رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن الحب في الله جوهرة ثمينة



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الرئيس التنفيذي لجامعة بيرشام الدولية بأسبانيا
مما لا شك فيه أن الحب في الله جوهرة ثمينة أولاها الله تعالى صفوة أوليائه وخيرة خلصائه، أما أن تجد هذا النوع من الحب في غيرهم فلا، فهذا النوع من الحب لا يكون بين الكفار، ولا بين أهل البدع ، فإن الله تعالى لا يصب ذلك الحب في قلوبهم أبدا، ما بقوا على الكفر، انظر إلى قوله تعالى: فّأّغًرّيًنّا بّيًنّهٍمٍ العّدّاوّةّ وّالًبّغًضّاءّ إلّى يّوًمٌ القٌيّامّةٌ [المائدة:14] وقوله تعالى: تّحًسّبٍهٍمً جّمٌيعْا وّقٍلٍوبٍهٍمً شّتَّى [الحشر:14]
فأينما تجد تجمعا للكفار أو لأهل البدع فلا يغرنك كثرته، ولا يرهبنك أمره، فهو سراب بقيعة، أو ظلمات في بحر لجي، أو رماد اشتدت به الريح، سرعان ما يزول ويتبدد. وأنى لهم المحبة الصادقة؟ ومن يلقيها في قلوبهم؟ فإنها لا تكون لهم من الله تعالى.
حرمان غير المؤمنين من حب الله وحب أوليائه:
وكيف يحبهم الله وقد آذوه وسبوه وكذبوه؟ أنى لليهود بحب الله تعالى؟ وقد قالوا يّدٍ اللهٌ مّغًلٍولّةِ [المائدة:64] وقالوا: إنَّ الله فّقٌيرِ ونّحًنٍ أّغًنٌيّاءٍ [آل عمران:181] وأنى للصليبيين محبة الله تعالى مع قولهم: اتَّخّذّ الرَّحًمّنٍ وّلّدْا [مريم:88] وفي الحديث القدسي الذي رواه البخاري وغيره عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن اتخذ صاحبة أو ولدًا».. فلا يمكن أبدا أن يجتمع في القلب محبة الله تعالى وسبابه والاستهزاء بدينه في آن واحد، ومن ظن ذلك فهو جهمي جاهل لا يدري معنى الإيمان على حقيقته.
ولا يمكن لهؤلاء أن يحبهم الرسل ولا أولياء الله الصالحون؛ لأنهم كذبوهم وآذوهم وعادوا الحق الذي جاءوا به؛ ولذا كان من الضروري الجهر بمعاداة هؤلاء، والتصريح بالبراءة منهم، وعدم موالاتهم، تأسيًا بقول إبراهيم عليه السلام لقومه، والذي زكاه رب العزة سبحانه كما في قوله تعالى: قّدً كّانّتً لّكٍمً أٍسًوّةِ حّسّنّةِ فٌي إبًرّاهٌيمّ وّالَّذٌينّ مّعّهٍ إذً قّالٍوا لٌقّوًمٌهٌمً إنَّا بٍرّآءٍ مٌنكٍمً وّمٌمَّا تّعًبٍدٍونّ مٌن دٍونٌ الللَّهٌ كّفّرًنّا بٌكٍمً وّبّدّا بّيًنّنّا وّبّيًنّكٍمٍ پًعّدّاوّةٍ وّالًبّغًضّاءٍ أّبّدْا حّتَّى تٍؤًمٌنٍوا بٌاللَّهٌ وّحًدّهٍ [الممتحنة:4] وهذا أيضا ينصرف إلى أهل البدع حتى يدعوا بدعتهم، ويهجروا إفكهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: «إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» [متفق عليه] وعلى ذلك جرى عمل السلف الصالح رضي الله عنهم، فهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول ليحيى بن يعمر لما أخبره بقول معبد الجهني: «لا قدر وأن الأمر أنف» يعني: «مستأنف» يشير بذلك إلى تكذيب علم الله الأزلي قال: «أخبر هؤلاء أني بريء منهم وأنهم برآء مني» [متفق عليه].
