رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن طلاقة القدرة الإلهية



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
وردَ لفظُ “القادرِ” “12” مرة، خمسٌ منها بصيغةِ الجمعِ، ووردَ اسمُ اللهِ”القدير” “45” مرة، في سورٍ متعددةٍ مِن القرآنِ الكريمِ، وأمَّا لفظُ “المقتدر” فقد وردَ “أربعَ مراتٍ”، والقديرُ: هو الذي يتولَّى تنفيذَ المقاديرِ، ويخلقُهَا على ما جاءَ في سابقِ التقديرِ على غيرِ مثالٍ سابقٍ قال ربُّنَا: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، ومِن كمالِ قدرتِهِ ونافذِ مشيئتِهِ أنَّه يقلبُ الأضدادَ ويسلبُهَا خصائصَهَا ومؤثراتهَا، كرامةً منه -عزَّ وجلَّ- لبعضِ عبادهِ، وإذا اجتهدَ الإنسانُ بالأعمالِ الصالحةِ فإنَّ ربَّه يسخرُ له المخلوقات، ويغيّرُ أحوالَهَا بقدرتِه، فيجعلُ النافعَ ضارًّا بقدرتِهِ، كما جعلَ الماءَ الذي هو سببُ الحياةِ سببًا لهلاكِ فرعون، وسببًا لنجاةِ موسى في آنٍ واحدٍ في مكانٍ واحدٍ قال ربُّنَا: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾، كما جعلَ – سبحانَه – النارَ بردًا وسلامًا على إبراهيمَ -عليه السلام-﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾
لقد قرنَ اللهُ في كتابِه الكريمِ بينَ سننِهِ في تصريفِ شئونِ كونِهِ، وسننِهِ في تصريفِ شئونِ خلقِهٍ؛ ليربِّي أهلَ الإيمانِ على طلاقَةِ قدرتِه في كونِه وخلقِه، وأنّ القادرَ على تدبيرِ الكونِ بحكمتِه، هو القادرُ على تدبيرِ أمورِ خلقِه بحكمتِه وعدلِه، لذا يجبُ على المؤمنِ أنْ يعتقدَ اعتقادًا جازمًا لا يزعزِعهُ الشكُّ والريبةُ أنَّه لا يقدرُ على العطاءِ إلّا الله، فمهما بلغتْ قدرتُه، وعظمُت أسبابُه يظلُّ مفتقرًا إلى مولاه – تعالى– ولذا حين يتمسكُ الإنسانُ بالأسبابِ، وينسى قدرةَ اللهِ على الإعطاءِ والهبةِ فإنَّه يُتركُ ليتفاعلَ مع الأسبابِ التي اعتقدَ أنَّها قد أعطتْهُ، فيكون مصيرُهُ الهلاكَ والبوارَ والخسرانَ، وقد أعطانَا اللهُ أمثلةً حيةً في كتابِه العزيزِ كقصةِ “أصحابِ الجنتين” ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ والمتدبرُ لحالِ صاحبِ الجنتينِ يراهُ قد زعمَ أنَّ مدارَ التفاضلِ هو الثروةُ والعشيرةُ؛ ولذا بنَى حياتَه على الغرورِ والبطرِ، واعتقادِ الخلودِ، فأنكرَ البعثَ والحسابَ، والثوابَ والعقابَ، بل توهَّمَ أنَّ غنَاه في الدنيَا سيكونُ معَه في الآخرِة، لكنَّ المؤمنَ يردُّ عليه قائلًا: ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ﴾ وهكذَا الإيمانُ الحقُّ يجعلُ صاحبَهُ يعتزُّ بعقيدتِه، ويتجهُ إلى اللهِ وحدَه الذي تعنُو له الجبَاه، ويرجُو منه وحدهُ ما هو خيرٌ، ثم كانت النتيجةُ الحتميةُ لهذا الجاحدُ المغرورُ بنفسهِ وقدرتهِ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾
