الدواجن بين النفوق والغلاء… اختبار حقيقي لمنظومة الغذاء
بقلم آية محمود رزق
في كل شتاء، تعود أزمة الدواجن لتطفو على السطح، لكنها هذه المرة ليست مجرد حدث موسمي متكرر، ولا مجرد موجة نفوق يمر بها القطاع ويزول. ما يحدث اليوم هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة والمنظومة على إدارة أحد أهم ملفات الأمن الغذائي في البلاد، ومرآة صادقة لحالة ضعف التخطيط في مواجهة الأزمات.
فيروس النيوكاسيل والأمراض الأخرى، مع برودة الجو وانخفاض درجات الحرارة، أصبح معروفًا أنهما يشكلان بيئة مثالية لنفوق الدواجن، لكن المفاجأة لم تكن في المرض نفسه، بل في حجم الخسائر والفجوة بين المربي والمستهلك. آلاف الطيور نفقت خلال أيام، مزارع كبيرة وصغيرة تعرضت لضغط هائل، والمربي وجد نفسه وحده في مواجهة الأزمة، بلا دعم حقيقي أو خطة واضحة للتعامل مع نفوق واسع أو تحصين مبكر.
المربي المصري، خاصة الصغير والمتوسط، يقف اليوم في الصفوف الأمامية للأزمة، يحارب المرض بالحد الأدنى من الموارد، يحاول السيطرة على ما تبقى من إنتاجه، ويواجه ارتفاع أسعار الأعلاف والأدوية، كل ذلك وسط ضغط نفسي ومادي هائل. كل هذا يحدث في صمت، وكأن المسؤولية تقع فقط على كاهله، بينما المنظومة الأكبر لا تبدو موجودة.
ومع اتساع النفوق، تظهر أزمة أكبر: السوق نفسه. أسعار الدواجن عند باب المزرعة غالبًا لا تعكس حجم التكلفة أو الخسارة، وفي الوقت نفسه ترتفع الأسعار للمستهلك بشكل مستمر. هذا التناقض يوضح أن المشكلة ليست فقط في المرض، بل في آلية توزيع الخسائر والربح داخل القطاع. المربي يخسر، والمستهلك يدفع أكثر، بينما التوازن المطلوب بين العرض والطلب يُترك لمصادفة السوق.
ومن هنا يبرز ملف الدواجن المجمدة، الذي أصبح أحد الحلول الظرفية لسد فجوة المعروض، لكنه يطرح تساؤلات كبيرة عن القدرة على متابعة الجودة وسلامة الغذاء. المواطن يشتري على الثقة، لا يملك أدوات للتأكد من المصدر أو فترة الحفظ، ومع ذلك تظل هذه المنتجات متاحة بشكل واسع، لتصبح فجوة المعلومات حول الغذاء مصدرًا إضافيًا للقلق، ليس فقط للمستهلك، بل لاستقرار القطاع ككل.
الأرقام تؤكد حجم الأزمة: أسعار الدواجن تجاوزت حاجز 75 جنيهًا للكيلو خلال أيام قليلة، مع توقعات بمزيد من الارتفاع. هذه القفزة لا تشير إلى ازدهار الإنتاج، بل تعكس نقص المعروض الناتج عن النفوق الكبير، وخروج بعض المربين من الدورة الإنتاجية، وتأثر التوازن العام للسوق.
الأزمة الحالية هي رسالة واضحة: إدارة هذا القطاع لا يمكن أن تُترك للصدفة أو للطوارئ. الفيروس ليس السبب الوحيد، ولا الطقس البارد وحده مبررًا، بل ضعف التخطيط ونقص التنسيق والرقابة المبكرة. حين تُترك الأمراض لتنتشر، ويُترك السوق ليضبط نفسه، تصبح الخسارة متوقعة، ويصبح المواطن والمربي في النهاية هما الطرفان الخاسران.
الدواجن ليست سلعة ترفيهية، بل عنصر أساسي في غذاء المصريين، وأي اضطراب فيها ينعكس فورًا على ميزانية الأسرة، وعلى ثقة المواطن في الغذاء، وعلى استقرار القطاع ككل. لذلك، يتطلب الأمر رؤية شاملة: من التحصين والوقاية، إلى تنظيم السوق، إلى دعم المربي الصغير، وضمان وصول غذاء آمن للمواطن بسعر عادل.
ما يحدث اليوم هو اختبار لقدرة المنظومة على التعلم من الأزمات المتكررة، واختبار لقدرة الدولة على الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة الخسارة إلى منعها قبل وقوعها. استمرار الضغط على المربي، وترك السوق دون ضوابط واضحة، سيؤدي إلى تقلص الإنتاج مستقبلًا، وزيادة الاضطراب في الأسعار، وفقدان الثقة بين المواطن ومنتجه.
الدواجن اليوم ليست مجرد أزمة قطاع، بل مرآة لطريقة إدارة الملفات الحيوية في الدولة. إدارة ناجحة تتطلب تنسيقًا حقيقيًا بين المزارع، المجازر، السوق، والرقابة الصحية، وإلا سيظل الملف معرضًا للتكرار، وسيظل المواطن يدفع الثمن، سواء بالمال أو بالثقة في غذائه.
الأزمة الحالية ليست مجرد نفوق مؤقت أو ارتفاع أسعار عابر، بل إنذار حقيقي بأن القطاع الحيوي يحتاج إلى خطة متكاملة، وأن الأمن الغذائي لا يحتمل التأجيل، وأن استمرار الوضع على ما هو عليه يعني أن الفيروسات والأسعار والجشع سيبقى المواطن والمربي هما الحلقة الأضعف.
في النهاية، ما يحدث في الدواجن هو اختبار للقدرة على إدارة الغذاء، اختبار لصحة المنظومة، اختبار لقدرة الدولة على حماية المواطن. ونجاح هذا الاختبار يعني إنتاجًا مستقرًا، أسعارًا عادلة، وثقة متجددة بين المواطن ومنتجه. وفشله يعني المزيد من الأزمات المتكررة، والمزيد من الضغوط على الفقراء، والمزيد من الغموض في غذائنا اليومي.
إرسال تعليق