الحب صفة لله تعالى:
الحب صفة حقيقية ثابتة لله تعالى بدلالة قوله تعالى: إنَّ الله يٍحٌبٍَ التَّوَّابٌينّ وّيٍحٌبٍَ الًمٍتّطّهٌَرٌينّ [البقرة:222] وقوله تعالى: مّن يّرًتّدَّ مٌنكٍمً عّن دٌينٌهٌ فّسّوًفّ يّأًتٌي پالله بٌقّوًمُ يٍحٌبٍَهٍمً وّيٍحٌبٍَونّهٍ [المائدة:54] وقوله تعالى: إنَّ الله يٍحٌبٍَ الذٌينّ يٍقّاتٌلٍونّ فٌي سّبٌيلٌهٌ صّفَْا كّأّنَّهٍم بٍنًيّانِ مَّرًصٍوصِ [الصف:4] وفي السنة عن سلمة بن الأكوع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» [متفق عليه] وفي هذه الدلالات كفاية لٌمّن كّانّ لّهٍ قّلًبِ أّوً أّلًقّى السَّمًعّ وّهٍوّ شّهٌيدِ [ق:37]
وتثبت تلك الصفة عقلا للخالق جل جلاله بثبوت آثارها في المخلوق، إضافة إلى أنها في المخلوق صفة كمال بلا شك، فمن يحب أكمل ممن لا يحب، وكل كمال ثبت للمخلوق فالخالق به أولى[ليس الكلام على إطلاقه صحيح فثمة صفات كمال للمخلوق لا تليق بالخالق عز وجل]. الحب صفة فعلية وتتجدد تلك الصفة في ذات الله تعالى لا عن نقص بل عن كمال، فأصلها موجود، ولكن آثار تلك الصفة يظهر بوجود دواعيها في العبد، فكلما اقترب الإنسان من ربه تعالى بالطاعة كلما نال حب الله تعالى. وهي من هذه الجهة صفة فعلية، قديمة النوع متجددة الآثار، ويظهر ذلك من قوله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه البخاري عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» فالحب متعلق بالتزام الطاعة والمواظبة عليها، كما هو متعلق بتوبة التائب وتطهر المتطهر واعتصام المقاتل مع أخيه في ساحة القتال بالله وابتغاء وجهه فقط، كما هو واضح في الآيات السابقة.
الحب صفة حقيقية وليست المحبة الثواب ولا إرادة الثواب ولا التفضل على الغير والإنعام إليه، كما يقول الأشاعرة والمعتزلة، بل كل هذه آثار من آثار محبة الله تعالى، أما أن الحب صفة حقيقية لا تؤول بالمجاز إلى الثواب أو إرادة الثواب فدليل ذلك أن الله تعالى قال في الحديث القدسي: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه..» [تقدم تخريجه]، والمعنى أن الله تعالى يوفق سمعه وبصره ويؤيد ذلك قوله في الرواية الأخرى: «فبي يبطش وبي يسمع وبي يبصر» فجعل التوفيق لازما من لوازم المحبة وأثرا من آثارها، وليس هو حقيقة المحبة... (ولا مسوغ في هذا الحديث للحلولية لأنه قال في أوله ما تقرب إليَّ عبدي) وكما في الحديث الآخر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه ثم ينادي جبريل في أهل السماء يا أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه ثم يوضع له القبول في الأرض...» [متفق عليه]، فجعل القبول لازما من لوازم المحبة التي اتصف بها. إذن فالمحبة صفة ثابتة لله تعالى، ولا ينبغي أن تنكر أو تؤول؛ لأن الله تعالى يقدر أن يحب حبا يليق بجلاله، فهو على كل شيء قدير فمن أنكر أن الله تعالى يحب فقد أنكر أن الله على كل شيء قدير، فهو يقدر على الفعل في نفسه، ويقدر على الفعل في غيره. وإذا كان حب المخلوقين خفة ورقة في القلب فهذا ليس بمسوغ لإنكار حب الله تعالى للعبد؛ وذلك لأن الله تعالى يحب لا كحب المخلوقين قال تعالى: لّيًسّ كّمٌثًلٌهٌ شّيًءِ وّهٍوّ السَّمٌيعٍ الًبّصٌيرٍ [الشورى:11]، وهذا هو ما كان عليه السلف الصالح، فلم ينكر أحدهم هذه الصفة ولم يؤولها. بل هي صفة كمال في المخلوق، وتحققها