إنَّ المؤمنَ الحقَّ لا يغترُّ بجاهِه أو مالِه أو قدرتِه، بل يتبرأُ مِن حولِه وقوتِه، ويسألُ اللهَ العونَ في أمورِه؛ فقدرتُه نافذةٌ، ومشيئتُه واقعةٌ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، المؤمنُ إذا حارَ بين أمرينِ لا يدرِي ما الخيرُ له فيهما استخارَ اللهَ، وسألَهُ بقدرتِه وعلمِه أنْ يختارَ له الأحسنَ فقال: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ” (البخاري)، وإذا شكَا وجعًا وألمًا علمَ أنَّ اللهَ قادرٌ على أنْ يُذهبَ وجعَه، وأنْ يُسكنَ ألمَهُ، فيضعُ يدهُ على مكانِ الوجعِ ويقولُ: «بِاسْمِ اللهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» (مسلم)، فالمسلمُ مأمورٌ دائمًا أنْ يتذكرَ قدرةَ اللهِ في كلِّ أحوالِه وشؤونِه، ولذا قالَ نبيُّنَا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأَبِي هُرَيْرَةَ: “أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ, لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ, فيَقُولُ الله: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ” (أحمد)، أمَّا المُنْعَمُ عليه الذي أخذَ ظاهرَ الأشياءِ دونَ حقيقتِهَا وهي طلاقةُ القدرةِ التي أعطَتْ ومنعَتْ، وبسطَتْ وقبضَتْ، فهو أبعدُ عن فقهِ وذوقِ ذلك، وما أصدقَ القائلُ:
وَكَمْ للهِ مِنْ لُطْفٍ خَفِيٍّ … يَدِقُّ خَفَاهُ عَنْ فَهْمِ الذَّكِيِّ
إِذَا ضَاقَتْ بِكَ الأَسْبَابُ يَوْمًا … فَثِقْ بِالْوَاحِدِ الأَحَدِ الْعَلِيِّ
إنَّ بعضَ الذين فاجأَتهُم النعمةُ نظَرُوا إلى البشرِ نظرةَ ازدراءٍ واحتقارٍ، واعتزازٍ بأموالِهم وأولادِهم وصحتِهم، وهؤلاءِ ضربَ اللهُ لهم مثلًا بقارونَ ﴿إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ فنسبَ النعمةَ لنفسِه، ولم ينسبْهَا لربِّه سبحانَه، فكيف كانَت العاقبةُ ؟ ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فلا تظنَّنَّ أنَّ هناكَ فطنةً منكَ وذكاءً، وأنَّ فقركَ غباوة؛ إنمَا الأمرُ يرجعُ إلى حسنِ تدبيرِ الخالقِ–جلَّ وعلَا– فهو يُعطِي لحكمةٍ، ويمنعُ لمنفعةٍ، والكلُّ داخلٌ تحتَ مشيئتِه وإرادتِه ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، فهو المتصرفُ الحقيقيُّ في هذا الكونِ، وهو المهيمنُ عليهِ، وتعطيكَ السنةُ درسًا عمليًّا في طلاقةِ القدرةِ توضأَ النبيُّ – صلَّي اللهَ عليه وسلَّم- في الحديبيَّةِ مِن إناءٍ، فجهشَ الناسُ مِن شدةِ العطشِ، فماذا فعلَ اللهُ لإرواءِ رسولهِ والمؤمنينَ معه؟ عن جابرٍ قال: «عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَالنَّبِيُّ – صلّى اللهُ عليه وسلم- بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ فَتَوَضَّأ، فَجَهِشَ النَّاسُ نَحْوَهُ، فَقال: مَا لَكُمْ؟ قالوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأ وَلا نَشْرَبُ إِلا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرِّكْوَةِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أصَابِعِهِ كَأمْثَالِ الْعُيُونِ، فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا، قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قال: “لَوْ كُنَّا مِائَةَ ألْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً» (متفق عليه) فمتى نستفيدُ مِن قدرةِ اللهِ؟ ومتى نستفيدُ مِن خزائِنِه؟!
