حين يصبح الصمت وطنًا
بقلم : آية محمود رزق
نحن الذين نعيش خارج الضوء لا لأننا اخترنا العتمة بل لأن المشهد العام ضاق عن اتساعنا نقف على الهامش لا باعتباره مكانًا ثانويًا بل باعتباره المساحة التي تُختبر فيها الحقيقة كاملة حيث لا تزييف ولا شعارات ولا خطابات مصقولة نحن الذين نمضي في الحياة محملين بأسئلة أكبر من إجاباتها وبأعباء لا يراها أحد وبصبر يُطلب منا كأنه واجب وطني لا خيار إنساني
في هذا الوطن تتكرر الحكايات بأسماء مختلفة شاب يقف عند حافة الحلم مترددًا لا خوفًا من الفشل بل من ثمن المحاولة وبنت تقاتل وحدها كي تثبت أن وجودها ليس استثناءً ولا عبئًا وأن حقها في الاختيار لا يحتاج إلى تبرير وأم تستنزف عمرها بين مسؤوليات لا تنتهي ورجل يستهلكه العمل منتظرًا أمانًا مؤجلًا يبدو وكأنه وعد بلا تاريخ
المأساة الحقيقية ليست في الألم ذاته بل في اعتياديته حين يصبح التعب أسلوب حياة وحين يتحول القلق إلى رفيق دائم وحين يُطلب من الإنسان أن يتكيف مع ما لا يُحتمل بدلًا من أن يُعاد النظر في أسبابه هنا تتجلى أزمة العدالة الاجتماعية لا كفكرة نظرية بل كواقع يومي فادح الوضوح حيث تتوزع الفرص بميزان مختل ويُكافأ القرب أكثر مما يُكافأ الجهد ويُطلب من الغالبية أن تصبر بينما تُفتح الأبواب لقلة محدودة
هذا الخلل لا يصنع الفقر وحده بل يصنع شعورًا عميقًا بالإقصاء شعورًا بأنك غير مرئي وغير مسموع وغير محسوب في معادلة المستقبل ومع الوقت يتحول هذا الإقصاء إلى إنهاك نفسي عام وإلى شك دائم في القيمة الذاتية وكأن المشكلة في الإنسان لا في السياق الذي استنزفه
وسط هذا كله تبرز أزمة الهوية لا بوصفها سؤالًا فلسفيًا مجردًا بل باعتبارها معركة يومية من نكون حين لا نستطيع أن نكون ما نريد وهل ما نعيشه اختيار أم استسلام وهل التكيف ذكاء أم هزيمة نحاول الحفاظ على ذواتنا في عالم يضغط باتجاه التشابه ويخشى الاختلاف ويكافئ الطاعة أكثر مما يحترم الوعي
في تفاصيل الحياة اليومية تظهر الحقيقة عارية في ازدحام الطرق الذي يسرق الأعمار وفي الوجوه المرهقة التي تتشابه رغم اختلاف الحكايات وفي الجمل المتداولة التي نحتمي بها من الانهيار اصبر بكرة أحسن كله هيعدي كأن التكرار يمنحها مصداقية وكأن الزمن وحده قادر على إصلاح ما أفسده غياب العدالة
ورغم ذلك لا تزال الإنسانية تقاوم في الهامش في ضحكة عابرة وسط يوم ثقيل وفي مساعدة صامتة بين غرباء وفي تضامن غير معلن بين من يعرفون الوجع نفسه هذه اللحظات الصغيرة غير الموثقة هي ما يمنع الانهيار الكامل وما يحفظ الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي
الكتابة عن هؤلاء ليست تعاطفًا ولا خطابًا عاطفيًا بل التزام أخلاقي فالدور الحقيقي للصحافة ليس تجميل الواقع ولا إعادة إنتاج الرواية السائدة بل كشف ما يُخفى ومنح الصوت لمن لا يملكون المنصة المقال هنا لا يدعي امتلاك الحلول ولا يوزع وعودًا سهلة لكنه يصر على تسجيل الشهادة قبل أن يبتلع الصمت كل شيء
نحن لسنا ضعفاء كما يُراد لنا أن نصدق ولسنا سلبيين ولا عدميين نحن فقط مُنهكون من محاولات البقاء في واقع لا يكافئ الاستقامة ولا يعترف بالجهد ولسنا بلا قيمة بل بلا اعتراف وهذا الفارق وحده يفسر كثيرًا من الغضب الصامت وكثيرًا من الانسحاب الداخلي
حين يصبح الصمت وطنًا تتحول الكلمة إلى ضرورة لا ترف وإلى فعل بقاء لا ترف فكري وهذا النص ليس نهاية القول بل بدايته تذكير بأن الذين عاشوا طويلًا على الهامش هم في الحقيقة من حملوا هذا الوطن على أكتافهم دون أن تُذكر أسماؤهم
إرسال تعليق