كتب: باهر رجب
في سباق محموم لتتويج نفسها مركزا عالميا للذكاء الاصطناعي، تخطو أوروبا بقوة نحو مستقبل رقمي طموح. لكن هذا الحلم التكنولوجي اللامع يخفي وراءه ظلا مظلما يلوح في الأفق. عطشا جامحا يهدد بابتلاع الموارد المائية الشحيحة أصلا، لا سيما في جنوب القارة الذي يعاني من وطأة الجفاف. فبينما تعلن المفوضية الأوروبية عن خطط لتصبح ثلاث مرات أكثر قوة في قدرات الحوسبة بحلول العقد المقبل، يرفع علماء البيئة والمجتمعات المحلية صرخات تحذير من أن ثمن هذه القوة الرقمية قد يكون أزمة مائية غير مسبوقة.
البارد يحرق المياه: سر العطش الخفي للذكاء الاصطناعي
قلب الثورة الرقمية ينبض في مراكز البيانات الضخمة: مبانى هائلة مكتظة بخوادم لا تنام، تقوم بمعالجة كل شيء من عمليات البحث على الإنترنت إلى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المعقدة. ولكي لا تحترق هذه الخوادم من شدة الحرارة الناتجة عن عملها، تحتاج إلى أنظمة تبريد عملاقة. وهنا تكمن المفارقة البيئية الصارخة. فأكثر التقنيات تقدما تعتمد على أحد أقدم العناصر وأكثرها بدائية – الماء. كميات هائلة منه تسحب باستمرار لتبريد تلك العقول الإلكترونية، ما خلف ظاهرة باتت تعرف بـ "العطش الرقمي".
هذا العطش لا يقتصر على قطرات معدودة. تقارير متخصصة تكشف أن استهلاك مراكز البيانات للمياه قد يفوق في بعض الأحيان استهلاك مدن بأكملها. والمشكلة تتضاعف عندما تبنى هذه المراكز، بدافع الجذب الاقتصادي وانخفاض تكاليف الأرض، في مناطق تعاني أساسا من الإجهاد المائي. ففي دول مثل إسبانيا واليونان وإيطاليا، حيث يعيش حوالي 30% من الأوروبيين تحت تهديد "الإجهاد المائي الدائم" حسب تقارير الوكالة الأوروبية للبيئة، يأتي هذا الاستهلاك الجديد ليشكل ضغطا لا يحتمل على موارد شحيحة.
صدام في السهول: المزارعون vs عمالقة التكنولوجيا
لم تعد هذه المخاوف نظرية، بل تجسدت في صراعات حقيقية على الأرض. في إقليم أراجون الجاف شمال شرق إسبانيا، تواجه خطط "أمازون" لبناء ثلاث مراكز بيانات ضخمة مقاومة شرسة من المزارعين المحليين. هؤلاء المزارعون، الذين يعتمدون على نفس مصادر المياه لري محاصيلهم وتربية مواشيهم، يخشون أن تلتهم المنشآت الرقمية حصصهم المائية، فتدمر سبل عيشهم وتزيد من تصحر المنطقة.
كيفن غريكس، أستاذ سياسات المياه في جامعة أوكسفورد، يصف هذا الواقع بقسوة: "بناء هذه المراكز في مناطق شبه قاحلة يعكس غياب التفكير المتكامل في السياسات". ويضيف أن السياسيين المحليين، في سعيهم لخلق فرص عمل وجذب استثمارات بمليارات اليوروهات، غالبا ما يضعون مسألة الاستدامة والآثار طويلة الأجل في المرتبة الثانية. المشهد يتكرر في بريطانيا، حيث أثار اختيار قرية كولهام، القريبة من أول خزان مائي جديد يبنى منذ ثلاثين عاما، كموقع لأول "منطقة نمو للذكاء الاصطناعي" في البلاد، موجة قلق مماثلة بين السكان.
البصمة المائية الخفية: مشكلة أكبر من مجرد تبريد
يكشف الخبراء أن التركيز على استهلاك المياه داخل مراكز البيانات نفسه هو مجرد قمة جبل الجليد. فـ "البصمة المائية" الحقيقية لهذه الصناعة تمتد بعيدا خارج أسوار تلك المباني. أكثر من نصف هذه البصمة تحدث في مراحل غير مرئية للعين. في محطات الطاقة التي تزود المراكز بالكهرباء، والتي تستهلك كميات مهولة من الماء للتبريد وتوليد البخار، وفي المصانع عالية التخصص التي تنتج الرقائق الإلكترونية الدقيقة، والتي تتطلب مياها فائقة النقاء في كل مرحلة من مراحل التصنيع. وبالتالي، حتى إذا استخدم مركز البيانات المياه المعاد تدويرها، فإن شبكة الإمداد الطاقة والتصنيع التي تدعمه قد تكون عطشة بدرجة أكبر.
هل من أمل أخضر؟ محاولات التبريد المستدام
في مواجهة هذه الانتقادات الحادة، تحاول الشركات العملاقة والمؤسسات الأوروبية تقديم حلول. تروج المفوضية الأوروبية لمبادرة "EuroHPC" للحوسبة الفائقة، مؤكدة أنها تراعي الكفاءة و الاستدامة، وتشير إلى نموذج الحاسوب العملاق "JUPITER" في ألمانيا، الذي يعمل بالطاقة المتجددة ويعيد استخدام حرارته المهدورة. على الأرض، تعلن شركات مثل "مايكروسوفت" عن اختبار مراكز بيانات تعتمد على التبريد الهوائي بالكامل دون استخدام المياه. وفي البرتغال، تستخدم منشأة "Start Campus" تقنية تحلية مياه البحر وإعادة تدويرها داخليا لتبريد أنظمتها، في محاولة لتخفيف العبء عن مصادر المياه العذبة.
معضلة أوروبا: النمو الرقمي أم المرونة المناخية؟
تقف أوروبا عند مفترق طرق صعب. فمراكز البيانات هي العمود الفقري لاقتصادها الرقمي الطموح، وهي مولدة للتريليونات من الدولارات وملايين الوظائف عالية المهارة. في الوقت ذاته، تواجه القارة، وخاصة جنوبها، تهديدات وجودية بسبب التغير المناخي، حيث تتفاقم موجات الجفاف وندرة المياه عاما بعد عام. وقد بدأت بعض الدول، مثل هولندا وأيرلندا، في فرض قيود صارمة على بناء مراكز بيانات جديدة بسبب الضغط على البنى التحتية للمياه والطاقة.
الخلاصة التي يقدمها الخبراء هي أن السباق المحموم نحو الهيمنة على الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن ينجح إذا كان يقوض الأساس البيئي الذي يقف عليه. المستقبل يتطلب سياسة متكاملة تجعل من الكفاءة المائية والطاقة المتجددة معايير إلزامية، وليس مجرد دعاية تسويقية. كما يتطلب توجيه الاستثمارات نحو المناطق الأقل عرضة للإجهاد المائي، وابتكار تقنيات تبريد ثورية. فالقرار الذي ستتخذه أوروبا اليوم سيرسم مصيرها. هل ستكون قارة رقادية رائدة لكنها عطشى، أم ستجد الطريق لتحقيق طموحاتها التكنولوجية دون أن تدفع ثمنها من آخر قطرة ماء؟ المعركة بين الاستدامة والنمو لم تعد نظرية، بل تدور رحاها الآن في سهول إسبانيا وحقول البرتغال، وهي معركة ستحدد شكل القارة العجوز في العصر الرقمي.

إرسال تعليق