(2) سعةُ طلاقَةِ القدرةِ في العطاءِ والمنعِ:
*طلاقةُ القدرةِ في الإنجابِ، وهبةِ الولدِ: لقد أسندَ ربُّنَا – عزَّ وجلَّ – في كتابِه الحكيمِ هبةَ الولدِ إلى طلاقةِ قدرتِه حتى لا يقنَطُ الإنسانُ من رحمةِ ربِّه وكرمهِ فقال: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾، وفي قصةِ زكريَّا –عليه السلام– عندما صارَ شيخًا كبيرًا، وامرأتَهُ عاقرًا أي أنَّ الأسبابَ إذا طبقنَاها هنا لا يمكنُ أنْ تُؤدي إلى نتيجةٍ إيجابيةٍ، فلمَّا سألَ ربَّهُ عن ذلكَ ردَّ سبحانَه ذلك إلى طلاقةِ قدرتهِ فقال:﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾، فإذا كانتْ قدرتِي أنْ أُوجِدَ مِن العدمِ أفلا أستطيعُ فعلَ ذلك، وزكريَّا عندمَا كان يدخلُ المحرابَ على مريمَ يجدُ عندَها رزقًا أي فاكهةً في غيرِ أوانِها فيسألُها قائلاً﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ إشارةً إلى أنَّ طلاقَةَ القدرةِ التي لا يستعصِي عليها شيءٌ، هنا توجَّه إلى ربِّه متضرعًا، يلهجُ لسانُه بالثناءِ عليه رجاءَ أنْ يرزقَهُ الولدَ فأجابَ اللهُ سُئلَهُ، ولم يخيبْ رجاءَهُ ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾، فيا مَن أعيتْكَ الحيلُ، وأتعبتْكَ السبلُ، إقرعْ بابَ مولاكَ، وثقْ بهِ، وخذْ بالسببِ، وتوكَّل عليهِ، ولله در القائل:
إِنَّ الأُمُورَ إِذَا مَا اللهُ يَسَّرَهَا … أَتَتْكَ مِنْ حَيْثُ لا تَرْجُو وَتَحْتَسِب
وَكُلُّ مَا لَمْ يُقَدِّرَهُ الإِلَهُ فَمَا … يُفِيدُ حِرْصُ الْفَتَى فِيهِ وَلا النَّصَبُ
ثِقْ بِالإِلَهِ وَلا تَرْكَنُ إِلَى أَحَدٍ … فَاللهُ أَكْرَمُ مَنْ يُرْجَ وَيُرْتَقَبُ
*طلاقةُ القدرةِ في الرزقِ: إنَّ اللهَ خلقَ ما في الأرضِ، وخلقَ لها الأسبابَ التي تتفاعلُ بها، والقوانينَ التي تحكمهَا، وربُّنَا – سبحانَه- لو قضَى بالأسبابِ وحدَهَا لعبدَ الناسُ الأسبابَ، ونسوا المُسبِّب، لذلك بقيتْ طلاقةُ القدرةِ لتلفَّت الناس إلى أنَّ الذي خلقَ الأسبابَ لا تقيدُه هذه الأسباب، فهو يفعلُ ما يشاءُ وقتما يريدُ، فنجدُ إنسانًا يعملُ قليلًا ورزقُه وفيرٌ، وآخرُ ضعيفًا ينتصرُ بقدرةِ اللهِ على قويِّ هضمَ حقَّهُ، فطلاقَةُ القدرةِ تأتيَ بشكلٍ ظاهرٍ؛ لتلفتَ الناس إلى قوةِ الخالقِ وعظمتِه قال ربُّنَا: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، وتأملْ قصةَ “أصحابِ الجنةِ” حيثُ تركَ لهم أبوهُم بستانًا، وكان يتصدقُ بالفاضلِ منهُ، فلما ماتَ وورثَهُ أولادُه، قالوا لو أنا منعنَاهم لكان خيرًا، فلمَّا عزمُوا على ذلكَ عوقِبُوا بنقيضِ قصدِهم؛ – إذ جهلُوا أنَّ طلاقةَ القدرةِ هي التي تهبُ ذلكَ أو تمنعهُ- حيث أذهبَ اللهُ ما بأيدِيهم بالكلية: أذهبَ رأسَ المالِ والربح، فلم يبقَ لهم شيءٌ، واستمعْ إلى هذا الحوارِ الذي يجسدُ المشهدَ في صورةٍ حيّةٍ كأنَّه واقعٌ: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ* وَلا