَّا تركُ محاسبةِ النفسِ فيكْسُل العبدُ عن العملِ، فيضيِّع حقوقَ ربِّهِ، وتمرُّ أيامُ عمرهٍ هباءً منثورًا، ويفتحُ بابًا للشيطانِ ليتسلطَ عليه ويدفعَهُ إلى التسويفِ ويزينَ له الباطلَ ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ .
إنَّ ملاذَ الإنسانِ عندَ نزولِ المحنِ أنْ يحاسبَ نفسَهُ، ويهرعَ إلى خالقهِ، ويكثرَ مِن التضرعِ إليهِ، ويطيلَ الوقوفَ ببابهِ، واللهُ عندَ حسنِ ظنِّ عبدهِ بهِ ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾، ولذا أرشدَ سيدُنَا نوحٌ–عليه السلامُ – قومَهُ إلى ذلك فقال على لسانهِ آمرًا لهم:﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾، وقد أوصَى الزبيرُ بنُ العوامِ ابنَهُ عبدَ اللهِ بقضاءِ دينِهِ وقالَ لهُ: «يَا بُنَيَّ, إِنْ عَجَزْتَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ, قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَتِ , مَنْ مَوْلَاكَ؟ قَالَ: اللَّهُ , قَالَ: وَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ, اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ, فَيَقْضِيهِ»(البخاري)، ولا يستثقلنَّ المسلمُ هذا العلاجَ– الاستغفارَ واللجوءَ إلى ربِّه ومولاه– لكن هذا يحتاجُ إلى يقينٍ وثقةٍ بربِّ العالمين، فهو القادرُ على كلِّ شيءٍ، وها هو رسولُنَا يرشدُ أحدَ أصحابهِ الذي أرهقتْهُ الديونُ إلى أنْ يلزمَ الاستغفارَ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ:«دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ؟، قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ، قَالَ: فَقُلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي»(أبو داود)، فعلينَا ألًّا ننسَى أنْ الذي يُدبرُ الأمرَ هو اللهُ، فلنكلْ أمرَنَا إليهِ، فلهُ الحكمةُ البالغةُ في أقدارِهِ، وتوزيعِ أرزاقِهِ قَالَ ﷺ:«عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (مسلم) .
ولا يتعجلنَّ العبدُ إجابةَ الدعاءِ؛ لأنَّ اللهَ –عزَّ وجلَّ- قال: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، فالعبدُ ستدركهُ رحمةُ اللهِ – فضلًا وكرمًا منه- إمَّا بالاستجابةِ لمطلبهِ، وإمَّا بدفعِ السوءِ عنه، وإمَّا بادخارِه له يوم القيامةِ .
ما أجملَ أنْ يحاسبَ الإنسانُ نفسَهُ تجاهَ الآخرين، فيراعِي مشاعرَهُم وأحاسيسَهُم؛ لأنَّ هذا يزيدُ في الودِّ، ويؤلفُ بينَ القلوبِ، وينشرُ الطمأنينةَ في المجتمعِ، فقد لا ينسَى أحدُنَا وقفةً لشخصٍ راعَى فيهِ مشاعرَهُ، وشاركَهُ أفراحَهُ وأحزانَهُ، فحِينَ «تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرَ، فَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا بِرَسُولِ اللَّهِ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ، حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، لَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ» (البخاري)، ومِمَّا حثَّنَا عليه رسولُنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ نشعرَ بآلامِ الآخرين، وأنْ نسارعَ في قضاءِ مصالحِهِم دونَ أنْ نُعَرِّضَهُم إلى المسألةِ التي تجرحُ مشاعرَهُم وحفظًا لماءِ وجههِم فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ»، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ . (مسلم) .
لقد فرضَ الإسلامُ التكافلَ المجتمعي، وتقديمَ يد العونِ والمساعدةِ، وهذا يستلزمُ التكاتفَ وأنْ نكونَ على قلبِ رجلٍ واحدٍ قال ربُّنَا:﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ وقال ﷺ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»(مسلم)، لكنْ هناكَ بعضُ الخلقِ قد انتكستْ فطرتُهُم، وضاعتْ إنسانيتُهُم، وفقدُوا وطنيتَهُم، فباتُوا لا يشعورُون بِمَن حولَهُم، وصارُوا يستغلُّون حاجةَ الناسِ وقتَ شدتهِم وعوزهِم، فملأَ الجشعُ والطمعُ قلوبَهُم، وحبُّ الذاتِ والتكالبُ على الحطامِ نفوسَهُم، وهم في سبيلِ جشعهِم لا يمانعونَ أنْ يزدادَ مالُهُم مِن قوتِ المساكين وعرقِهِم، فيرتكبونً بعضَ المخالفاتِ والموبقاتِ في التجارةِ وكسبِ المالِ، وهؤلاء نسُوا أنَّ المالَ في ذاتهِ وسيلةٌ إلى الانتفاعِ بهِ، وليس منفعةً بذاتهِ فأنتَ لا تلبسُ الدنانيرَ إذا عريتَ، ولا تأكلُهَا إذا جُعتَ، ولا تقيكَ حرَّ الشمسِ، وبردَ الشتاءِ، ولكنَّها وسيلةٌ إلى تحقيقِ ذلك، وعلى العكسِ فهناك صاحبُ الضميرِ الحيِّ، والإيمانِ القوي، والوطنيةِ الحقيقةِ لا المزيفةِ الذي يسعَى في تحقيقِ مصالحِ الناسِ، ويقدمُ يدَ العونِ لهم، ويسدَّ خُلتِهِمْ، فحقٌّ لهُ أنْ يُحشرَ في أعلَى عليين مع النبيين والصديقين .
