مختلفون لنتعارف
(2)
بقلم: فاطمة زيدان
باحثة دكتوراة في التاريخ والتراث
هل بدأت المجتمعات الكبرى التي نعرفها اليوم بخطط عملاقة؟ أم أن الإنسان نفسه كان الخطة الأولى على سُلم التغيير والإصلاح؟
هذا السؤال هو البذرة الحقيقية لفهم تاريخ التحولات الكبرى؛ فقبل أن ترسم خرائط الدول، وتُسن القوانين، وتُطلق المشروعات، كان هناك إنسان يعيد النظر في نفسه، وفي الآخر، وفي العالم الذي يعيش فيه.
لقد بدأت المجتمعات حين تغير فرد واحد… ثم تبعته مجموعة… ثم تكونت رؤية بعد ذلك … حتى صارت مشروعًا. فالتغيير لا يولد على الورق فقط ، بل يولد داخل الانسان أولًا، ثم ينعكس على السلوك، و يتحول إلى واقع. أما الخطط الكبرى، مهما عظمت، فلا تنجح إلا حين تجد إنسانًا مستعدًا لاستقبالها، وحملها، وتحويلها من أفكار إلى فعل.هكذا بدأت الأمم؛ لا من فوق، بل من داخل الإنسان نفسه.
وفي هذه الحلقة، أفتتح حواري مع ضيفٍ يضيف إلى السؤال عمقًا آخر…
ضيف يجمع بين الخبرة الأكاديمية والرؤية التخطيطية، وبين فهم الإنسان وفهم المكان؛
الأستاذ الدكتور هاني أبو العلا، أستاذ نظم المعلومات الجغرافية بجامعة الفيوم، وخبير التنمية المستدامة بمنظمة اليونسكو، ووكيل كلية الآداب. كنت على يقين أثناء كتابتي سؤال لسيادته أنه سيضيف بعدًا علميًا وتطبيقيًا لسؤالي: هل تغيير المجتمع يبدأ بخطط كبيرة... أم من تغيير نظرة كل فرد للآخر؟ حيث أن خبرته في فهم الإنسان والمكان والتنمية المستدامة ستساعدنا على النظر إلى التغيير من زاوية جديدة، تمزج بين العلم والرؤية الواقعية.
وقد أجاب سيادته: " أرى أن إحداث تغيير حقيقي داخل أي مجتمع يتطلب إطلاق مشروع قومي شامل يُشارك في بنائه صانعو القرار والخبراء، بالتوازي مع مشاركة المواطن العادي بوصفه صاحب المصلحة والأرض. ويُستهل هذا المشروع بطرح مجموعة من الأفكار للنقاش العام عبر آليات حوار مجتمعي جاد، تزامنًا مع حملة إعلامية واسعة تستخدم خطابًا مبسطًا على لسان نماذج شعبية قريبة من الناس، بما يضمن خلق حالة من الزخم والالتفاف المجتمعي حول المشروع.
وأكد سيادته أنه: بناءً على نتائج هذا النقاش، تُعاد صياغة الأولويات الوطنية بصورة دقيقة، اعتمادًا على دراسات ميدانية واقعية تُحدد الاحتياجات الفعلية للمجتمع. يلي ذلك تنفيذ مرحلي متدرج يراعي المكاشفة والشفافية في عرض مستويات التقدم، والتحديات القائمة، وسبل معالجتها.
وإنه ليس من الحصافة فرض خطط جاهزة على المواطن المصري، بما لديه من ذكاء فطري. إن الفصل بين صانع القرار والمواطن أمر غير واقعي، وفرض خطط جاهزة دون إشراكه يتعارض مع طبيعة الشخصية المصرية وما تتمتع به من ذكاء فطري وقدرة على التمييز. كما أن العمل الميداني يظل عنصرًا جوهريًا لصقل الخبرات، واكتشاف معطيات تفصيلية تمثل في كثير من الأحيان نقطة الحسم في إقناع المواطن وجدية إشراكه في مشروع التغيير"..
أما عن قراءتي للسؤال ومن هذا المنظور الذي أجاب به الأستاذ الدكتور هاني أبو العلا، يمكن القول أيضًا إن بناء المجتمعات والإصلاح لا يكتمل إلا من خلال خطط شاملة تشمل المجتمع ككل، بحيث تسير جهود تطوير الإنسان جنبًا إلى جنب مع المشاريع الكبرى للدولة. واستدل على ذلك بما شهدته الدولة المملوكية في مصر، حيث كان العمران الحضاري والمؤسساتي يعكس رؤية استراتيجية واضحة، تهدف إلى تعزيز الاستقرار والنهضة الاجتماعية والثقافية في آن واحد. فالمشاريع العمرانية، التعليمية، والدينية، لم تكن مجرد إنشاءات، بل كانت جزءًا من خطة متكاملة لتشكيل مجتمع قادر على مواجهة التحديات، والانتقال من مجرد قوة عسكرية إلى مجتمع حضاري منظم. ومن يطلّع على التطور العمراني والمشروعات الحضارية في تلك الفترة، قد يظن أن المماليك لم ينشغلوا سوى بالبناء والتشييد، بينما من يرى الانتصارات العسكرية وتتابع الحروب قد يظن أن الجنود لم ينزلوا عن صهوة جوادهم. وهذه التناقضات الظاهرة ما هي إلا دليل على التوازن بين بناء الإنسان، والمجتمع، والدولة؛ حيث كان العمران والنهضة الحضارية يسيران جنبًا إلى جنب مع القوة العسكرية، ليشكلوا مجتمعًا متماسكًا قادرًا على الاستمرار في التنمية والنصر.
وهكذا، يصبح التوازن بين تطوير الإنسان وتنفيذ الخطط الكبرى عنصرًا جوهريًا في بناء الأمم، إذ لا يمكن لأي مشروع إصلاح أن ينجح إذا لم يكن الإنسان جاهزًا لاستقبال هذا التغيير وحمله، وفي الوقت نفسه، لا يكتمل دور الفرد إلا إذا وجد الدولة أو المؤسسة التي توظف طاقاته في مشاريع واقعية وشاملة تصنع الفارق، فالنهضة الحقيقية تبدأ من وعي الإنسان، وتكتمل حين تلتقي مع رؤية الدولة الشاملة، لتولد مجتمعًا قادرًا على البناء والنصر معًا..
وبهذا، يكون ما جاء على لسان الأستاذ الدكتور هاني أبو العلا واضحًا وملهمًا شكرًا للأستاذ الدكتور/ هاني أبو العلا
على مشاركته هذه الرؤية القيمة، التي تجعلنا ندرك أن النهضة الحقيقية تبدأ من الداخل، وأن كل خطوة نحو بناء الحضارة تبدأ أولًا من الإنسان نفسه.
إرسال تعليق