يَسْتَثْنُونَ* فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ* فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ* أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ* أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾، أفلا تكونُ تلكَ القصةُ عبرةً لِمَن تسوِّلُ له نفسُه أكلَ الحرامِ، ويجمعُ تبريراتٍ واهية، وحججًا هشَّةً باليةً، قوامُهَا البحثُ عن تأمينِ مستقبلٍ مشرقٍ للأبناءِ، وكأنَّه لم يسمعْ قولَهُ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، ولذا كانَ صلاحُ الآباءِ حائطَ سندٍ منيعٍ أمامَ هؤلاءِ الفتيةِ الذي غرتْهُم الحياةُ لكن سرعانَ ما رجعُوا إلى رشدِهم ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ* قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ* فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ * قالُوا يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ *عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾، وهذا الصلاحُ أيضًا هو الذي سخرَ الخَضِرَ وموسى –عليهما السلام– كي يبنيَا للغلامينِ اليتيمينِ الجدارَ الذي يحفظُ كنزَهُمَا- حتى يكبرَا- مِن أنْ تمتَدَّ إليه آيادِي المعتدينَ، وعبثِ العابثينَ، فلا نمنعُ فضلَنَا ونصحَنَا عن الآخرينَ، ولذا حذرَ رسولُنَا – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – من داءِ الحرصِ والبخلِ، والركونِ إلى الدنيَا، والحرصِ عليها فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ:«إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا»
ألا فليحسنْ العبدُ الظنَّ باللهِ، فهو أقربُ إليه مِن حبلِ الوريدِ، وليعظمْ التوكلَ عليهِ، ويبادرْ بالأخذِ بالأسبابِ، ولا يقعدَنَّ عن طلبِ الرزقِ التي أمرَ الشارعُ بمباشرَتِها قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» (ابن ماجه، صحيح)، أمَّا أنْ ينامَ الإنسانُ وينظرَ فرجَ السماءِ فهذا لا يقبلُه دينٌ ولا عقلٌ، وقد أمرَ اللهُ مريمَ -عليها السلام- على لسانِ ولدِها- بأنْ تهزَّ النخلةَ ليتساقطَ لها الرطبُ، مع قدرتِه- سبحانه- على إنزالِ الرطبِ إليها مِن غيرِ هزٍّ أو تحريكٍ، ورحمَ اللهُ القائلَ:
تَوَكَّلْ عَلَى الرَّحْمَنِ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ … وَلا تَرْغَبَن فِي العَجْزِ يَوْمًا عَنِ الطَّلَبْ
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِمَرْيَمٍ … وَهُزِّي إِلَيْكِ الجِذْعَ يَسَّاقَطِ الرُّطَبْ
وَلَوْ شَاءَ أَنْ تَجْنِيهِ مِنْ غَيْرِ هَزَّةٍ … جَنَتْهُ وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبْ
نسألُ اللهَ أنْ يرزقنَا حسنَ العملِ، وفضلَ القبولِ، إنَّه أكرمُ مسؤولٍ، وأعظمُ مأمولٍ، وأنْ يجعلَ بلدنا مِصْرَ سخاءً رخاءً، أمنًا أمانًا، سلمًا سلامًا وسائرَ بلادِ العالمين، ووفقْ ولاةَ أُمورِنَا لِمَا فيهِ نفعُ البلادِ والعبادِ.

اكتب تعليق

أحدث أقدم