إنَّ الاستغلالَ جريمةٌ دينيةٌ واجتماعيةٌ وإنسانيةٌ وثمرةٌ مِن ثمراتِ الانحرافِ عن منهجِ اللهِ تعالى، ألَا فليتبْ فاعلُهُ، ويرجعْ إلى رشدهِ وصوابهِ وإلَّا فقد برئتْ منه ذمةُ اللهِ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ، وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ، وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعٌ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى» (أحمد، وسنده صحيح) بل حُكمَ عليهِ بالطردِ مِن رحمةِ ربِّه، فهو كما لم يرحمْ خلقَهُ ولم يشفقْ عليهم- بل مصَّ دمَّهُم، ومنعَ قوتَهُم- كان عقابُهُ مِن جنسِ عملِه، ودعَا بالبركةِ للذي يقلِّبُ سلعتَهُ، ويبعهَا بالحلالِ دونَ استغلالٍ قَالَ ﷺ:«الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» (ابن ماجه، سنده ضَعِيفٌ)، ولذا شُرعً للمسئولِ- حمايةً للصالحِ العامِ وضبطَ حياةِ الخلقِ- مراقبةُ هؤلاء ومعاقبتُهُم بكلِّ وسيلةٍ يراهَا مناسبةً لردعِ مَن تسولُ لهُ نفسُه الإضرارَ بالمجتمعِ، أو إحداثَ خللٍ داخلَ صفوفِهِ ولا أدلَّ على ذلك مِمّا فعلَهُ سيدُنَا عُمَرُ في عامِ المجاعةِ لَمّا وجدَ أنَّ القحطَ قد اشتدَّ، والطعامَ قد ندرَ، والناسَ متفاوتةَ الأرزاقِ حيثُ صادرَ كثيرًا مِن الطيباتِ وأودعَهَا بيتَ المالِ، وقسمَهَا على الناسِ كلٌّ بقدرِ حاجتهِ – طبقًا لإحصاءاتٍ دقيقةٍ- ولم ينكرْ عليه أحدٌ مِن الصحابةِ فعلَهُ، بل أقرُّوه فيمَا عمل.
لقد كان مِن أخلاقِ الجيلِ الأولِ مِن الصحابةِ الإيثارُ وعدمُ الضنِّ والبخلِ على الآخرين؛ ولذا مدحَهُم اللهُ على ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وانظر في هذا الأنموذجِ الذي قلَّمَا يجودُ الزمانُ بمثلهِ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ، فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:«مَنْ يَضُمُّ- أَوْ يُضِيفُ- هَذَا؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتٌ لِلصِّبْيَانِ، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْلِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْلَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، وَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: لَقَدْ ضَحِكَ اللَّهُ – أَوْ: عَجِبَ – مِنْ فَعَالِكُمَا، فأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾» (البخاري) .
ألَا ما أروعَ أنْ تُنشرَ ثقافةُ الإحساسِ بالغيرِ، ونفعه بأيِّ وسيلةٍ كي يعمَّ الأمنُ، والرخاءُ والاستقرارُ، فالمؤمنُ الحقُّ هو مَن يتحسسُ حالَ الآخرين، ويعرفُ مواطنَ حاجتهِم، ومكمنَ ضعفهِم، وقد بشرَ سيدُنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَن يفعلُ ذلك أنَّ اللهَ سيُخففُ عنه- تكرمًا وتفضلًا منه عزَّ وجلَّ-؛ ليكونَ الجزاءُ مِن جنسِ العملِ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَقِيَ اللهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ» (متفق عليه) . .
ولينظرْ كلُّ واحدٍ منَّا ماذا قدَّمَ لوطنِه، وأعزّ ما يقدمهُ لهُ هو العملُ الجادُ المثمرُ، والتضحيةُ مِن أجلِ تحقيقِ نهضتهِ وازدهارِه كي يصلَ مِن خلالهِ إلى أعلَى درجاتِ الجودةِ، وأرقَى متطلباتِ الإنتاجِ، وأفضلِ حالاتِ الشفافيةِ ولن يتحققَ ذلك إلّا برجالٍ مخلصين قال ربُّنَا: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فعلينا جميعًا مواصلةَ الليلِ والنهار، وأنْ نتحملَ المسؤليةَ كلٌّ في تخصصهِ مِن أجلِ أنْ نرتقِي ببلدِنَا؛ لتكونَ أفضلَ البلادِ، فالشعاراتُ الرنانةُ، والعباراتُ الفضفاضةُ الجوفاءُ لن تُبنَى بها الأممُ، وتَرقى بها الشعوبُ، لكن بالعملِ والبناءِ، وبذلِ الغالِي والنفيسِ تظلُّ رايتُه عاليةً خفاقةً، وقد بشرَ نبيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَن يحرسُ وطنَهُ، ويجودُ بنفسِهِ تجاهَ رفعتهِ فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (سنن الترمذي) .
نسألُ اللهَ أنْ يرزقنَا حسنَ العملِ، وفضلَ القبولِ، إنَّه أكرمُ مسؤولٍ، وأعظمُ مأمولٍ، وأنْ يجعلَ بلدَنَا مِصْرَ سخاءً رخاءً، أمنًا أمانًا، سلمًا سلامًا وسائرَ بلادِ العالمين، ووفقْ ولاةَ أُمورِنَا لِمَا فيهِ نفعُ البلادِ والعبادِ .

اكتب تعليق

أحدث أقدم