في الخالق من باب أولى. ولم يقل أحدهم قول المعتزلة ولا الأشاعرة بالتعطيل ولا بالتأويل، ولم ينقل في كتبهم أنها من المتشابه الذي يوهم كفرا، ولو كان ذلك لما قالوا: «أمروها كما جاءت» فإنهم لا يمررون الكفر، وإنما يمررون الحق الثابت بالمعنى الصادق، ولكنهم يفوضون الكيفية لمن يعلم ذلك وهو الله رب العالمين وحده، بل ولو كان في إثبات صفة المحبة على حقيقتها شيء يشكل في أذهان المخلوقين لما سكت عن ذلك الله تعالى ولا رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وكيف يكون ذلك وفي المسكوت عنه ما يوهم الكفر، كما يزعمون، لا يمكن أبدا. الله تعالى محبوب ومحب صفة الحب لا تفسر بأعظم مما ذُكِرتْ به فالله يحب ويحب كما قال تعالى: وّهٍوّ الغّفٍورٍ الوّدٍودٍ [البروج:14] قال ابن عباس رضي الله عنهما: الودود الذي يحب ويحب. وهذا التأويل موافق لقوله تعالى: فّسّوًفّ يّأًتٌي اللَّهٍ بٌقّوًمُ يٍحٌبٍَهٍمً وّيٍحٌبٍَونّهٍ [المائدة:54] فهنا تبادل في المحبة، وثبت ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» [تقدم تخريجه]، فكان هذا الرجل عليا رضي الله عنه فهو محبوب ومحِبٌّ. وأعظم الغايات أن يحبك الله تعالى بعد أن تحب أنت الله. الله يُحَبُّ لذاته ليس هناك شيء في الوجود يُحَبُّ لذاته إلا الله تعالى، وكل شيء غير الله تعالى إنما يحب بسبب من الله جل جلاله، أما الدليل على أن المؤمنين يحبون الله تعالى لذاته ويعملون لرؤية وجهه الكريم فذلك قوله تعالى: وّالَّذٌينّ آمّنٍوا أّّشّدٍَ حٍبَْا لٌَلَّهٌ [البقرة:165] وقوله تعالى: «وجبت محبتي للمتحابين في» [رواه أحمد وغيره عن معاذ وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم4331]، وقوله: إنَّمّا نٍطًعٌمٍكٍمً لٌوّجًهٌ اللَّهٌ [الإنسان:9] وقوله تعالى: «يترك طعامه وشرابه من أجلي» [متفق عليه]. وقد أشكل على طوائف الصوفية ذلك، وظنوا أن طلب الجنة والهروب من النار يتنافى مع فعل العمل ابتغاء وجه الله تعالى ومنهم من قال: «إذا كان الزاهد يطلب على زهده أجرا فهو لا يستحق مسمى الصوفي»، بل ومنهم من جعله شركا، ولا يزالون يرددون قول رابعة العدوية رحمها الله: إذا كنت أعبدك خوفا من نارك فأدخلنيها وإذا كنت أعبدك طمعا في جنتك فلا تدخلنيها... وهذا القول مردود من ثلاثة أوجه:
وجه: أن تعلق العبد بالعوض والعمل لا يكون مانعا من محبة الله تعالى، بل الله تعالى محبوب على كل حال، فالمرء يعمل عند من يحب ومن لا يحب مع أخذه العوض منه فلا يشترط تعلق المحبة بالعوض. ووجه: أن الجنة تطلب وتحب لأن الله تعالى هو الذي رغب فيها وعظمها، ولولا ذلك ما كان أحد منا يصدق ما ذكر فيها من النعيم والخيرات، والنار كذلك ما كان يرهب منها إلا لأجل أن الله تعالى جعلها عذابه، فلولا الله تعالى ما صدقنا أن هناك نارا يكلم الناس فيها بعضهم بعضا. فتعظيم الجنة وطلبها تعظيم لله تعالى في الحقيقة والخوف من النار والهروب منها خوف من الله تعالى في الحقيقة. ووجه: أن عبادة الله تعالى بالخوف والرجاء عمل الأنبياء والصالحين كما قال تعالى: إنَّهٍمً كّانٍوا يٍسّارٌعٍونٍ فٌي الخّيًرّاتٌ وّيّدًعٍونّنّا رّغّبْا وّرّهّبْا وّكّانٍوا لّنّا خّاشٌعٌينّ [الأنبياء:90] والأدلة على ذلك كثيرة فمن زعم أن عبادة الله تعالى بالخوف من ناره والطمع في جنته نقص في المقام أو في الأجر فقد انتقص في الحقيقة من الأنبياء، وهذا من الغرور والجهالة، إذ لا يمكن لولي مهما كانت مجاهدته ورياضاته أن يرتفع إلى مقام الأنبياء، فكيف يزيد عليه؟ العبادة الصحيحة نستطيع أن نخرج من هذا بكلمة مجملة لأهل السنة أن العبادة الصحيحة لا بد أن تكون مشتملة على الحب والخوف والرجاء، وإلا فمن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو خارجي، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد.... وهذه الجملة تدفع قول الذين يجردون الحب من لوازمه وحقيقته المقبولة، وإلا فإن الحب الصحيح يتضمن الخوف والرجاء، فمن أحب إنسانا حبا حقيقيا كان ذلك دليلا على تعظيمه له، وتعظيمه يدفعه إلى أمرين؛ إلى الخوف منه والهرب مما يغضبه، وإلى الطمع فيه والعمل فيما يرضيه، فما بالك بحب الله تعالى! ولذا فمن مراتب الحب التتيم والتعبد، وهاتان المرتبتان تدلان على عظم المحبة، فمن صار لله تعالى عبدا فقد أحب الله تعالى حبا شديدا، والتعبد خوف ورجاء وحب، والعبد السالم من الآفات لا يجعل لنفسه حظا فيما يملك، إنما يصير قصده في قصد سيده، ولا يجعل لنفسه سلطانا عليها، إنما يجعل السلطان كله لله تعالى، ولذا خوطب النبي صلى الله عليه وسلم بمقام العبادة في ثلاثة مواضع، في الإسراء والوحي والدعوة، قال تعالى: سٍبًحّانّ الذٌي أّسًرّى بٌعّبًدٌهٌ [الإسراء:1] وقال تعالى: فّأّوًحّى إلّى عّبًدٌهٌ مّا أّوًحّى [النجم:10] وقال تعالى: وّأّنَّهٍ لّمَّا قّامّ عّبًدٍ اللَّهٌ يّدًعٍوهٍ [الجن:19] ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما أمره الله تعالى: قٍلً إنَّ صّلاتٌي وّنٍسٍكٌي وّمّحًيّايّ وّمّمّاتٌي لٌلَّهٌ رّبٌَ پًعّالّمٌينّ <261> لا شّرٌيكّ لّهٍ [الأنعام:162،163] ولا يفوتنا أن نذكر أن أعلى مقامات الحب الخلة، ولم يصل إلى هذا المقام أحد غير نبي الله إبراهيم ونبي الله محمد عليهما الصلاة والسلام، ودليل ذلك قوله تعالى: وّاتَّخّذّ اللَّهٍ إبًرّاهٌيمّ خّلٌيلاْ [النساء:125] وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا» [رواه مسلم وغيره عن جندب 532]. والخلة مع الله القيام بجميع مقامات العبادة لا يشغل أصحابها مقام عن مقام مهما كانت درجته. والخلة بين الأصحاب أن يسد كل واحد خلل صاحبه، ويهلك نفسه في حاجته، فإذا أقبل أقبل لله وإذا أعرض أعرض لله، وهؤلاء بين البشر قلة، ومن ذلك ما أشار إليه حسان بن ثابت رضي الله عنه:
أخلاء الرجال همُ كثير ولكنْ في البلاء همُ قليل
فلا تغررك خلة من تؤاخي فمالك عند نائبة خليل
وكل أخ يقول أنا وفيٌّ ولكن ليس يفعل ما يقول
سوى خلٍّ له حسب ودين فذاك لما يقول هو الفعول
ولا يحق لنبي أن يتخذ أحدا من الناس خليلا، إنما صحبة وإيمان، لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبهم قائلا: «ولو كنت متخذًا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته...». متى تصدق المحبة؟ فمن صدق في محبته فقد صدق في استقامته لا محالة، فالاستقامة لازم من لوازم المحبة، فليست محبة العبد لربه هي مجرد الاستقامة؛ وإلا لدخل فيها المنافقون، ولكن المحبة شغف ووداد وميل وإيثار وشوق، وإن كانت هذه الألفاظ تجمع معنى الحب وآثاره في وقت واحد. وإنما الاستقامة أثر من آثار الحب. قال تعالى: قٍلً إن كٍنتٍمً تٍحٌبٍَونّ الله فّاتَّبٌعٍونٌي يٍحًبٌبًكٍمٍ اللَّهٍ [آل عمران:31] فهذه آية الامتحان، فمن زعم شيئا فلا بد أن يعطي البرهان على صدقه، والبرهان على الحب الاستقامة، فجعل الإتباع لازما من لوازم المحبة، وليس هو نفس المحبة، وهذا خلافا للمعتزلة والأشاعرة فإنهم يجعلون الحب مجرد الاستقامة، ومنهم من يجعل الحب إيثارا عقليا، وهذا غير صحيح، فالمؤمنون يشتاقون ويميلون ويرجون، وهذه كلها أعمال قلبية تعبر عن الحب، ولا يمكن أن يصلح إيمان العبد إلا بهذا النوع من الحب. فالأولى بالحب هو الله الغفور الودود قال صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله» [متفق عليه من حديث أنس] فالحب بين المؤمنين أصل الإيمان وثمرته، فمن وجد في قلبه حبا فقد وجد في قلبه إيمانا صادقا، ومن وجد في قلبه بغضا فليراجع نفسه، وليصحح مسيرة دينه قال تعالى: إنَّ الذٌينّ آمّنٍوا وّعّمٌلٍوا الصَّالٌحّاتٌ سّيّجًعّلٍ لّهٍمٍ الرَّحًمّنٍ وٍدَْا [مريم:96] ودا يعني: «حبا» حبا فيما بينهم، وحبا منه تعالى لهم، وحبا من ملائكته تجاههم، وأما من لم يستشعروا هذا الود فيما بينهم فإنهم لم يستشعروا حلاوة الإيمان ولا بشاشته. من أحب أخا فليخبره بذلك: لا يمكن أن يطول أمد الخصام، وتستمرأ المناورة على المصالحة، والبغضاء والشحناء على التسامح والتعانق والمصافحة، والظن السيء على الظن الحسن، أو تجف المشاعر بين قوم يقول أحدهم لصاحبه: «إني أحبك في الله» وقد أثر عن الإمام أحمد أن الصلح المقبول هو الذي يعود فيه كلا الطرفين إلى ما كانا عليه قبل الخصام «أو كما قال (رحمه الله) فهذا أثر من آثار الحب الصادق، فمن يرض بغير عتاب، ويصفح بلا إعراض، ويصدق قلبه، وتخلص نيته؛ فيكون سمحا في بيعه، سمحا في خصومته، سمحا في عدله، سمحا في صلحه، فلعله يحظى بمنزلة يغبطه عليها النبيون والشهداء، تلك هي منزلة المتحابين في الله تعالى وحده. روى الترمذي عن معاذ رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال تعالى: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء» [رواه الترمذي عن معاذ وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع حديث رقم: 4312] فمن أحب أخا له فليعلمه بذلك، وهذه هي عادة السلف الصالح رضوان الله عليهم: فعن يزيد بن أبي حبيب أن أبا سالم الجيشاني أتى أبا أمية في منزله فقال: إني سمعت أبا ذر يقول إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منزله فليخبره أنه يحبه لله، وقد جئتك في منزلك» [رواه أحمد وغيره وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم 281] وهذا أبو إدريس الخولاني فيما رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح يدخل على معاذ بن جبل رضي الله عنه في مسجد دمشق ويقول له: «إني أحبك في الله» فهذه هي الأخلاق المنبثقة من الاعتقاد الصحيح والفهم السديد والدين القيم، فإذا افتقدتها فتحسر عليها، وإلا فلا أراك من الفرقة الناجية المنصورة، لأن أصحاب الفرقة الناجية مجتمعون على الحق مستمسكون بالسنة، لا يسب بعضهم بعضا ولا يلعن بعضهم بعضا، تلك علامتهم ومن السنة الحب في الله والبغض في الله، وإذا رأيت أهل البدع يتقاربون فلا تقل متحابون ونحن متباغضون، وإنما هم قوم غلبتهم الأهواء، اجتمعوا عليها، وتضامنت نفوسهم بها، وإن سمي هذا حبا فالمرء يحشر مع من أحب. أسأل الله تعالى أن يحشرنا وإياكم مع الصالحين. اللهم آمين.

اكتب تعليق

أحدث أقدم